الاتحاد

ألوان

وقفة بين عامين

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

بقلم الشيخ الدكتور / يوسف جمعة خطيب المسجد الأقصى المبارك info@yousefsalama.com

اليوم الجمعة نودع عامًا ميلادياً، ونستقبل عاماً ميلادياً جديداً، فقد استقبلنا قبل شهرين تقريباً عاماً هجرياً جديداً، وهكذا تمر الأيام والشهور، فعلينا أن نأخذ العبرة من مرور الأيام والشهور والأعوام.
وجديرٌ بنا ونحن نستقبل عاماً جديداً، ونودع عاماً قد انقضى بخيره وشره، أن ندعو الله عزَّ وجل أن يجعل هذا العام خيراً من سلفه، وأن يجعل خلفه خيراً منه، فما من يوم يبزغ فجره ويسطع ضوؤه إلا ويناديك يا ابن آدم، أنا يومٌ جديد وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني بعمل الصالحات فإني لا أعود إلى يوم القيامة، وما مِنْ ليلٍ يُرخى سُدُولَه وينشر سكونه إلا ويناديك يا ابن آدم، أنا ليلٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني بطاعة الرحمن وطلب المغفرة والرضوان فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
إن التاريخ لم يعرف أمة قَدَّس دستورها الزمن كأمتنا الإسلامية، التي حدثها الله سبحانه وتعالى دائماً عن نفسه، وعن خلقة بكل دقة.
* لقد حَدَّث الله عن خلق السموات والأرض، فقال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيام)، «سورة الحديد: الآية 4».
* وحدَّث عن أمره وإرادته، فَذَكر أنَّ ذلك يتم في غير زمان: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، «سورة يس: الآية 82».
* وحدَّث عن علمه سبحانه بالخلق وأحوالهم، فبين أن ذلك يتناول أَدَقَّ الأمور: (اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)، «سورة الرعد: الآية 8».
* وحدَّث سبحانه عن تسجيل أعمال الخلائق، فبين أن ذلك يشمل القليل والكثير: «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا»، «سورة الكهف: الآية 49».
* وحدَّث سبحانه عن حسابه للخلق، فذكر أن ذلك يتم بميزان دقيق: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ»، «سورة الأنبياء: الآية 47».

أنا فجرٌ جديد
اعتاد رجل تضييع أوقاته بين اللهو والكسل والخمول، وكان كلما حَدَّثه أهله أن يُقلع عن حاله تلك التي خسِرَ بسببها أعمالاً كثيرة وأرباحاً طائلة، قال لهم: العمرُ طويلٌ والأيامُ آتيةٌ وسوف أعمل.
فحضره الحسن البصري - رحمه الله - فاعترضه بقوله المأثور: «يا هذا، ما مِنْ يوم ينشق فجره إلا نادى منادٍ: يا ابن آدم، أنا خَلْقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني؛ فإني لا أعودُ إلى يوم القيامة»، (جامع العلوم والحكم لابن رجب). وعند قراءتنا لهذا الموقف فإننا نجد فيه دلالة واضحة على أهمية العمر والزمن وعمارة الوقت بخير العمل، حيث إن كثيراً من الناس يُضَيّعون أوقاتهم وأعمارهم سُدى، وفي طُرق الغواية والضلال، كما أن عامة الناس يحسبون أعمارهم بالأيام والشهور والسنوات، بينما أهل الصلاح والحكمة يحسبون أعمارهم بصالح أعمالهم، التي تنفعهم في دنياهم وَيُثَابون عليها في أُخراهم، لذلك علينا أن نُكثر من فعل الخيرات، كما قال سبحانه وتعالى: (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، «سورة البقرة: الآية 148».

أهمية الوقت في حياة المسلم
إنَّ الدنيا مزرعة الآخرة، ونحن لم نُخلق إلا للعمل الصالح والعبادة الحقة، كما قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ)، «سورة الذاريات: الآية 56»، لذلك رأينا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قد اغتنم كلّ لحظة من حياته في طاعة الله، وعلَّم أصحابه ذلك، فما مضى قرنٌ من الزمان حتى رأينا دولاً عديدة ومساحات شاسعة من قارات العالم قدْ سطع عليها نور الإسلام، بفضل الله أولاً، ثم بجهدهم وعملهم وإخلاصهم.
ومن الجدير بالذكر أنَّ عمر الإنسان قصير، وأنَّ حياته أثمن من أن تضيع فيما لا ينفع، وأنَّ الواجبات أكثر من الأوقات، فأعمار الأمة الإسلامية ما بين الستين والسبعين والقليل من يتجاوز، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»، (أخرجه الترمذي)، فعلينا أن نعمر أوقات حياتنا بالباقيات الصالحات من الأقوال والأفعال، فتعاقب الزمن يفرض علينا الحرص على الوقت، وأن يأخذ الإنسان من دنياه لآخرته، ومن حياته قبل موته، فظروف المستقبل ليست ملكاً لأحدٍ، وأمرها إلى الله تعالى، لذا ينبغي اغتنام الفرصة التي بين أيدينا، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم-: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هرمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ»، (أخرجه الحاكم في المستدرك).
إنَّ الأمم تستغل أوقاتها أحسن الاستغلال في الخير وفي المخترعات العلمية التي تعود بالخير على أبناء البشرية، وفي سبيل النهوض بحياة الأمم والشعوب.
إنَّ الفرد مطالب باستغلال الوقت في طاعة الله، فالصلوات موزعة على خمسة أوقات، والصوم والحج والزكاة مقسمة على أشهر السنة، ونحن مسؤولون عن أعمارنا فلماذا نُضيعها سُدىً هكذا؟!
كم من إخواننا يقضون أوقاتهم في اللهو، والمقاهي، والنميمة، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات الهدامة، أَمَا آنَ لهم أن يتوبوا من ذنوبهم وأن يعودوا إلى رشدهم وإلى طريق الصواب؟!
إنّك إنْ طالبتَ أحدهم بالصلاة، قال: غداً أبلغ من الكبر عِتِيّا، وأتوب وأصلي، ونسي قوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا)، «سورة لقمان: الآية 34».
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اقرأ أيضا