الاتحاد

الملحق الثقافي

أخت شهرزاد وثارات الأنوثة

د·محمد لطفي اليوسفي

د·محمد لطفي اليوسفي

يطلقون عليها في الوسط الثقافي الفرنسي اسم شهرزاد حينا، وحينا آخر يسمونها أخت شهرزاد· رشّحت لجائزة نوبل أكثر من مرّة· ولأنها تكتب باللغة الفرنسية ظلت أغلب رواياتها وأشعارها ومجموعاتها القصصية والأفلام التي أنجزتها غير متداولة في المشهد الثقافي العربي· هذا هو حال الكاتبة الجزائرية آسيا جبّار· لقد بدأت الكتابة منذ سنة 1957 تاريخ نشرها لرواية ''العطش''· ومنذ ذلك التاريخ لم تمرّ سنة دون أن تنشر عملا· لذلك توالت منشوراتها ومنها: ''عديمو الصبر''، و''أطفال العالم الجديد''، و''أحمر هو الفجر''، و''نساء جزائريات داخل شققهن''، و''الحب الفانتازيا''، و''القبّرات الساذجات''، و''بعيدا عن المدينة المنوّرة''· أما أشعارها فقد نشرتها تحت عنوان ''قصائد للجزائر السعيدة''· حمل الشريط السينمائي الأول الذي أنجزته عنوان ''نوبة نساء جبل شنوّة''، أما شريطها الثاني فعنوانه ''الزردة أو أناشيد النسيان''·
والراجح أن المترجمة الانجليزية دوروثي· س· بلاير التي ترجمت بعض أعمال آسيا جبار وأطلقت عليها اسم أخت شهرزاد وثبّتته على الغلاف كانت واعية بأن ما يجمع بين آسيا جبار وشهرزاد لا يرجع إلى كونهما امرأتين برعتا في ابتداع الحكايات، بقدر ما يعود إلى ما بين بنية الحكاية في ألف ليلة وليلة وفي أعمال آسيا جبار من تقاطع وتماثل، سواء في ما يخصّ امتدادات السرد أو في ما يتعلّق باستراتجيات الكتابة من جهة كونها فعل وجود· ومعنى كونها فعل وجود أنها كتابة ثأرية تمارسها امرأة واعية بأن التاريخ البشري تاريخ رجالي يديره قانون واحد هو القهر· في رواية ''ظل سلطان'' مثلا تضطلع حكاية أسماء بدور الحكاية الأمّ المُولِّدة، ومن حولها تتعالق حكايات غزيرة هي حكايات حجيلة، وسيرة المؤلّفة، وحكايات النسوة الجزائريات اللواتي يروين تغريبتهن ومآسيهن فيما يصبح الحكي فضحا لما تكتّم عليه التاريخ من ويلات؛ بل إن السرد ينهض ليلحّ على أن تاريخ الجزائر قد كتبه المستعمر متكتّما على وجع الجزائريين؛ ثم كتبه الجزائريون من الرجال فتكتّموا على دور المرأة ومعاناتها وإسهامها في الانتصار·
لذلك ترد الكاتبة مخترقة من الداخل بالإلحاح على أن الحكايات مستلّة من الواقع رأسا ومن الوثائق التاريخيّة التي دوّنها الفرنسي ماتيرر، ونقل فيها ما جرى من ويلات، ومنها مثلا موقف امرأتين جزائريتين روّعهما ما جرى من مجازر وأوصلهما اليأس والهلع إلى حافة التوحّش فعمدت إحداهما إلى انتزاع قلب من صدر جثة جندي فرنسي، أما الثانية فقد عمدت إلى طحن رأس ابنها فلذة كبدها بحجر كبير حتى لا يأسره الفرنسيون حيّا·
إن المؤلفة تحرص على تسطير محنة المرأة في عالم يطحن النساء طحنا ويحكم عليهن بالصمت المؤبّد· والنساء اللواتي يتداولن القول والفعل لسن من ابتداع الخيال بل هن نسوة تعالى التاريخ على جراحاتهن وأرغمن على الصمت· وحرصت هذه المبدعة المسمّاة أخت شهرزاد على أن تنتشلهن من منافي الصمت·

اقرأ أيضا