الاتحاد

الملحق الثقافي

كليلة ودمنة صينية تحمل نقداً قاسياً للسلطة والشعب

''رمز الذئب'' رواية أثارت ضجة كبرى في الصين وفي العالم الغربي، وهي للكاتب الصيني جيانغ رونغ، وقد سجلت رقما قياسيا في عدد النسخ التي اشتراها الصينيون منها إذ بلغت 20 مليون نسخة، وبذلك تكون أكثر الكتب مبيعاً في الصين منذ وفاة الزعيم ماو تسي تونغ·
وهي ككتاب ''كليلة ودمنة'' الذي ترجمه عبدالله بن المقفع من الفارسية إلى العربية، ظاهرها قصة عن الحيوان والطبيعة وباطنها نقد اجتماعي وسياسي·
إن الصين تغيّرت وهي على الطريق السوي ولولا ذلك لما أمكن نشر رواية ''رمز الذئب'' وتوزيعها، والمؤلف ـ وهو من المغضوب عليهم سياسيا في بلاده ـ يرى أن الصين تسير نحو مزيد من الديمقراطية، ولكن لا يزال أمامها ـ حسب رأيه ـ أن تخطو خطوات أخرى لتصل إلى ما يسميه ''مدرسة الذئاب''، فالرواية تدعو الصينيين بوضوح أن يكونوا ذئابا وليسوا خرافا·

أشهر كاتب في الصين

والمؤكد حسب شهادة النقاد أن رواية ''رمز الذئب'' أزعجت السياسيين وخاصة منهم أعضاء الحزب الشيوعي الصيني، ولذلك فالروائي ـ وتحسبا لأي مشاكل ـ فأنه قليلا ما يدلي بحديث صحفي، ويتحاشى الحضور في المناسبات العامة، ولا يكتب أو ينشر أي مقال سياسي مهما كان·
لم تصادر السلطة الصينية الرواية ولم تمنع توزيعها، ولكن مثقفون قريبون من السلطة نشروا مقالات لاذعة تنعت المؤلف بأنه ''رجعي'' و''فاشي''، وتصفه في أحيان أخرى بأنه ليبرالي، في حين أن الكاتب يصف نفسه بأنه رجل ككل الناس مضيفا: ''إني أفعل كل شيء من أجل الانصهار والاندماج مع الناس العاديين لأني لا أريد لفت الانتباه إلى شخصي''، بل انه يمتنع عن الكشف عن اسمه الحقيقي مكتفيا بالاسم المستعار الذي يكتب به رواياته، واليوم فهو يعد أشهر كاتب في الصين وروايته ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والى أكثر من عشرين لغة أخرى ويسعى المخرج بيتر جاكسن إلى الفوز بحق تحويلها إلى فيلم سينمائي·

رقم قياسي

ويقول العارفون بعالم النشر في الصين إن رواية ''رمز الذئب'' ضربت رقما قياسيا في مبيعاتها وانه من الصعب أن يتم تحطيم هذا الرقم في المستقبل المنظور· ربما يرى البعض أن بيع 20 مليون نسخة من رواية في بلد يعد مليارا و400 مليون نسمة أمرا عاديا، ولكن الأرقام تبين أن أية رواية أخرى في الصين لا يتجاوز توزيعها الأربعة آلاف نسخة فقط وان أقصى رقم لمبيعات كتاب كانت 6 ملايين نسخة مع احتساب النسخ المقرصنة·
ولد المؤلف عام 1946 ونشأ في عائلة عسكرية، وعام 1970 كان ضمن المتطوعين فيما عرف في الصين بالثورة الثقافية التي قادها الزعيم ماو تسي تونغ، وعاش الروائي جيانغ رونغ 11 عاما بأكملها في منغوليا من بينها ثلاث سنوات قضاها في السجن بسبب انتقاده مسؤولا في الثورة الثقافية آنذاك عام ،1970 ثم عاد الى بيكين عام 1978 لاستكمال دراسته، وهو اليوم يدرّس العلوم السياسية والاجتماعية·
يقول الكاتب إنه حمل في رأسه طيلة 30 عاما فكرة روايته واختزلها في وجدانه ثم أمضى ستة أعوام في كتابتها مؤكدا انه تعرف عن قرب على عالم الذئاب عندما عاش واقام في منغوليا·
والمؤكد أن الكثير من أحداث رواية ''رمز الذئب'' استمدها المؤلف من تجربته الشخصية، وهو ما أعطى للرواية قوتها ومصداقيتها، فالبطل في القصة هو شاب قرر المشاركة في الثورة الثقافية في عهد ماو تسي تونغ وأقام من اجل ذلك في منغوليا ويكتشف أثناء عيشه في تلك البقاع أن الذئاب ليست عدوة للإنسان كما تشيع الاساطير الصينية القديمة· وبيّن الكاتب أنّ روايته ترمز إلى مسؤولية الشعب الصيني في ما أصابه في تاريخه المعاصر من محن، مشيرا بأن الشعب الصيني يتحمل مسؤولية ما لحقه من الدكتاتوريات التي تحكمت فيه خلال عقود متتالية، فهم حسب جيانغ رونغ تصرفوا كالخراف وليس كالذئاب، لأن الذئب ـ حسب وصفه له ـ حيوان لايستسلم أبدا ويفضل الموت على العيش بدون حرية· والكاتب يعدد الخصال الخمسة للذئاب وهي: الحرية، والاستقلالية، والمقاومة، ومفهوم الجماعة، والتنافس وهو يرى أن الشعب الصيني لا يتمتع بهذه الخصال·

الظاهر والباطن

التقى صحفي فرنسي بالكاتب الصيني ونقل اليه انبهاره بالنجاح الساحق للرواية فلم يظهر المؤلف أي علامة من علامات الاعتداد بالنفس أو الزهو بما أنجز مكتفيا بإبداء حرصه على شرح الأبعاد التي تضمنتها الرواية· ورغم أن الناشر الصيني ـ وخشية من الرقيب ـ سارع بالتأكيد بأنه لا وجود لأيّ بعد سياسي في الرواية، فإن الحقيقة أن القصة في ظاهرها تدور أحداثها في فضاء طبيعي ساحر، وهي تصور متعة العيش في انسجام مع الطبيعة العذراء، ولكن الرواية محمّلة بالرموز الدالة على أن الصينيين قبلوا في عهد ماو تسي تونغ الديكتاررية وتصرفوا كالخراف وليس كالذئاب، فالذئب ـ كما يشرح المؤلف ـ لا يستسلم ولا يخضع أبدا، بل انه يفضل الموت على العيش بدون حرية· ويعدد الروائي في مقابلة صحفية نادرة، الخصال التي يراها في الذئب ومن اهمهاالاستقلالية والصمود وهو يرى ان الصينيين لا يتحلون بهذه الخصال· إن الذئب يقضي ساعات طويلة وهو يراقب فريسته دون ان يهاجمها حتى ولو مات جوعا ويمكن له العدول عن مهاجمة قطيع من الغزلان إذا أحس أن العملية فيها خطر عليه· هذه الصورة استعارها المؤلف لنفسه قائلا: ''هذا هو المبدأ الذي أحاول تطبيقه في حياتي اليومية''·

كاتب مناضل

ويبدي الروائي الصيني اعجابه الشديد بالمنغوليون الذين يمثلون 1 في المائة من سكان الصين فقط ويذكّر بنجاح جنكيز خان الذي استطاع مع 120 من أنصاره احتلال الصين بأكملها وبعض أجزاء من روسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وهو يرجع نصرهم إلى أنهم يحملون في أنفسهم وفي أعماقهم فلسفة الذئب·
والكاتب في روايته أراد إحياء هذه الفلسفة، ولذلك فهو يدعو الصينيين بأن لا يبقوا خرافا مثلما يريد النظام الشيوعي بل يدعوهم ليصبحوا ذئابا وان يتسلحوا بقوة الذئب وصبره، فالحرب اليوم ليست عسكرية بل اقتصادية·
ويرى النقاد في رواية ''رمز الذئب'' تصويرا رمزيا للصراع بين العبد والسيد، فالسيد هو من يخاطر بحياته أثناء معركة رمزية يعلم انه ربما قد يهزم فيها والعبد لا يخاطر ولا يغامر مكتفيا بحياة بائسة، والمؤلف لا يريد أن يقدم نفسه كضحية ولكن فقط كرجل عرف كيف يقاوم ويناضل·

اقرأ أيضا