صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

انتخابات النواب المصري.. حضرت الدعاية وغاب المرشحون

يتميز مشهد الانتخابات البرلمانية الراهن، بالعديد من السمات التي تجعله ذا وضعية خاصة بين المشاهد الانتخابية المصرية السابقة، ولعل أبرز تلك السمات التناقض في آليات تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين والأحزاب، ففي الوقت الذي يصرف فيه مرشحون بقدر عال من البذخ على حملتهم الانتخابية بشكل يتجاوز السقف الانتخابي الذي حددته اللجنة العليا للانتخابات بنصف مليون جنيهٍ مصريٍ بما يعادل 63 ألف دولار، نجد أحزاباً ومرشحين لا يجدون 5% من هذا السقف لتمويل حملتهم، كما هو حال حزب النور السلفي أو أحزاب التيار اليساري، حيث أكد رفعت السعيد رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع أن أحزاب اليسار فقيرة مادياً ولا تملك تمويل الدعاية الانتخابية لمرشحيها، ونوه بكون مرشحي حزب التجمع الــ13 الذين يخوضون المرحلة الثانية حصل كل منهم على مبلغ يعادل 5 آلاف جنيه، أي أقل من ألف دولار لتمويل حملته الانتخابية في الوقت الذي نرى فيه أحزاباً مُمولة بالداخل والخارج ببذخ حسب زعمه.


في المقابل غطت لافتات المرشحين من كافة الأحجام والأشكال حاملة صورهم وأسماءهم كل ركن من أركان الدوائر الانتخابية التي يتنافسون فيها، بشكل لم تعهده الانتخابات السابقة بمثل هذه الكثافة، لدرجة نشأ معها نوع من الصراع على الأماكن المتميزة داخل المدن الرئيسية ومحطات المواصلات العامة و«الكباري»، بحيث بات المواطن المصري مُحاصراً من كل حدب وصوب بهؤلاء. مما حدا بمرشح مثل محمد المسعود ــ رجل الأعمال في مجال تجارة السيارات ــ بدائرة وسط البلد أن ينشر إعلاناته الانتخابية بدءاً من الدوائر المحيطة بوسط البلد حتى دائرته. 


إزاء هذا الزخم الإعلاني، والذي تزامن معه بدأ العديد من المرشحين في إنزال أعضاء حملاتهم للشوارع والميادين للدعاية لهم بشكل مكثف، شهدنا في المقابل انزواء الكثير منهم عن المشهد الانتخابي، بحيث بات هؤلاء يطلون على ناخبيهم إما من على مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أو من توتير، أو من خلال الفضائيات، ولدرجة أن الكثير من الناخبين في دوائر عديدة لا يعرفون المرشحين داخلها، إلا من خلال صورهم وإعلاناتهم الانتخابية.


أما الوجود الحقيقي لهؤلاء المرشحين على الأرض فيكاد يكون معدوماً أو في أحسن الظروف محدوداً، واختفت معها ظاهرة المرشح الجوال الذي كان يطوف أركان دائرته، ويلتقي بناخبيهم للتعرف عليهم ومشاكلهم اليومية، واستعاض عن ذلك بمكتب انتخابي لتلقي طلبات الناخبين ومشاكلهم، دون أن يكون موجوداً به أغلب الوقت.


والمقاربة هنا، بدت واضحة، فالمال يمكن أن يغطي على عدم وجود المرشح الغني والقادر على البذخ الانتخابي، تحديدًا بعدما تولدت قناعة بأن المرشح الأكثر بذخًا في نشر إعلاناته الانتخابية والتي تطارد الناس في كل مكان، يمكن أن يكون ذا حظوة وشعبية يمكن أن تستقطب أصوات الناخبين بوصفه الأوفر حظًا من غيره.


وفسر عدد من الخبراء انتشار هذه الظاهرة في أغلب الدوائر، بافتقاد المرشحين للكفاءة وغياب الظهير الشعبي، وعدم قدرتهم على التحاور والنقاش مع الجماهير.


من جانبه، أرجع الدكتور حسن نفعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، تلك الظاهرة لغياب آليات حقيقية للتواصل بين المرشح وأبناء الدائرة، مضيفاً أن هناك صعوبات في إقامة المؤتمرات الانتخابية، لصعوبة الإجراءات الأمنية، والتكاليف الباهظة والتي تؤرق بعض المرشحين.


وأضاف أن بعض المرشحين من أصحاب الشركات والمصانع يستغلون العمال للحصول على أصواتهم بالانتخابات، مشيراً لظاهرة المال السياسي التي هيمنت على المشهد الانتخابي بشكل غير مسبوق من قبل. ظاهرة دفعت رئيس حزب النور يونس مخيون للقول إن أي رجل أعمال يمكن له شراء المجلس الجديد بــ200 مليون جنيهٍ.


فيما أكد الدكتور مختار غباشي، رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الدعاية الانتخابية لا تختزل فقط في تعليق اللافتات والبوسترات بالشوارع وتوزيع المنشورات على الجماهير بالميادين، إنما الدعاية الحقيقية حضور المرشح بين الجماهير، مشيراً إلى أن غياب المرشحين عن الوجود بين الناس أثر سلبًا على إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع.


وأضاف أن الدعاية الحقيقية للمرشح، تعتمد على وجوده بين الجماهير، وإقامة الندوات الجماهيرية والمؤتمرات الانتخابية، لتبادل النقاش وطرح الرؤى والأفكار وعرض برنامجه على الناس، ومن ثم يستطيع إقناعهم أو لا.


ومن ثم فإن تغليب الدعاية باللافتات على حضور المرشح بين الناس، يعود إلى أسباب عدة من بينها، اتساع الدائرة الانتخابية وكثرة عدد المرشحين، بالإضافة لنظام القائمة التي ضمت عدة محافظات معاً في دائرة واحدة، مضيفا أن كل هذه العوامل تقلل فرص المرشح في الحضور بين الناس.