صحيفة الاتحاد

تقارير

عودة «منظمة الدول الأميركية»!

بعد عقد من القيادة الخجولة، التي أفقدتها جدواها، وأدخلتها في مرحلة من الموات، عادت «منظمة الدول الأميركية» التي تضم 34 دولة إلى الحياة، هذا الأسبوع، من خلال رسالة وجهها أمينها العام «لويس الماجرو»، إلى فنزويلا يشجب فيها ما اعتبره محاولاتها لـ«تزوير» انتخاباتها التشريعية المقرر إجراؤها في السادس من ديسمبر المقبل.
وكانت الرسالة بمثابة مفاجأة من قبل «الماجرو»، الرئيس الجديد للمنظمة، وهو دبلوماسي أوروجوياني نظر إليه كثيرون في البداية بتوجس عندما انتخب لرئاستها في وقت سابق من هذا العام. وسبب التوجس هو أن «الماجرو» خلال الفترة التي قضاها في منصبه كوزير خارجية لبلاده كان يتغاضى في أغلب الأحيان عما يعتبره آخرون انتهاكات للمبادئ الديمقراطية في فنزويلا.
وجهود «الماجرو» لتكريس المبادئ الديمقراطية للمنظمة التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، تؤشر إلى تغيير شامل في أسلوب قيادتها مقارنة بالأسلوب الذي كان متبعاً من قبل أمينها العام السابق «خوزيه ميجويل إنسولزا»، الذي رفض خلال فترة رئاسته لها (2005-2015)، أن يستغل المنبر المهم الذي يتيحه له منصبه، في توجيه شجب رسمي لفنزويلا على انتهاكاتها. وزعم «إنسولزا»، في معرض تبرير موقفه، معتمداً في ذلك على تفسير ضيق للائحة الداخلية للمنظمة، أنه لا يمتلك الصلاحيات التي تخوله حق التصرف، ما لم يُطلب منه ذلك رسمياً من قبل الدول الأعضاء.
في بداية هذا الأسبوع، أرسل «الماجرو» خطاباً غير مألوف في شدته مكوناً من 18 صفحة لـ«المجلس الانتخابي الوطني» التابع للحكومة الفنزويلية الذي كان قد رفض من قبل الموافقة على استقبال بعثات مراقبة لانتخابات بلاده، سواء من قبل المنظمة، أو الاتحاد الأوروبي، أو غيرهما من المنظمات الدولية الموثوقة.
في خطابه الموجه إلى «تيبيساي لوسينا» رئيس المجلس المذكور، انتقد «الماجرو» فنزويلا لعدم قيامها بـ«توفير شروط الشفافية والعدالة الانتخابية الضامنة لإجراء انتخابات نزيهة»، وطالبه باتخاذ ما يلزم لتصحيح المخالفات التي «يستطيع المجلس تصحيحها ويجب أن يعمل على تصحيحها» على الفور. وانتقد «الماجرو» في خطابه كذلك أسلوب توزيع الدوائر في الانتخابات الذي كان يعطي مقاطعات صغيرة تدعم مرشحي الدولة، تمثيلاً أكبر بكثير من مقاطعات كثيفة السكان، تمثل معاقل للمعارضة.
تلزم الإشارة إلى أنه وبسبب معدل التضخم الهائل في فنزويلا، 200 ? ، الذي يعد الأضخم في العالم، والنقص واسع النطاق في الغذاء، ومعدلات الجريمة المرتفعة، فإن كل استطلاعات الرأي تشير إلى أن المعارضة ستحظى بتأييد كبير في الانتخابات التشريعية المقبلة في ذلك البلد.
وأعتقد شخصياً أن جهود «الماجرو» الجديدة قد تكون مجرد محاولة من جانبه لإنقاذ «منظمة الدول الأميركية» من حالة الموت السريري التي كانت قد دخلت فيها خلال السنوات الأخيرة، أو أنها محاولة جادة للحيلولة دون وقوع كارثة إنسانية في فنزويلا، أو هي تحرك سياسي حكيم من جانبه بناء على توقعه لاتجاه الرياح السياسية التي تهب على المنطقة، أو لعلها كل هذه الاحتمالات. وكما كتبت في أعمدتي السابقة، فإن حكومات أميركا اللاتينية الشعبوية قد أُضعفت بشدة جراء الانهيار الأخير في أسعار السلع، وفضائح الفساد واسعة النطاق.
فبالإضافة إلى تولي رئيس جديد معتدل في أورواجواي هو «تابارى فاسكيز»، والاعتقاد السائد بأن أي مرشح سيفوز في انتخابات الأرجنتين في 22 نوفمبر سيكون أكثر اعتدالًا وديمقراطية من رئيستها المغادرة «كريستينا فيرناندز»، فإن الدليل الأكثر وضوحاً على أفول عهد الحكومات الشعبوية في أميركا اللاتينية، هو أن حكومة البرازيل تواجه فضائح فساد ضخمة قد تقود إلى محاكمة الرئيسة ديلما روسيف، أو قد تضطرها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية لتولي المسؤولية خلال الفترة المتبقية على نهاية ولايتها.
وعلى ضوء هذا المناخ السياسي الجديد، ربما يكون «الماجرو» قرر أن يكون في واجهة التغييرات السياسية القادمة. وبصرف النظر عن دوافعه، إلا أنه يستحق الدعم من دون شك، لإظهار قدرته على القيادة في هذه المرحلة، وسعيه للبدء في وضع اتفاقيات «منظمة الدول الأميركية» للدفاع عن الديمقراطية في المنطقة، موضع التنفيذ.

أندريس أوبنهايمر*
*كاتب أرجنتيني متخصص في شؤون أميركا اللاتينية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»