صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

توني جات : الحلّ ليس بالدولتين·· بل بالدولة الثنائيّة!

الاتحاد - خاص:

يعرب المؤرخ البريطاني اليهودي ''توني جات'' عن ذهوله لأن اللوبي اليهودي، سواء في الولايات المتحدة أم في أوروبا، يحظر أي محاولة لانتقاد السياسات الإسرائيلية، مع أن الإسرائيليين أنفسهم يطاردون الساسة والجنرالات عندهم على ذلك النحو المثير·· ''جات'' الذي ألغيت له محاضرة في نيويورك التي يدرّس في جامعتها، يخرج باستنتاج مثير، فلا مجال لدولتين إحداهما عربية وأخرى يهودية· الحل البعيد المدى عنده: دولة ثنائية تكون مختبراً مثالياً للعيش المشترك، يتابع هذا التقرير آخر آراء ''جات''·
الكوميديا السوداء
''ماذا يحدث إذا أُرغمنا جميعاً على أن نقفل أفواهنا بالشمع الأحمر''؟
الذي يطرح هذا السؤال هو المؤرخ البريطاني ''توني جات'' الذي يتولى إدارة معهد ''اريك ماريا رومارك للدراسات الأوروبية'' في جامعة نيويورك·
هذا المؤرخ الشهير الذي نجحت ضغوط منظمات يهودية في إلغاء محاضرة كان يزمع إلقاءها حول السياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط في القنصلية البولونية في المدينة، يعتبر أن هناك داخل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة مَن ''يغتال'' الدولة العبرية، ودائماً من خلال ''بعض السياسات العمياء، فيما تحتاج هذه إلى مَن يقول لها: مهلاً، ولتتوقف هذه الكوميديا السوداء''·
يوضح ''جات'' أنه يثير الارتباك لدى القوى المتشدّدة داخل اللوبي، فهو ليس ضد إسرائيل كما هي حال ''ناعوم تشومسكي'' أو ''نورمان فيكلشتاين''، بل إنه عرف بمساندته لها، وبخلفيات محددة، لكن تلك القوى التي يرى أنها تمسك بالزمام ليست مستعدة حتى للقبول بأي وجهة نظر عقلانية تخدم، على المستوى الاستراتيجي، إسرائيل التي يلاحظ أنها تواجه أزمة عميقة لا بد من التعاطي معها بعقل مفتوح، ليسأل: ''هل انتقلت كهوف تورا بورا إلى واشنطن؟''·
نهاية المصطلحات الصارخة
''جات'' يعتبر أن العرب بوجه عام، والفلسطينيين بوجه خاص، أظهروا الكثير من ''الرؤية'' في النظرة إلى الواقع الإسرائيلي، ولقد زالت من الوجود كل تلك المصطلحات الصارخة، بل والخشبية إن لم تكن المصطلحات المجنونة، وإن كانت تصدر، بين الحين والآخر ''صيحات هيستيرية'' بعيدة كلياً عن المناخ العربي، ويتم إطلاقها لأغراض تكتيكية لا علاقة لها بجوهر الأزمة التي يفترض أن تعني، تحديداً، العرب والإسرائيليين بالدرجة الأولى·
في رأي ''جات'' أنه لا بد من التقاط هذه ''اللحظة العربية الرائعة'' والتي انتظرها العديد من الإسرائيليين طويلاً، فقد كانت التهم تتلاحق ضد العرب بأنهم يريدون إلقاء اليهود في البحر، وأنهم ليسوا على تماس، منذ قرون وقرون، مع البُعد الأخلاقي، والثقافي، والإنساني، لمفهوم التعايش بين المجتمعات أو بين الحضارات· لكن دولاً عربية أبرمت السلام مع ''اورشليم''، كما أن التواصل مفتوح بينها وبين عواصم عربية، حتى أنّ الفلسطينيين أنفسهم، ولطالما وُصفوا بـ''المخرّبين'' وقّع زعيمهم الراحل ''ياسر عرفات'' على اتفاق اوسلو دون أيّ تحفّظ، فأي عقل يعمل الآن، في نظر المؤرخ البريطاني، إنما يتجه إلى السلام· يضيف: ''إلا إذا قررنا الأخذ بما تقوله لنا··· الأبالسة''·
عسكرة النصوص
إنه يمضي ساعات من التأمّل: ''أجل هذا ما تحتاجه أي رؤية، وأنا كيهودي لا أقول لأحد أن ندع نصوص التوراة جانباً، فلكل قناعته الدينية، ولكن أن يتم تسييس النصوص وعسكرتها بتلك الصورة العمياء، فهذا ما اعترض عليه لأننا نفهم ما تعنيه هذه النصوص ونصرّ على ألا نلطخها بالدم''·
يستغرب كيف أنهم في إسرائيل ينتقدون، بصورة مدوية، سياسات الحكومات هنا، كما تشكل لجان تحقيق في قضايا مختلفة، وتخرج هذه اللجان باتهامات بالغة الحساسية، لكن الجماعات الضاغطة، سواء في الولايات المتحدة أم في أوروبا، لا تزال تعيش في قرون غابرة، دون أن تدرك ما هو ''المفعول العبقري'' للشفافية في تفعيل المجتمعات والدول· ممنوع أي كلام عن إسرائيل ''لكنهم بالتأكيد لا يستطيعون اتهامي، كيهودي، باللاسامية، مع أنه ينبغي عدم صوغ هذه التهمة جزافاً، بل يقتضي تعليل ذلك بصورة منطقية ومقنعة· وأنا أقول هذا ''خوفاً'' على التهمة أو بالأخرى على صدقيتها التي تتعرّض الآن للاهتزاز، بعدما وجهت إلى شخصيات على قدر كبير من الاتزان وبُعد النظر''·
شبه دولة
''جات'' يعتبر أن الدولة العبرية لا تستطيع أن تعيش هكذا: ''يهود من الدرجة الأولى وعرب من الدرجة الثانية''، كما أن إقامة دولتين متجاورتين تبدو عملية معقدة للغاية لأن ثمّة خوفاً داخل إسرائيل من الدولة الفلسطينية التي تعتبرها بمثابة نفي لها، ودون أن يتمكن الإسرائيليون من مراقبة كل رصاصة تدخل إلى هذه الدولة ''ونحن الآن نتحدث عن دولة وليس عن شبه دولة، أي أن الإسرائيليين لا يستطيعون أن يفرضوا على الدولة الأخرى سياساتها العسكرية وإلا انتفى، تلقائياً، مفهوم الدولة''·
ما الحل، في نظره، إذاً؟ دولة ثنائية يهودية - عربية لاعتقاده أن هذا سيحدث، حتماً، ذات يوم، إما بفعل جدلية التطوّر في العقل السياسي، أو بفعل تكاثر العرب الذي بات يثير مخاوف الكثيرين في إسرائيل· في هذه الحال، لماذا الانتظار؟ ولماذا كل ذلك الموت؟
المؤرخ البريطاني ''واثق'' من أن النتائج التي أسفرت عنها حرب لبنان لا تعود إلى أسباب تقنية، أو آنية، وإنما إلى أزمة بنيوية داخل الدولة التي وصل بها العنف إلى الطريق المسدود، فها هي تستخدم الدبابات ضد الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة التي انقضى عليها زهاء عقدين من الزمن· لم تستطع أن تفعل شيئاً سوى صناعة كمية إضافية من الكراهية، ليضيف ''كل الجثث تبقى مفتوحة العينين حتى لو خيّل إلينا العكس''·
جراحة في الدماغ
في رأيه، إنه يفترض القفز فوق كل السياسات الصغيرة والتي تدعو، أحياناً، إلى الريبة والتقزز، فلا بد لإسرائيل من السياسات الكبيرة التي تمتد إلى البعيد· من الآن ''لا بد من تلك الجراحة العميقة في الدماغ السياسي الإسرائيلي''· استطراداً، أي سلام بعيد المدى يستلزم استئصال كل الأورام السياســـــــية والإيــــــديولوجية· في هذه الحال تقوم الدولــــــــة الثنائيــــــة والتي يمكن أن تكون مخـــــتبراً مثالياً للعيش المشترك، مع تجاوز الجوانب الميكانيكية لهذا الطراز من العيش، ودائماً في اتجاه الجوانب الخلاقة·
لكن هذا، وكما يقول ''توني جات''، يتطلب دعماً من اللوبي اليهودي إن في الولايات المتحدة أو في أوروبا، وبالتالي التخلي عن منطق التابو، ففي إسرائيل بشر ويخطئون، أما عندما يحظر توجيه أي نقد إليهم تحت طائلة الإعدام (أوليس إلغاء محاضرة هو بمثابة إعدام للرأي؟)، فإنّ الطريق ستكون مفتوحة أمام المسؤولين الإسرائيليين ليرتكبوا أخطاء تتجاوز بكثير التحرّش الجنسي، والاختلاس، واستغلال الوظيفة العامة، والتردّي في الأداء السياسي والعسكري··
يعترف ''جات'' بأن الوصول إلى ما يدعــــــو إليــــه يســـــــتلزم الكــــثير من المشـــــقة ''ولكن ألا نقول، سوية، إن علينا إنقـــــاذ اليهود، ربما، هذه المرة، من اليهود؟''·

أورينت برس