الاتحاد

دنيا

«الأندلس» تحفظ «العربية» وتصحح صورة الدين الإسلامي في قلب النمسا

الطلاب يتلقون وجبتهم في المدرسة

الطلاب يتلقون وجبتهم في المدرسة

بفضل القانون النمساوي ودعمه، تمكن المسلمون من إنشاء مدارس إسلامية هناك، على رأسها «الأندلس» التي أصبحت صرحا علميا أوروبيا يشار إليه بالبنان، هذه المدرسة النموذجية التي صححت الصورة السائدة عن المدارس الإسلامية في أوروبا خلال سنواتها القليلة الماضية، أما في المستقبل القريب فلديها خطة مدروسة لتطوير الجيل الجديد وإعداده للقيادة.

في مكتبه المتواضع الكائن بشارع «التمانسدورف» من الحي الثالث والعشرين بفيينا، يواظب الدكتور، مصري الأصل، محمد مصطفى أبو النجا، مدير مدارس الأندلس الإسلامية على الدوام في مدرسته التي أسسها وعمل فيها بجدّ حتى حفرت اسمها بين كافة المدارس الإسلامية في النمسا، بل في أوروبا قاطبة. في حرّ الصيف وبرد الشتاء القارس وثلجه الكثيف، تجده حاضرا في المدرسة، جالسا على كرسيه ومن أمامه، على الطاولة، تتبعثر أوراق كثيرة يراجع من خلالها ماضي المدرسة وبداياتها المتواضعة، ويخطط لمستقبلها القادم. «الاتحاد» زارت أبو النجا بمكتبه وأجرت معه الحوار التالي:

? ما هو موقعكم بين المدارس الموجودة في النمسا؟ وما هي طبيعة العلاقة بينكم وبين الجهات المسؤولة عن التعليم في هذا البلد الأوروبي؟
? هنالك مجموعة من المدارس الإسلامية في فيينا، بعضها تطبق المنهاج النمساوي مع المواد العربية والدين الإسلامي وعددها أربع من بينها مدرستنا، بالإضافة إلى مدرستين تطبقان المنهاج العربي وهما المدرسة الليبية والمدرسة السعودية وهاتان المدرستان تم تأسيسهما نتيجة اتفاقية بين البلدين، حيث يحصل الطالب على الشهادة من بلد المدرسة الأم، في حين تحصل المدارس الأخرى على اعتراف الحكومة النمساوية وتخضع لقانونها، باعتبارها تطبق المنهاج النمساوي، وبما أنها تأخذ الصفة الدينية فإنها تعامل معاملة مدارس الكنائس المسيحية، حيث تقوم الحكومة بدفع رواتب موظفيها وعلاواتهم.
والدين الإسلامي دين معترف به في النمسا منذ 1912 أيام القيصر فرانس يوسف، إذ كانت البوسنة آنذاك تابعة لهم وقد اعترفوا بديانتهم الإسلامية، وصار للمسلمين دور في الانتخابات التشريعية، ولا يتم إلغاء ذلك إلا باستفتاء شعبي.

? ما هو الهدف الرئيسي من إنشاء المدرسة في فيينا؟
? الهدف من وراء تأسيسها جاء لأن أعداد المسلمين تزداد في أوروبا، ولذلك كان لا بد من تمكينهم عن طريق تجهيز كوادر من الجيل الثاني مؤهلة علميا تستطيع أن تقوم بدورها تجاه المجتمع النمساوي، وتجاه نفسها وأسرها والجالية الإسلامية، بحيث لا ينفصل الجيل فكريا عن مجتمعه الذي يعيش فيه ويكون، بنفس الوقت، مهيئا للعودة والتأقلم مع بلاده الأصلية.
وأطلقنا على المدرسة اسم «الأندلس» لترمز إلى حضارة الأندلس الغابرة حينما كان للعرب والمسلمين دور رائد في نهضة أوروبا، لنشحذ همم الطلاب ونؤهلهم لأخذ دور مهم في أوروبا، ونحاول استعادة دورنا القديم في النهضة وإعداد الجيل ليأخذ دوره في المستقبل. وهنالك إحصاءات تشير إلى أنه في خلال الـ 2550 سنة القادمة سيصل عدد المسلمين في أوروبا إلى 50% من السكان، ونحن لا نستطيع أن نقوم بدورنا الحقيقي إلا إذا كان هنالك كوادر مدربة ومهيأة في كافة المجالات. لكن واقع الحال اليوم لا يدفع باتجاه ما نطمح إليه إذ أن معظم المسلمين هم من العمال ويعتاشون على إعانة البطالة التي تقدمها لهم الحكومة.

? كيف كانت بدايات مدرسة «الأندلس» الإسلامية في فيينا، وما هي الجهات التي تدعمكم؟
? افتتحت مدرسة الأندلس عام 2004 وكان عدد الطلاب آنذاك 19 طالباً فقط في المرحلة الابتدائية، أما الحضانة فكان عدد الأطفال فيها حوالي 50 طفلاً، والآن وصل العدد الكلي إلى 300 طالب، وذلك بفضل جهود العاملين في المدرسة من الأساتذة الذين تطوعوا لتقديم المساعدة من أجل إنجاح مشروع المدرسة إلى أن حصلنا على الدعم الحكومي، فباستثناء مجهود العاملين وتطوعهم لم يقدم لنا أحد مساعدات سوى المساعدات القادمة من خلال القانون النمساوي مثل الرواتب والدعم المخصص من الدولة للحضانات. وبفضل دعم الحكومة يبلغ مجموع العاملين في المدرسة اليوم 60 موظفاً، 23 منهم مدرسون والبقية مربيات في الحضانة وموظفون إداريون، وجدير بالذكر أن المدرسين الذين يدرسون المنهاج النمساوي هم نمساويون، أما المدرسون الذين يدرسون اللغة العربية والدين الإسلامي فهم من العرب والمسلمين.

?كيف يتم تدريس الدين الإسلامي بموازاة المنهاج النمساوي في آن واحد؟
? نحن نسعى أولاً إلى تدريس الدين الإسلامي للطلبة المسلمين في المدرسة بالإضافة إلى اللغة العربية، وذلك بمساعدة الهيئة الإسلامية في فيينا، والحكومة تدعمنا في ذلك، فالإسلام هو الديانة الثانية في النمسا. وكنا في البداية نطبق أكثر من منهاج ثم أصبحنا ملتزمين بمنهاج أعدته مؤسسات إسلامية في فرنسا، وتحديداً مؤسسة «غرناطة»، ويمكن تطبيق هذا المنهاج على الأطفال الناطقين بغير العربية، أما الأطفال العرب فنطبق عليهم المنهاج المصري، لأن غالبية العرب في النمسا من أصول مصرية.

? ما هي نسبة الطلاب العرب في مدرستكم؟
? يوجد حوالي 25% من الطلاب في المدرسة عرب، و33% من البوسنة والهرسك، و10-15% من الشيشان والباقي من جنسيات أخرى كالأتراك. وفي الحضانة هنالك أطفال غير مسلمين، وذلك نتيجة عجز الاستيعاب في الحضانات الأخرى، أو نتيجة قرب السكن من مدرستنا، أما بقية الطلاب فمن أسر مختلطة الأديان.

? ما هي فلسفة تعليم اللغة العربية داخل المدارس في القانون النمساوي؟
? تقوم فلسفة التعليم النمساوي على اعتبار أن المدرسة كل شيء وهي المسؤولة عن الطفل بمجرد تسليمه إليها من قبل الوالدين، وهي تؤمن بأن تأثير المدرسة على الطفل هو الأكبر والأعمق، وهو الذي يدوم ويبقى، ولذلك فهي تركز على تعليم اللغة الأم لدى الأطفال من كافة الأصول والأديان، وقناعتها بذلك أن الذي يستطيع تعلم اللغة الأم يستطيع أن يتعلم اللغات الأخرى، وأهم شيء بالنسبة للطفل أن يتعلم لغته الأولى، ويقوم بتعليم اللغة العربية مدرسون ينحدرون من أصول عربية، في حين يتولى تعليم الدين الإسلامي معلمون مسلمون.
وتجدر الإشارة إلى أن القانون الخاص بالأطفال في النمسا ينص على وجوب بقاء الطفل عامين في الحضانة قبل دخول المدرسة، وفي هذين العامين يجب أن يتعلم لغته الأم، وذلك للحفاظ على هوية الطفل الأصلية، وتعزيز ثقته بنفسه، وتحقيق التوازن في شخصيته.

? هل لديكم سياسة معينة للدمج بين الطلاب المسلمين من شتى الأصول؟
? نحاول دمج المسلمين مع بعضهم البعض قدر الإمكان، وبفضل سياستنا التعليمية فقد أصبحت مدرسة «الأندلس» هي المدرسة النموذجية بالنسبة للهيئة الإسلامية في النمسا، إذ صححت الصورة عن المدارس الإسلامية، وهي تعتبر من أفضل المدارس وأحسنها سمعة في هذا البلد.
وهنالك مشروع نعد له حالياً مع الدكتور سيد الشاهد، مدير الأكاديمية الإسلامية في النمسا، وهو أكاديمي من الأزهر يعمل حالياً في معهد دراسات عليا تابع للمركز الإسلامي في فيينا، والخطى تسير في اتجاه إنشاء كلية دراسات إسلامية تدرس باللغتين العربية والألمانية (اللغة الرسمية في النمسا)، وهذا مشروع نظري نحاول إيجاد دعم له، وهو يمنح الطالب درجة البكالوريوس، وسيتم البدء بتدريس ثلاثة تخصصات في البداية هي الإعلام، واللغة العربية، والدراسات الإسلامية.

? كيف تقيِّم مستوى الطلاب المسلمين في مدرستكم مقارنة بالطلاب النمساويين؟
? لدينا طلاب متفوقون على طلاب نمساويين، ولكن بحسب المشروع الذي نخطط له مستقبلا ينقصنا الكثير من الإمكانات لندعم تفوقهم في المجتمع، فنحن نرغب في أن ننشئ لهم جامعة متخصصة، ومختلفة عما هو سائد هنا، كما نرغب في أن نعلمهم صنعة أو حرفة ما في التدريب المهني كما كان موجودا في التاريخ الإسلامي.
كذلك نطمح لتطبيق نظام التعليم الداخلي في المدرسة، بحيث يتعلم من خلاله الطلاب اللغة العربية والدين الإسلامي الحنيف، وهو نظام أفضل بالنسبة للطلاب لا سيما العرب، حيث أن الأسر من الجيل الأول مشتتة، ولا يصلح حالها سوى النظام الداخلي، وهو الحلّ الوحيد لنجاح المشروع.
فالمدرسة هنا تقوم بدورين أساسيين، فهي معنويا تلم شمل الأسر المشتتة، وتعيد لها الترابط المفقود، وعملياً توفر العلم والحِرف والصناعات المختلفة، ولكن هنالك صعوبات لتنفيذ هذا التصور، ومنها أن الطفل يتأثر بنسبة 60% من الأسرة، و40% من البيئة، ولذلك فإن معاناتنا مع أولياء الأمور أكثر من معاناتنا مع الأولاد، ومن هنا جاءت فكرة المدرسة الداخلية من أجل إبعاد التأثير السلبي للأهل، والهدف من ذلك كله أن نقول للناس إننا نريد أن نقدم نموذجا جيدا يحتذى به في الدول الأوروبية.

? هل ستستوعب الحكومة النمساوية فكرة من هذا النوع؟
? ميزة الحكومة النمساوية أنها تستوعب أي تطوير جديد، وهي تنتظر أي تجربة وترحب بها في سبيل تطوير المجتمع، وكما أسلفت فإن لدينا أزمة مع الجيل الجديد، فهو جيل قائم على المنفعة المادية واستهلاكي إلى درجة كبيرة، ولذلك لدينا أزمة في المخترعين والمبدعين وتجد أن الحكومة النمساوية ترحب بأي تجربة يمكن أن تطور هذا الجيل.

اقرأ أيضا