صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

قبول مجنّدين مدانين بجنح خطيرة

واشنطن - الاتحاد:

لا بدّ أن يكون هناك جانب إنساني (أو بشري) في الجندي· لكن هوليوود التي قدّمت نموذج ''رامبو'' لم تأخذ ذلك بالاعتبار، على الأقل كان يفترض أن تظهره، في لحظة ما، مصاباً بالإنفلونزا مثلاً··
هذا رأي خبراء كبار يعتبرون أن ذلك النموذج غرّر بالشبّان الذين ذهبوا إلى الحرب· لكن ليست هذه الإشكالية التي يعاني منها الجيش الأميركي، فعدد الشبان الذين يقبلون على التجنيد في تراجع مستمر· والبديل هو خفض الشروط، وقبول المرضى وحتى المدانين بجنح خطيرة·· إذاً، ما هي انعكاسات ذلك على الجيش؟ هذا ما يحاول التحقيق التالي الإجابة عليه·
ما هي القضية؟
لم تتحقق رؤية (أو رؤيا) الباحث المستقبلي الأميركي ''ألفن توفلر'' في الاستنساخ الإلكتروني للجنود الذين لا يُقهَرون مع مطلع القرن الحادي والعشرين· اعترف هو بذلك، وقال: ''ربما كانت مشكلة الولايات المتحدة العسكرية، أوالاستراتيجية، أنها لا تزال تستخدم البشر''·
بشر من كل الأنواع· بالطبع هناك جنرالات بارزون، ويخضعون لدراسة أكاديمية معقدة، ومتطورة، وقاسية، وإن لم نسمع حتى الآن بجنرالات مثل ''دوجلاس ماك آرثر'' أو ''جورج مارشال'' أو ''دوايت ايزنهاور''· عادة في الحروب الغامضة، أو الحزينة ''يدير الضوء، أو التاريخ، ظهره للجنرالات''، كما قال الجنرال ''نورستاد'' الذي كان أحد ''نجوم'' الحرب في الهند الصينية··
ولكن ماذا عن الجنود ؟ القضية هنا· لا ريب أن ثمّة قطاعات نخبويّة جداً داخل المؤسسة العسكرية، ولكن وراء ذلك المظهر الذي يثير الهلع والإعجاب في آن، ثمّة كائن بشري يحمل في جيبه رسالة من أمّه أو من المرأة التي يحبها· هذه الرسالة قد تجعله أكثر اندفاعاً إذا ما كانت هناك قضية، ولكن ألا يسأل أحد معلقي ''لوس انجلوس تايمز'': ما هي القضية التي يقاتل الجنود من أجلها؟ ليضيف: ''الجنود يقاتلون عندما تكون أميركا في خطر''·
اللحظة الهوليوودية
في نظر المعلق أن أحداث 11 سبتمبر 2001 هي أقرب ما تكون إلى اللحظة الهوليوودية· لم يستخدم الفاعلون الصواريخ العابرة للقارات، ولا العبوات النووية، بل انهم اختطفوا طائرات مدنية· هذا يحدث، عادة، في الأفلام· قد يحدث في الواقع أيضاً، ولكن بتأثيرات عاطفية أو سيكولوجية فقط، ودون أي أثر استراتيجي·
الطريف أن خبيراً عسكرياً هو ''بيتر والترز'' يعتبر أن هوليوود التي هي أحد أعمدة الإمبراطورية مع البنتاجون ووول ستريت، تآمرت على الولايات المتحدة حين أنتجت نموذج ''رامبو''· ذاك المقاتل الذي لا يُقهر ليس أكثر من بدعة بلهاء وشديدة الغطرسة· كان يفترض أن يصاب بالإنفلونزا مثلاً، في وقت من الأوقات، لإظهار نقطة الضعف فيه، وكي ''لا يغرّر هذا النموذج بجنودنا فيحسبون أنهم ذاهبون إلى حروب يستطيعون أن يصنعوا فيها العجائب''· ويلاحظ ''والترز'' أن المجتمع الأميركي يعيش ازدواجية ثقافية مروعة· انه ينتج كل تقنيات الترفيه والإمتاع والحيوية الفردية، وفي الوقت نفسه ينتج تلك الرغبة الهستيرية في أن يكون الأميركي في كل مكان، ليشير إلى أنه ''من السهل أن يكون طبق الهمبرجر في كل مكان، أما أحذية الجنود فلا''·
البوب والنشيد القومي
وبسبب هذه الازدواجية، يرى أن موسيقى البوب بدت وكأنها أكثر تأثيراً في الشبان من النشيد القومي الأميركي· وهذا ما أثر، إلى جانب عوامل أخرى، في قابلية هؤلاء للانخراط في الجندية، حتى أن جندياً على أبواب قندهار، في أفغانستان، سأل مراسلاً لإحدى الشبكات التلفزيونية: ''لماذا لا يبعثون بمادونا إلى هنا؟''·
لاجتذاب المجنّدين، كان لا بد من خفض الشروط الصارمة وإلى حدّ كبير· هذا يثير أعصاب ''والترز'' الذي يتساءل بحدة: ''هل نريد جنوداً أو مرتزقة''، ليشير إلى ''إننا نبعث بجنود ليقاتلوا لا لكي يقتلوا''· القتل يختلف أخلاقياً عن القتال في الأدبيات العسكرية·
في السنوات الثلاث الأخيرة، اضطر البنتاجون إلى رفع مستوى التقديمات للمجندين، لا بل انه تغاضى عن شروط الوزن والعمر، وراح يقبل الفاشلين في دراستهم، والذين رسبوا في اختبارات الأهلية·
أكثر من ذلك، أعطيت الأوامر بقبول الشبان الذين يعانون من حالات مرضية بما في ذلك الربو وارتفاع ضغط الدم، أو عوارض النقص في التيقظ· وفي عام 2006 ازدادت نسبة الإعفاءات من الشروط 4 في المائة ليصبح عديد هؤلاء ·12313
جنح خطيرة
ولكن حدث ما هو أبعد من ذلك، فاللجان التي تشرف على التجنيد راحت تغض الطرف حتى على المتقدمين الذين يحملون ماضياً قضائياً مثقلاً· وإحصاءات وزارة الدفاع تقول إن نسبة الذين قبلوا، وهم في هذا الوضع، ارتفعت بنسبة 65 في المائة على مدى الأعوام الثلاثة المنصرمة، أي ان العدد قفز من 4918 في عام 2003 إلى 8129 في عام ·2006 والزيادة الكبرى شملت الأشخاص الذين ادينوا بجنح خطيرة مثل الطعن بالسكاكين، والسطو، وصدم آخرين وقتلهم·
وتقول صحيفة ''النيويورك تايمز'' إنه في عام 2006 تم تجنيد 69395 رجلاً وامرأة، وحتى إذا كان عدد الذين يملكون سوابق قضائية لا يتعدى نسبة 11,7 في المائة، فإنّ هذه النسبة، في رأي الصحيفة البارزة، تدعو إلى القلق· بالطبع، هناك مَن يقول إنه في أوقات الحروب لا تبحث لجان التجنيد عن القديسين، أو أنها تقف على أبواب الكنائس· قد يفرض الوضع التقاط المجندين من الشوارع أو إذا اقتضى الأمر من القاع· لكن ''بيل كار''، نائب المسؤول عن العديد في البنتاجون يحذر من المبالغة في وصف الحالة، إذ أن الجهات المعنية تستبعد اوتوماتيكياً الذين ادينوا بتهريب المخدرات أو الذين حكموا مرتين بالحبس لسنة أوالذين اعتبروا مذنبين في جنح جنسية، ليضيف أن الجيش يلجأ إلى الإعفاءات انتقائياً، فهو يدرس بعناية الملف القضائي لكل مرشح، وطبيعة الجنح، والمرحلة التي حدثت فيها، ودرجة إمكانية إعادة تأهيل الشخص المعني·
فضائح إضافية
ويعترف ''كار'' بأنه من الصعب المراقبة الدقيقة للأشخاص الذين يتم تجنيدهم، فالجيش بحاجة ماسّة إلى مجنّدين، وفي بلد مثل الولايات المتحدة تتسع آفاق العمل و''الجاذبية اليومية المباشرة''، لا بد أن يتراجع عدد الذين يودّون الانخراط في الجيش· هذه المسألة تزداد حدة أبان الحروب، ولا بد، إذاً، من خفض شروط القبول·
وهنا يقول ''هارون بيلكين''، مدير أحد معاهد البحث في جامعة كاليفورنيا· إن زيادة عديد الذين يستفيدون من الإعفاءات للدخول في الجندية يطرح إشكالية خطيرة، فالسلطات العسكرية لا تخضعهم لدروات تدريبية ترمي إلى دمجهم كأشخاص أسوياء، ليلفت إلى أن أكثر من 125 ألف شخص من أصحاب السوابق القضائية، انضموا إلى الجيش في السنوات الثلاث الأخيرة· وهذا يعني أن احتمال ارتكاب أحدهم عملاً شنيعاً أو رفض الأوامر وارد بقوة· وفي نظره أن الكثيرين من هؤلاء يمكن أن يتحرروا من الماضي، لكن البعض بحاجة إلى اهتمام خاص، وإلا ''فإننا لسنا بحاجة إلى فضائح أخلاقية إضافية· ما حدث يكفي''·