الاتحاد

الملحق الثقافي

سهولة السخرية في يوميات معقدة

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

الأدب الساخر يُعد واحداً من أهم فنون الأدب الذي برع فيه الأدباء العرب الأقدمون والمحدثون على حد سواء، فمنذ أيام امرئ القيس، وما تحتويه معلقته من تهكم واستهتار، مروراً بابن المقفع وترجمته لكتاب كليلة ودمنة الحافل بالإسقاطات والمواقف الساخرة، ووصولاً إلى عصرنا الحالي، حيث نجد كتاباً من أمثال أحمد رجب ومحمود السعدني في مصر، اللذين تقلدا مكانة مرموقة على الساحة الثقافية في كل من مصر والعالم العربي من خلال أسلوبهما الساخر، وبفضل هذا الأسلوب تمكنا من التصدي لكثير من القضايا التي يعج بها مجتمعهما·
وعلى هذا، فالسخرية هي لون من ألوان الأدب الذي احتفى به العرب على مر العصور·
كتابة متميزة
وهنا في الإمارات ظهر كاتب ساخر ذو أسلوب رائع وجذاب، هو أحمد أميري الذي أطل علينا من خلال كتابه الأول ''مع تحيات بوقلم''، وهذا الكتاب يحمل بين دفتيه العديد من المواقف والتجارب الشخصية التي مر بها الكاتب، ومن خلال متابعتنا لأسلوبه السردي، نجد أننا أمام كاتب متميز يُتوقع له شأن كبير على الساحة الأدبية والثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي· ثمة حكايات خاصة بطفولته، وأخرى بفترة الشباب وما بها من لحظات جنون، فضلاً عن كثير من الحكايات المتعلقة بعمله في مجال الصحافة، وكيفية دخوله هذا المجال، الذي كان له الفضل الأكبر في صقل شخصيته الإبداعية حتى كان كتابه الأول على هذا القدر من النجاح والتكامل في كثير من نواحي الإبداع السردي· من أطرف ما ذكره الكاتب من حكاياته في مرحلة المراهقة، وصفه لحالة الحب التي تملكته نحو إحدى الفتيات، في ذات الوقت التي بدأت تظهر لديه ميوله نحو الكتابة والأدب فنجده يقول ''حدث أن أحببت إحداهن وبدأت أخرج ظهراً كالكلاب الجائعة إلى صوب ديارها أبحث عن عظمة، أقصد نظرة فابتسامة، لكن الباقي لم يكن ليأتي وابن الملوح عاجز عن إظهار مشاعره· وأمام عجز اللسان، كانت الأوراق تؤدي الدور وبأقوى عاطفة، كاذبة بطبيعة حال المراهقين··· تراكمت الأوراق حتى اكتشف أعداء الإنسانية الأمر، فأعدوا كميناً حضره لفيف من المدعوين يتقدمهم صديق شقيقها الذي افتتح الحفل بلطمة، ثم أخذ العدل مجراه بالأيدي والأقدام والنِعال· وكانت الضربة الأخيرة ركلة في المؤخرة أتذكرها كلما قعدت للكتابة''· هنا نجد أن الكاتب استطاع ببراعة أن ينقل لنا مشاعر الحب الوهمي الذي سيطر عليه حتى دفعه إلى تلك النهاية غير السعيدة على أيدي بعض من ذويها، ممن سماهم ''أعداء الإنسانية''، ورغم قسوة هذا الوصف إلا أنه أستطاع توظيفه بشكل كوميدي ساخر، بما يتناسب مع طبيعة الموقف، وهو ما يظهر قدرة غير عادية لدى الكاتب في التلاعب بالألفاظ وتطويعها لخدمة النص الأدبي· ما أريد أن أقوله، هو أن قدرة الكاتب على التحكم في الكلمات وتطويعها وتسخيرها، هي التي ساعدته بشكل كبير على أن يكون بارزاً في مجال الكتابة الساخرة·
أزمات متلاحقة
في موضع آخر من الكتاب يتعرض الكاتب لجملة من المشاكل والظواهر الاجتماعية الموجودة في مجتمعه، وهو يفعل ذلك بأسلوب المتمكن القادر على توصيل رسالته بأبلغ الكلمات وأوجزها، فنجده يقول: ''ينسى الشاب في سني انتظار الزواج أن الحاجات لا تنتهي، وكلما أشبع واحدة طرأت أخرى، وأن الكمال الذي يصبو إليه لن يتحقق، وكلما رُقّع من جانب، خُرق من جانب آخر، فإذا نال الشهادة الجامعية، ظهرت مشكلة الحصول على الوظيفة· وإذا وُفق في الحصول على وظيفة، طرأت أزمة السكن· وإذا دبّر سكناً، طفحت الديون من مجاري البنوك، وإذا برأت ذمته تجاه البنوك، تورّط في تجارة كان يأمل من خلالها زيادة دخله· وإذا نجح في تجارته وصار زوجاً كاملاً، طفت مصيبة إيجاد الزوجة المناسبة''· ومن جميل ما كتبه الكاتب في شأن واحدة من أهم القضايا التي تشغل كثيرا من المجتمعات، ألا وهي قضية التدخين والخوف الذي أصابه من جراء ما قد تجلبه عليه من تداعيات صحية واجتماعية، فهو يعبر عن تلك المخاوف قائلاً: ''هل سيأتي يوم يُعلن فيه تسرطني؟ وهل ستصدأ أنابيبي الداخلية لأودع بعدها الدنيا تاركاً أعز من فيها؟ وهل سيجد ابني نفسه يتيماً يضربه الأوباش على قفاه ويقرصه أقاربي من أذنه؟ وهل ستبكي ابنتي في حفل الجامعة وتملأ قبعة التخرج بالدموع لأن جميع الخريجين يحضنون آباءهم من الفرحة، إلا هي تقف وحيدة لأن أباها كان من عبدة النار والتبغ؟''
أرى أن الكاتب عمد إلى استخدام مثل تلك الألفاظ البسيطة السهلة، لكون هذه الطريقة هي الأفضل في الوصول لعقل وقلب القارئ، وخصوصاً فيما يتعلق بواحدة من أهم القضايا المرتبطة بحياته اليومية·

اقرأ أيضا