صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أضواء فولكلورية على الفتح العربي لمصر

“قصة البهنسا ـ حكاية غزوة” كتاب جديد/ قديم من “الكتب الصفراء” يباع دائما في المكتبات القديمة، طبعته مكتبة صبيح وكذلك مكتبة البابي الحلبي منذ القرن التاسع عشر، والجديد انه عكف عليه د. عمرو منير استاذ التاريخ المتخصص في المساحة العلمية بين التاريخ والفولكلور، وقد اعد دراسة علمية وتحقيقا موسعا لهذا الكتاب وانتقل بذلك من خانة الكتب الصفراء إلى الكتب المطبوعة حديثا على ورق أبيض مصقول وبتناول علمي جاد.
ويتناول الكتاب قضية مثيرة تتعلق بالفتح العربي لمصر، ذلك ان عمرو بن العاص حين جاء إلى مصر لم يقترب بجيشه من منطقة الصعيد، عبر عمرو من فلسطين إلى مصر بسهولة لم تكن قناة السويس قد حفرت، ويبدو ان عمرو جاء إلى مصر بعد عملية استطلاع مخابراتية دقيقة، فقد اجتاز الطريق متجنبا الاحتكاك بأي حامية رومانية كبيرة، حتى وصل إلى حصن بابليون، وتمكن من السيطرة عليه بسهولة، بلا قتال حقيقي ومن بابليون في جنوب القاهرة الآن انطلق نحو الاسكندرية حتى تمكن من السيطرة عليها، ويقول لنا المؤرخ ابن عبدالحكيم “انها فتحت صلحا لا عنوة” لكن ما ان فكر الجيش الاسلامي في التحرك من بابليون نحو صعيد مصر لاستكمال فتحها، حتى واجهته مقاومة عنيفة، خاصة في منطقة البهنسا على حدود محافظة المنيا الآن، حيث كانت هناك حامية رومانية شديدة وانضم إليها عناصر من المصريين ومن أهل النوبة وسقط عند هذه المدينة عدد من كبار الصحابة شهداء، وهذا ما يتناوله الكتاب الذي بين ايدينا.

مشكلة الفتوحات
مشكلة الفتح العربي لمصر مثل مشكلة الفتوحات الاسلامية الأولى كلها، لم تدون وقتها، ولم يكن هناك مؤرخون معاصرون، كان المسلمون في انشغال تام بالفتح وتجهيز الجيوش، وبعد ان استقرت الامور وفي نهاية الدولة الاموية وبدايات العصر العباسي بدأ المؤرخون يكتبون، كان الذين قاموا بالفتوحات من القادة انتقلوا الى العالم الآخر وكذلك الذين عاصروهم وهكذا لم يسمع المؤرخون من المصادر بل من الروايات الشفهية التي تحملها ذاكرة الاجيال، ومن ثم اختلط التاريخ فيها بالخيال الشعبي والاحساس بالزهو والبطولة، واخترع الخيال الشعبي احداثا ووقائع كثيرة، وهذا يبدو أكثر بالنسبة لفتح مصر ومنطقة البهنسا تحديدا، والدليل أن هذا الكتاب ليس له مؤلف معروف، بل نسب إلى اربعة مؤلفين، هم الواقدي والبكري وكل منهما توفي في القرن الثالث الهجري والمقرس المتوفي في القرن الثامن الهجري، والرابع هو الشيخ العلامة والعمدة الفهامة محمد بن محمد المعز، ويحلل المحقق النص لينتهي إلى أن المؤلف على الاغلب هو الأخير متفقا مع رأي سابق قال به فاروق خورشيد، ويبدو أن وضع القصص واختلاقها في الوقائع التاريخية كان شائعا إلى حد ان الذهبي وصف المؤرخ “البكري” بأنه كذاب ودجال، السيوطي من جانبه وضع كتابا للتحذير من هذه الظاهرة سماه “تحذير الخواص من أكاذيب القصاص”، اما عبدالرحمن بن خلدون صاحب المقدمة والمؤرخ والفقيه المعروف في التاريخ الاسلامي فقد حذر هو الآخر من ذلك قائلا: “ان فحول المؤرخين في الاسلام قد استوعبوا اخبار الايام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر واودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل واوهموا فيها أو ابتدعوها وزخارف من الروايات المصنفة لفقوها ووصفوها”.
ونلاحظ ان كتاب “قصة البهنسا” كان يتغنى به الفنانون الشعبيون في الموالد والاحتفالات وهذا يعني ان الخيال الشعبي سيطر عليه وزاد فيه، حيث تسيطر روح الفخر على النص من البداية، ويجزم فاروق خورشيد بأن مؤلف هذا الكتاب كان في الأصل فنانا شعبيا عليه ان يمتع الناس ويسعدهم بما لديه من حكايات وقصص، يضيف اليها ويزيدها من عنده.

أمراء وشهداء
وفي مدينة البهنسا توجد مقابر الصحابة الذين استشهدوا بها، ويقول عنها المؤلف “ذكر جماعة من السادة والأمراء والأعيان ان من زار جبانة البهنسا خاض في الرحمة حتى يعود ومن زارها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومن زارها وكان مهموما فرّج الله همه وغمه وان كان صاحب حاجة قضى الله عز وجل حاجته” هذا التنبيه من المؤلف في بداية الكتاب وهو بذلك يشوق المستمع والقارئ، فضلا عن انه يهيئه نفسيا لجلال وأهمية ما سوف يلقي عليه من أحداث ووقائع. ولا يفوت المؤلف ان يذكر اسماء بعض الشهداء مثل علي بن عقيل وجعفر بن عقيل بن ابي طالب والحسين بن صالح بن الحسين بن علي بن ابي طالب وزياد بن ابي سفيان وغيرهم من الاسماء التي لها ذكر واحترام في التاريخ الاسلامي كله، لا يكتفي المؤلف بذلك بل يذكر ان سبعين بدريا حضروا فتوح البهنسا، أي من الذين شاركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بدر ويذكر كذلك ان بها خمسمئة صحابي شهيد، والواضح ان الخيال الشعبي تجاوز هنا مداه.
مدينة البهنسا قديمة في التاريخ المصري وتعود إلى العصر الفرعوني، وكانت مدينة محورية في التاريخ الفرعوني، اذ يسهل الانطلاق منها نحو الصعيد جنوبا وإلى العاصمة شمالا ويرجع المؤلف تأسيسها إلى سيدنا يوسف عليه السلام والقصد انها مدينة مقدسة من يومها، خاصة ان السيد المسيح مر بها، هنا لا ينكر الفنان الشعبي التاريخ القديم، ولكنه يحاول ان يدخله دائرة المقدس ويجعله متوافقا مع الروح الاسلامية وليس مخاصما لها.
تقديم هذا الكتاب علميا ينتقل به إلى اهتمام جديد، ويفرض على الباحثين اعادة تأمل تاريخنا على أسس عقلانية وعلمية ويمكن ان يقودنا ذلك إلى نتائج جديدة.
قصة البهنسا تقول لنا ان فتح العرب لمصر لم يكن نزهة خلوية ولا ان العرب طرقوا الباب فوجدوا المقوقس يفتح لهم قائلا على الرحب والسعة لم يكن الامر بهذه البساطة بل كان عملا قتاليا ومخابراتيا من طراز رفيع.