الاتحاد

الملحق الثقافي

هواجس ليلية

سيف الرحبي

سيف الرحبي

تغادر المكان أو البلاد، من فندق أو منزل باتجاه المطار لتنطلق بك طائرة الليل الموغل في هواجسه وأمطاره ويأسه المضني من هذا التكرار للرحيل الذي لا يستقر على حال، ولن يستقر يقينا إلا عبر صرامة النهاية الحتمية التي تضع الخاتمة لهذا المشهد المسرحي المتناسل والمفتوح على الوقائع والاحتمالات· ''طيران منتصف الليل'' رواية سانت إكسوبري الذي كانت خاتمته، الاختفاء والتلاشي مع طائرته في خضم المحيطات والآماد· نهاية فيها من القسوة والعذوبة العنصر الاستثنائي حيث لا أثر يتركه المترحل المغامر عبر مفازات الفضاء· لا شيء يثقل على الأحياء الباحثين عن الأسباب والتفاصيل المثيرة· أتذكر إكسوبري، كإشارة احتفاء إلى هذا النوع من النهايات المأساوية، التي لا ترفع المأساة كشعار وإعلان وإنما ممارسة وجودية في الحدود القصوى·
تغادر المكان، الليل والمطر، الأصدقاء على عادة تسميتهم وذكريات عابرة كغيرها· في كل رحلة تغالب وتكابد كي تستطيع عبور المسافة، بين المكانين العابرين· تتذكر (كل رحلة انتصار) لكن ذلك لتحميس الذات وتنشيطها· لم يعد فرح الاكتشاف، لم يعد الخارج يعطي الكثير بل لم يعد إلا أقل القليل إن لم تكن القسوة في كمال بهائها·· الداخل ربما في ألق عزلته حتى في الليالي الموحشة المنذرة بالخطر، يمكن للكائن الفرد أن ينتظر بعض الإمداد الحيوي للروح المهددة باليباس· أن ينتظر يد الرحمة تمتد من أقاصي الذات التي لا توغل في عزلتها وظلالها الشفيفة إلا لتعانق الرؤى والكون الشاسع بمخلوقاته أحياءً وأمواتاً وطبيعته المشعة دوماً بالعزاء والحضور الجمالي الفريد·· ربما انتصار الرحلة بهذا المعنى ينبلج من تخوم الجغرافيا الداخلية الروحية للكائن وليس العكس، إذ ليس للمكان أو الجغرافيا الخارجية إلا وسيلة وأداة· الداخل هو مربط الفرس في هذا السياق، فرس الروح والحقيقة الهاربة على الدوام·· لكن ماذا لو لجأنا إلى عيادة محيي الدين بن عربي، وهي أكثر من عيادة بل مستشفى كوني يغص بالجرحى والمصابين والبروق الحدسية، والذي أبدع ضمن محيطه المعرفي الشاسع عبر الأجيال، أبدع (فن الأمكنة) حسب محمد المصباحي· مراتبها ودرجات الأحاسيس تجاهها، إذ أعطى ما يشبه الكمال لموطنه الأندلسي الأول، وهناك شروحات وافية لهذه المراتبية في (الفتوحات المكية) التي أنجزها في المكان الأكثر قداسة مكة الكرمة· والمكان لذاته وسيلة للراحة من تعب الطريق، والإبحار في رحلته الضاربة في الأعماق والأقاصي·· الصوفي الكبير الذي فتح التصوف على الفلسفة ونقله نوعياً من الدروشة و(الشطح) المحدود لينطلق من إيمان وأحاسيس شبه واضحة في الأماكن والأفكار·· الكائن المعاصر الذي تشظت رؤيته وأماكنه وهذه الأخيرة ربما استحالت إلى التشابه والتماثل وإلى الغياب· بحكم آليات التوحيد القسري الذي تمليه قيم حضارة كونية مهيمنة·· صارت مشاعر الإنسان (الحديث) أو (المعاصر) قلقة حتى انعدام الخيار الجمالي المنحاز للأمكنة والجغرافيات·

اقرأ أيضا