صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

"هارودز".. حكاية عشاق الشاي و دهليز العار

لندن - نواف التميمي:

متاجر ''هارودز'' معلم لندني لا يمكن تجاهله، وبالرغم من أن محال ''هارودز'' التي افتتحت في العام 1835 وانتقلت إلى موقعها الحالي في عام 1849 كانت على الدوام قبلة للمتسوقين من عشاق ''الماركات'' العالمية، إلا أن هذه المتاجر اللندنية زادت شهرة على شهرة عندما اشتراها رجل الأعمال المصري الأصل محمد الفايد صاحب الأخبار المثيرة، وحلقت سمعة متاجر ''هارودز'' إلى آفاق أخرى عندما ارتبط اسمها مع أميرة ويلز الراحلة ديانا التي قضت في حادثة سير في باريس مع صديقها عماد الفايد ابن صاحب متاجر ''هارودز''· كانت بداية محال ''هارودز'' متواضعة كمحل بقالة في الجزء الشرقي من لندن عام 1835 يملكه تاجر جملة يدعى تشارلز هنري هارود، ثم انتقل المحل إلى منطقة شبه ريفية عام 1849 وهي منطقة نايتيس بريدج الراقية، ويقال إن سبب الانتقال أن اجتاح وباء الكوليرا منطقة شرق لندن ما دفع أصحاب الدكان إلى الهروب إلى منطقة خالية من الوباء·
وبدأ المتجر يتوسع ويكتسب شهرة محلية حتى شب فيه حريق في عام 1883 فتم إعادة بنائه في شكله الخارجي الحالي· وفي عام 1985 اشتراه رجل الأعمال المصري محمد الفايد بحوالي 615 مليون جنيه إسترليني وأنفق حوالي 400 مليون جنيه إسترليني لتحسين وضع المتجر بما في ذلك واجهات المبنى الخارجية التي تعود للعصر ''الادواردي''، مضيفاً إلى أروقته نكهة خاصة من بلاد النيل ومن حضارة الفراعنة·
في الصالة المصرية ينسى المرء أنه في متجر للتسوق أو أنه جاء لشراء ملابس أو عطور وينتابه شعور بأنه جاء إلى حفل فرعوني في أحد معابد الجيزة أو الأقصر أو أسوان·· حيث الجدران مغطاة بصور الملوك والملكات والنصوص الفرعونية، وزوايا المكان تغص بالتماثيل الفرعونية الرائعة الجمال والتصميم، حتى المصعد المؤدي إلى الطوابق العلوية اكتسى نقوشاً ورسوماً فرعونية تحيل إلى حضارة وادي النيل·
قام محمد الفايد بتشييد الصالة الفرعونية في العام 1985 أي فور شرائه للمتجر وكأنه بذلك أراد أن يصنع تاريخاً جديداً للمتجر يربطه بوطنه الأصلي· المصعد الكهربائي بتصميمه الفرعوني الرائع الذي انتهى العمل به عام 1997 بتكلفة 20 مليون جنيه إسترليني ينقلك إلى الأجواء المصرية القديمة من الطابق الأرضي، حيث صالات المأكولات بجميع أنواعها إلى الطابق الأعلى، حيث تعرض أرقى وأغلى المجوهرات والساعات وأدوات الزينة للمرأة وملابس وأحذية الرجال·
يستقبل محمد الفايد زوار ''هارودز'' بتمثال شخصي من الشمع وقد اعتلى منصة عالية وارتدى بدلة أنيقة سبق أن ارتداها الفايد، المثير للجدل· وبالرغم من امتلاكه لأغلى متاجر بريطانيا وشرائه لنادي ''فولهام'' الذي يلعب في دوري الدرجة الممتازة من الدوري الإنجليزي، إلا أن الحكومة البريطانية رفضت بشكل قطعي منحه الجنسية البريطانية بسبب شكها في مصادر ثروته·
وفى واحدة من أغرب عجائبه أوصى الفايد بتحنيط جثمانه بعد وفاته واستخدام المومياء كعقرب من عقارب الساعة العملاقة التي تزين قمة متجر ''هارودز''·
ويقول بيل ميتشل، الذي يعمل مخرجاً فنياً لديه: ''إن الفايد اختار أن يتم استخدام جثمانه المحنط كعقرب للساعات لكي يبقى في حركة دائمة مع الزمن لسنوات طويلة بعد وفاته''· وتعد البوابة الثالثة الأكثر شهرة من بوابات المتجر، حيث يستخدمها كبار الزوار من الرسميين ونجوم الفن والغناء والموسيقى والرياضة، بالإضافة إلى صغار الزوار والمتسوقين والسياح، وربما هذا ما دفع الفايد إلى اختيار مدخل البوابة الثالثة لنصب تمثال من البرونز للأميرة الراحلة ديانا وصديقها دودي الفايد اللذين ماتا في حادث سير مروّع في باريس عام·1997
العمل الفني الذي نفذّ بناء على طلب محمد الفايد يظهر فيه الاثنان ممسكان بأيدي بعضهما ونظراتهما متشابكة، ويحوم فوقهما طائر بحري من نوع النورس، رمز الخلود والحظ الجيد·
كذلك تبدو ديانا في العمل الفني مرتدية فستاناً بشق على الصدر، فيما يرتدي عماد الفايد '' دودي'' قميصاً مفتوح الأزرار كاشفاً عن صدره· العمل الفني الذي حمل عنوان: ''ضحايا أبرياء'' يعكس إيمان محمد الفايد الأب بأن نجله والأميرة ديانا قتلا عمداً وبمؤامرة اشترك فيها الأمير فليب زوج الملكة اليزابيث الثانية وعناصر من أجهزة المخابرات البريطانية·
وإلى جانب التمثال فتح محمد الفايد سجلاً دائماً يدون فيه زوار ''هارودز'' كلمات عزاء في وفاة دودي وديانا اللذين ''قتلا'' في 31 آب ،1997 عندما اصطدمت سيارتهما ''المرسيدس'' بمدخل وجدران نفق بالعاصمة الفرنسية· ويعمل في ''هارودز'' حوالي 5000 موظف موزعين على 200 قسم تبيع لحوالي 40 ألف زائر يومياً المجوهرات والمأكولات والملابس ومعدات كهربائية وترفيهية ورياضية وأثاث·· إلخ·
والعدد الهائل من كاميرات التصوير والمراقبة المنتشرة في كل أركان وممرات المتجر لا تعمل لمراقبة المتسوقين فقط بل هي أيضاً مسلطة على الموظفين إذ بات من المعروف أن محمد الفايد يحيط موظفيه الصغار والكبار بجو من الخوف والرعب ما أدى إلى استقالة أو طرد أكثر من 40 مديراً خلال 12 عاماً· وقال أحد المديرين السابقين لصحيفة ''الصنداي تايمز'' اللندنية: ''إن النظام الإداري في الشركة يبث الشعور بالخوف والقلق في صفوف العاملين، ومن الأساليب التي يستعملها محمد الفايد بإفراط هو إرسال مذكرات قصيرة في مغلف لونه بني تحتوي على جمل قصيرة تأنيبية وتحتوي - أحيانا- على عبارات وقحة''·
ويتحدث بعض الموظفين السابقين عن ''دهليز العار'' أو ''رواق الخزي'' الذي تعرض على جدرانه صور الذين طردوا من وظائفهم مع قائمة بالنواقص التي دعت إلى فصلهم وهي عبارة عن قوائم بالمخالفات التي ارتكبوها·
وفي متاجر ''هارودز'' نوع من الشاي يعتقد أنه أغلى أنواع الشاي التي مرت علي بريطانيا علي الإطلاق، والشاي الأخضر الصيني النادر يحمل اسم ''ذا تايغواني''، يكلف أكثر بثلاثمائة مرة من الشاي العادي المستخدم في المنازل، وتبلغ تكلفة الكوب حوالي 15 دولارا أميركياً· ويقول بائع الشاي في ''هارودز'': ''إن الأوراق الطويلة اللينة التي تتم زراعتها في مقاطعة فوجيان في وسط الصين، يمكن أن يعد منها الشاي حتى سبع مرات متتالية، وإن هذا الشاي الفريد من نوعه لا يخسر من نكهته المميزة عند استخدام الأوراق ذاتها لإعداد الشاي مجدداً، الأمر الذي لا يجعله غالي الثمن كما يبدو للوهلة الأولى''·
ويرتاد كثير من البريطانيين متاجر ''هارودز'' لتناول ''شاي بعد الظهر'' الذي يقال إنه تقليد بدأ في مطلع الأربعينيات من القرن التاسع عشر عندما وجدت آنا، دوقة بيدفورد، أنه من غير المناسب عدم تقديم أي وجبة بين الغداء ''عند منتصف اليوم'' والعشاء الذي يقدم عند الساعة 8 أو 9 مساء· لذلك طلبت إحضار الشاي مع الخبز والزبدة وبعض الأطايب مثل الفطائر والبسكويت إلى مخدعها، وعندما افتضح سرها أرادت صديقاتها الأرستقراطيات مجاراتها في تناول هذه الوجبة الخفيفة الشهية، وهكذا أصبح شاي بعد الظهر من التقاليد الأرستقراطية·