الاتحاد

الملحق الثقافي

النبش في المستور·· والرجل متهم بشكل أو بآخر

من فيلم  طائرة من ورق

من فيلم طائرة من ورق

من الأمور الملفتة في هذا الكم من العروض انه يعود لأسماء مهمة في انتاج الافلام في المنطقة، ولمخرجات ثبتن اقدامهن في عالم السينما سواء كان لجهة انتاج الافلام الوثائقية او تلك الروائية· وتتوزع العروض على فترات زمنية مختلفة فمن انتاج انجز في اوائل الستينات من القرن الماضي الى انتاج جديد قدم عام ·2007 وتتوزع المخرجات على بلدان عربية، اضافة الى ايران وتركيا وافغانستان، الامر الذي يعطي خلفية لا بأس بها عن النشاط السينمائي للمرأة في تلك المنطقة من العالم· فيلم التونسية ناجية بن مبروك ''أثر''، يتابع احاسيس وردود افعال بطلته الشابة التي تعيش مع اسرتها في الجنوب التونسي وتجد نفسها تتحدى مجتمعا منغلقا تتحكم فيه نظرة متشددة منبعها الذكورة وتحرسها النساء· ايضا فيلم مفيدة التلاتلي ''صمت القصور'' الذي بات القارئ يعرف عنه الكثير فهو انتاج عام 1994 ويناقش استغلال المرأة داخل القصور كخادمات فترة حكم البايات في تونس قبل الاستقلال، من خلال اجسادهن التي تكدح في اعمال القصر في النهار وتبقى تحت الطلب لصاحب القصر ليلا· الفيلم الاول للتلاتلي قدمته بحرفية عالية من جهة التصوير والموسيقى واداء الممثلتين الرئيسيتين، وفيه كان الظهور الاول اللافت للممثلة هند صبري·
''سكر بنات'' باكورة اعمال نادين لبكي يدور حول حياة نساء يعملن في صالون حلاقة اضافة الى زبونة للصالون وجارتين هما الخياطة روز واختها· -الفكرة تذكر بفيلم فرنسي عنوانه ''جمال فينيوس'' عرض أواخر التسعينيات تعمل شخصياته النسائية ايضا في صالون تجميل· يطرح ''سكر بنات'' من خلال الكوميديا الخفيفة افكارا خاصة بمجتمعه اللبناني مثل: العذرية، العلاقة مع رجل متزوج، المثلية، الخوف من سن اليأس، ثم العنوسة من خلال روز الخياطة التي عندما تتاح لها فرصة ترميم الزمن بعلاقة مع رجل معجب بها، تتراجع امام احساسها بمسؤوليتها نحو شقيقتها المصابة بالزهايمر والتي تقضي الوقت تلتقط الاوراق من الشارع اعتقادا منها انها من حبيب ما·
قضايا حساسة واحتلال
تناولت بعض الافلام موضوعات اجتماعية حساسة مثل فيلم ''وجوه خفية'' للمخرجة التركية الالمانية هندان ابيكشي، الذي يتابع باسلوب بوليسي غير تقليدي قضية جرائم الشرف من خلال حكاية فتاة تدعى زهرة يصر رجال عشيرتها على قتلها غسلا للعار، رغم ان بعضهم مقيم في ألمانيا ولم يتخلص بعد من تلك التقاليد الشائنة· في المقابل فإن بعض الرجال - شقيق زهرة وعمها الكبير- يفشل في تحد ثقل التقاليد فيذهب الثاني ضحية لها، فيقتل قبل ان يحمل زهرة معه الى ألمانيا، ويتحمل الاول وزر جريمة القتل كونه تحت السن القانوني فيحبس خمس سنوات يخرج بعدها محطم نفسيا· الا ان الفيلم لا يقدم رؤية متفائلة للتخلص من هذة التقاليد التي تذهب عشرات الفتيات ضحية لها سنويا في تركيا وفي المهاجر التي تحوي جاليات تركية وكردية، إذ تبدو السلطة الرسمية متمثلة في الفيلم بالمدعية العامة عاجزة عن مواجهتها·
رندة الشهال مخرجة لبنانية نجحت خلال مسيرتها الاخراجية في تقديم افلام تنبش في قضايا بلدها بدءا من الحرب الاهلية، تحضر في هذا المهرجان من خلال فيلمين هما ''سهى'' و''طيارة من ورق''· في الاول توثق المخرجة لحكاية فتاة شابة عرفها العالم باسم ''سهى بشارة'' عندما حاولت اغتيال انطوان لحد الحاكم العسكري الذي عينه الاسرائيليون حاكما على الجنوب اللبناني بعد احتلاله· تحكي سهى حكايتها قبل الاغتيال وبعده، تحكي عن ايام الاعتقال داخل معتقل الخيام - الذي اصبح مشهورا في العالم - وعن التفنن في وسائل تعذيب المساجين اقلها النوم بدون بطانية لثلاثة أشهر فترة الشتاء· تستعيد سهى الكثير من التفاصيل والاحداث المعتمة بمرح ومزاح، الرفيقة تزوجت وانجبت، وسها اصدرت كتاب هو سيرة ذاتية، كانت تكتب في ''الخيام'' بسرية على قطع ثيابها وعندما نفدت اكملت الكتابة على ملابسها الداخلية· من المشاهد المعبرة لقاء سهى مع رفيقاتها من السجينات بعد ان تم تحرير الجنوب ومعتقل الخيام، يحضن بعضهن بمحبة شديدة، متجاوزات الحجاب والفوارق الطائفية· أنجز الفيلم بكاميرا ذكية ومونتاج سلس، وخلفية موسيقية معبرة عن القضية المثارة لزياد الرحباني ومارسيل خليفة·
وطن وطن
الشهال شاركت ايضا بفيلم روائي هو ''طيارة من ورق'' يؤكد قدرتها الاخراجية ومهنيتها العالية في العمل الاخراج السينمائي ككل وليس في الوثائقي فقط· الفيلم بسيط وذو دلالات كثيرة في الوقت نفسه· احداثه تجري على الحدود بين سوريا واسرائيل حيث يسكن القرى في هضبة الجولان عائلات تنتمي للطائفة الدرزية، قسمها الاحتلال الاسرائيلي لكنها ظلت تتواصل من وراء الاسلاك، تعقد الزيجات وترسل العرائس بين الجهتين· يتابع الفيلم حكاية بنت مراهقة تلعب في طائرتها الورقية التي تعلق في الجانب الآخر فتخاطر باجتياز الاسلاك لاسترجاعها· وكأنما فكرة الطائرة رمز لما هو قادم، فهي سترسل الى الطرف الاسرائيلي لتتزوج من قريبها من ضمن زواج مرتب لا دخل للعروسين به، لكنها وكما خلصت طائرتها الورقية في المرة الاولى من وضع شائك، أنقذت نفسها وعادت الى قريتها تحمل معها قصة حب مع جندي اسرائيلي درزي على الحدود، ووصمة الطلاق· اننا امام عدة اشكاليات في هذا الفيلم، فالقمع السياسي العسكري المتمثل بالاحتلال، والحريات المستلبة اجتماعيا بتزويج الفتاة والشاب، يقابله تجنيد اجباري لأبناء طائفة الدروز في الجيش الاسرائيلي· الفيلم ممتع لأسباب كثيرة بينها التصوير والكادرات الجميلة· وربما لن ينسى المشاهد لقطات مثل امتداد الايدي الجماعية من خلال الاسلاك، وايضا مشاركة زياد الرحباني في دور غير رئيسي لكنه ترك اثرا ايجابيا على الفيلم، في شخصية جندي درزي اسرائيلي·
الفيلم الروائي ''قص ولزق'' للمخرجة هالة خليل يقدم قراءة للمجتمع المصري المعاصر الذي فقد الأصالة لصالح الفوضى والتهميش، فغاب الإنتاج وحل محله الاستهلاك، غابت الحلول الجذرية لتحل محلها اخرى مؤقتة تبحث عن مخرج لمشاكلها بالسفر والهجرة والمخدرات·
اما نادية كامل فتقدم فيلما وثائقيا جريئا يناقش موضوعات تعد ''تابو''، من ذلك العلاقة مع يهود اسرائيل· موضوع الفيلم عائلة مصرية تتعدد فيها الاصول والاديان وتوحدها انها اسرة لديها هموم وطنية، العائلة من اصول يهودية ايطالية والاب مصري مسلم، اما الحفيد فمن جد فلسطيني· القضية التي اثارتها المخرجة بزيارة الام لعائلتها بعد فراق سنوات طويلة يرافقها زوجها ستبقى قضية تشغل الرأي العام في مصر من غير ان يتفق عليها الجميع· القضايا الفلسطينية حضرت من خلال فيلم المخرجة المقيمة في الولايات المتحدة آن ماري جاسر ''كأننا عشرون مستحيلا''، الذي يتابع تجربة طاقم تصوير سينمائي على نقطة تفتيش اسرائيلية وتداعيات الموقف التي تستحضر كل الوحشية السياسية والعسكرية للاحتلال الاسرائيلي·
المهاجرون المغاربة
قضايا الهجرة وهموم المهاجرين هي الموضوعة الابرز للمخرجات المغاربيات، وربما كان ابرز الافلام في هذا المجال فيلم ''ذكريات المهاجرين'' بجزءيه الاول والثاني للمخرجة الجزائرية ''يامينا بن غيغي''· يتابع الفيلم الوثائقي حياة المهاجرين الجزائريين وبعض مواطني دول شمال افريقيا الذين تم التعاقد معهم فترة استعمار فرنسا لبلادهم وبعدها، للعمل في مصانع السيارات ومشاريع البناء والزراعة في فرنسا تحت ظروف انسانية مزرية· هذا الفيلم ممتع جدا ومشغول بمهنية عالية بدءا من السيناريو حتى المونتاج الذي تنقل بسلاسة بين الارشيف القديم من مقابلات وبرامج تلفزيونية الى الحاضر بمقابلات اجريت مع المهاجرين ومع فرنسيين كان لهم دور في التعاقد معهم او الاشراف عليهم في العمل· في الفيلمين يتحدث المهاجرون عن لوعة العمل في مكان كان يراد فيه منهم جهدهم العضلي وليس ابداعهم الذهني لتطوير العمل· يقول احد الاشخاص ''اكتشفنا انه مهما تعلم المهاجر وأتقن اللغة الفرنسية وحصل على الشهادات، فلن يتغير من الأمر شيء·
سيبقى هو ''محمد''· اي سيبقى مهاجرا مسلما جاء من مجتمع مختلف· يركز الجزء الاول على تجارب وشهادات الرجال الذين جاءوا الى فرنسا فترة الخمسينيات لتعبئة النقص في الايدي العاملة الذي نتج عن الحرب العالمية الثانية· اما الجزء الثاني فيركز على نسائهم وهو الجزء الاكثر قربا من الجوانب الشخصية اليومية· غير ان التظاهرة اشتملت على فيلم آخر ليامينة بن غيغي، عنوانه ''ان شاء الله الاحد'' وهو روائي انتج عام ،2001 تناولت فيه معاناة فردية هذه المرة، بطلته امرأة مهاجرة تهرب من ضغوطات الحياة والسجن الاجباري الذي فرضه عليها الزوج المهاجر بصحبة أمه ''النكدية''، نحو التعرف على المجتمع الفرنسي بطريقتها من خلال اصطحاب ابنائها يوم الاحد في مشاوير الى المناطق المجاورة، حيث تعلمت كيف تتأقلم مع المجتمع الجديد واهله·
في هذا الاتجاه يصور الفيلم الروائي القصير ''كرة الصوف'' للجزائرية فاطمة زهرة زامون تحايل بطلته زوجة المهاجر على حبس الزوج لها في البيت بتمرير المفاتيح الى جارتها الفرنسية التي تسكن في الطابق السفلي عبر خيوط الصوف لتنسخ لها المفتاح فتجد بعدها حريتها مع طفليها بالخروج والتعرف على النساء في المنطقة، ويدلل منحى الفيلمين على ميل النساء الى الانفتاح والاندماج مع المجتمعات الجديدة·
أما الوجه الآخر للهجرة فهو الحلم بالعودة يوما للمجتمع الاصلي بحثا عن الجانب الروحي المفقود في المهجر الغربي، وهو ما نجده عند المخرجة الجزائرية آسيا جبار في فيلمها ''نوبة نساء جبل الشنو'' المشغول على خلفية موسيقى اندلسية، وكذلك فيلم ''باب السما مفتوح'' للمغربية فريدة بن اليزيد· وتشتغل المغربية ياسمين قصاري في فيلمها ''الطفل النائم'' على موضوعة النساء المتروكات في الأوطان بانتظار رجالهم المهاجرين للعمل في اوروبا بحثا عن فرص لتحسين الوضع المادي·
السيرة الذاتية
حضرت بعض افلام السيرة الذاتية في التظاهرة بتناول اختلف من مخرجة لأخرى، فهالة عبدالله حاولت ان تختصر في فيلمها الاول ''أنا التي تحمل الزهور الى قبرها'' احلامها المجهضة خلال 25 سنة بسبب الملاحقة السياسية والمنفى، وهي عندما شعرت انها باتت تقترب من سن الأربعين قررت أن تنجب الطفلة المؤجلة· وبعد سنوات اخرى، تقرر ان تنجز ما فاتها من افلام بقيت احلاما في رأسها بسبب انتظار العودة الى الوطن· هالة تستحضر رفيقات الدرب في فرنسا وسوريا وتقرّب كاميرتها منهم لتتركهم يحكون عن تجربة الاعتقال والخروج منها، عن الاحلام الجديدة، عن الامومة التي حرمت منها بعض المعتقلات، وموضوعات حميمية كثيرة· اثناء ذلك نراها تحاول ان تنجز فيلما عن الشاعرة السورية الراحلة دعد حداد بعد وفاتها، ومن مقطع شعري لها استمدت عنوان الفيلم، ومن شاعرية حداد تتسرب شاعرية مشابهة الى الفيلم بأكمله· تذهب هالة بكاميرتها الى مدينتها الاصلية في جزيرة ارواد على الساحل السوري في رحلة بحرية واكبتها العاصفة والامطار لتفاجأ بأن جزيرتها باتت مهجورة، كأننا بهالة تلخص في تلك الرحلة تقريرا عن الوطن ككل! المخرجة موجودة داخل الفيلم مع شريكها في الاخراج، فادي عمار البيك، تكسر الايهام وتذكرنا انها تصور فيلما او اكثر من الافلام التي تأخرت في انجازها، ومن بينها فيلما عن الايقونات السورية، حيث يبدو انشغال الفنان المختص بترميمها مشابها لما تفعله هي من خلال كاميرتها· الصور التي ظهرت بالابيض والاسود واللقطات القريبة جدا من الوجوه لتلتقط كل خطوط التعابير، جعل من فيلم هالة الاول مؤشرا على مخرجة متميزة تأخرت قليلا، ربما، لكنها تبدو بحماستها الشديدة للفن ولاحلامها، انها ستلتقط ما فاتها بسرعة·
فيلم آخرمحسوب على السيرة الذاتية تحت عنوان ''بيرسبوليس'' للإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي، التي حولت حياتها في ايران والغرب، الى ثلاثة كتب باسلوب ''الكوميك ستريب'' او الكتابة المصحوبة برسوم غرافيكية، وبعد نجاح الكتب حولتها الى فيلم لفت الانظار وهي توجز تاريخ ايران مرورا بالشاه حتى الثورة الخمينية، الامر الذي اثار استياء الايرانيين عندما منح جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان الاخير لانتقادها الاوضاع في ايران وتركيزها على ممارسات حراس الثورة القامعة للحريات بشتى اشكالها، كل ذلك باسلوب تهكمي مرح· وقد ادى اصوات الشخصيات الرئيسية ممثلون فرنسيون مرموقون مثل كاترين دونوف، دانييل دوريو وشيارا ماستروياني·
أفلام تجريبية
بالحديث عن الايرانية سترابي، ننوه بفيلمين آخرين لمخرجتين من ايران ايضا، احدهما قديم يعود الى اوائل الستينيات للشاعرة والمخرجة فاروغ فاروخزاد التي رحلت مبكرا بحادث سيارة· في فيلم ''البيت أسود'' صورت فاروغ المجذومين واوضاع حياتهم في العزلة التي وضعوا فيها بأسلوب شاعري رقيق لا ينسى· اما الفيلم الآخر فهو للايرانية الاميركية شيرين نشأت في فيلم تجريبي بالفيديو بعنوان ''ممر'' استعرضت فيه قدراتها كفنانة تشكيلية ايضا من خلال طقوس الدفن وتجليات الموت والحياة والموسيقى المصاحبة التي ألفها موسيقي اميركي شهير بشكل خاص للفيلم·
الافلام التي احالت بشكل مباشر او غير مباشر للرجل كمسؤول عن الاوضاع المزرية للنساء في العالم الممتد من المغرب حتى افغانستان يجد له متنفسا ايجابيا احيانا بفيلم وثائقي عن محمود درويش انجزته المغربية الاسرائيلية سيمون بيتون التي لاحقته في حوارات خاصة وأماسي شعرية والتقت بعائلته في قريته الأصلية في الجليل·

اقرأ أيضا