الاتحاد

الملحق الثقافي

حديثها السحر

 د· صلاح فضل

د· صلاح فضل

كان الشعراء القدامى يدركون بالفطرة والتجربة، مثل خبراء الجمال في العصر الحديث، أن قدراً ضرورياً من الوعي ورجحان العقل لازم لاكتمال نموذج الجمال الأنثوي الأخاذ· وأن شخصية المرأة لاتتجلى في مفاتنها الحسية بقدر ما تأسر القلوب بحديثها ولفتاتها، وأن الحب لايتسرب عبر النظر، بل يؤكده الكلام أو يضعف تأثيره· فاللسان مرآة الشخصية وكاشف الدواخل وباعث الإشارات الموجهة· ومن ثم فقد عُني بعض الشعراء بتفصيل القول في أهمية حلاوة الحديث، وإن كان معظمهم يستخدم وصفاً مكروراً يربطه بالسحر من دون أن يدخل في تنويعات أخرى· على أننا عندما نستجلي مظاهر الجمال في المرأة اليوم ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا أهمية الاعتداد بطاقاتها الحيوية العقلية والوجدانية التي تتمثل في الكلام، فهي ليست دمية مرسومة، ونصف الجمال يتبخر أو يتكثف بما ينطقه اللسان من كلمات·
وابن الرومي المولع بذكر التفاصيل الدقيقة في أوصافه يقول عن المحبوبة:
وحديثها السحر الحلال لو أنه
لم يجنِ قتل العاشق المتحرِّزِ
إن طال لم يُمْلِلْ وإن هي أوجزت
ودَّ المحدَّثُ أنها لم توجزِ
شرك العقول وفتنة ما مثلها
للمطمئن وعقلة المستوفز
فهو يريد أن يستكمل وصف السحر بالحلال، لكنه يستدرك بقتله للعاشق الذي يأخذ عدّته، فما بالك بمن يؤخذ على غَرّة· ثم يأخذ في تعداد آثاره الطيبة حيث يطول من دون إملال، ويوجز فيثير التشوّف والرغبة في الاستمرار، هذ الحديث يمتع العقول والقلوب مهما كانت طبائع المستمعين من حسن الحظ أو التوجس والريبة، فهو دائماً يبعث على الرضا والارتياح· غير أنه ليس بوسعنا أن ننتظر من الشعراء حينئذ أن يمتدحوا ثقافة المرأة أو بلاغة منطقها أو حجتها، فلم يكن هذا مما يتوقع منها فى المجتمعات القديمة، ولكنهم اكتفوا بوصف التأثير المعنوي لكلامها في نفوسهم طبقا لثقافتهم هم ومستوى وعيهم ورؤيتهم للحياة، فهناك شاعر اعرابي يجسد إعجابه بحديث محبوبته بصور من تجربته مع الطبيعة في قوله:
وحديثها كالقطر يسمعه
راعى سنين تتابعت جَدْبا
فأصاخ يرجو أن يكون حَيا
ويقول من فرح أيارَبَّا
فيرسم صورة سردية بديعة، لأحد الرعاة وقد أنهكه الجدب لعدة سنوات فمحا الأخضر واليابس، حتى أصاخ السمع لوقع قطرات أخذت تتساقط وهو يتمنى أن تكون مطراً دافقاً يحيي الأرض بعد موتها ثم يهتف من فرحته باسم الجلالة· ممثلاً ذلك بأثر حديث محبوبته· أما الشاعر المدني الآخر الذي يعيش في أوساط علمية وثقافية فيقول:
ولها مُزاحٌ ولها كلامُ
كجوهر ألّفه نظامُ
يُسكرنا كأنه مُدَامُ
له بقلب المصطلى ضِرَامُ
فهو حلالٌ غَبّه حرامُ
يشفي سقاما وهو السقامُ
فيفصل أنواع الحديث بين المزج والجد والمزاوجة بينها كالجواهر المؤتلفة·

اقرأ أيضا