صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

جبهة القوى الاشتراكية الجزائرية وخيار الانتحار السياسي




الجزائر- حسين محمد:
اتخذت''جبهة القوى الاشتراكية'' -أحد أقدم وأقوى الأحزاب المعارضة في الجزائر- قراراً بمقاطعة الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في 17 مايو المقبل بالجزائر، وفاجأ القرار أغلب المتتبعين الذين كانوا يتوقعون عودة الحزب إلى الساحة بعد 5 سنوات من الغياب عن البرلمان بسبب أزمة القبائل، وتساءلوا عن دوافع اتخاذ الحزب هذا القرار الخطير الذي سيجعله يغيب عن البرلمان خمس سنوات أخرى؟ وعن مدى تأثيره في المعارضة الجزائرية، لاسيما وأن وزارة الداخلية قد قررت تغييب ''حركة الإصلاح الوطني'' الإسلامية التي تعد أقوى حزب معارض بالجزائر حالياً؟ ويعرض هذا التقرير قراءة لدوافع قرار ''جبهة القوى الاشتراكية''، وتأثيراته في الحزب والساحة السياسية الجزائرية·
تاريخ طويل
فور استعادة الجزائر استقلالها عن فرنسا صيف 1962 وقف عدد من قادة الثورة ومنهم محمد بوضياف وحسين آيت أحمد وآخرون، ليقولوا بأن ''جبهة التحرير الوطني'' التي تأسست في الحادي والثلاثين من أكتوبر عام 1954 لإشعال الثورة وقيادتها إلى تحرير الجزائر، نجحت في مهمتها التي أسست من أجلها ولم يعد هناك مبرر لبقائها، ويجب أن تُحال إلى المتحف ككل الأشياء التاريخية الثمينة، وفتح المجال على مصراعيه لإنشاء الأحزاب السياسية لتتنافس سلمياً على السلطة بينما يجب أن يدخل القادة العسكريون للثورة الثكنات تطبيقاً لقرارات مؤتمر الصومام الداعية إلى ''أولوية السياسي على العسكري''، لكن هذا الطلب قوبل برفض قاطع من قادة الثورة الذين تولوا الحكم فور الاستقلال، وتمّ الإبقاءُ على جبهة التحرير حزباً وحيداً، فاضطر بوضياف إلى مغادرة الجزائر بينما أسس ''حسين آيت أحمد'' جبهة القوى الاشتراكية''، وحينما رفضت السلطات اعتماده، أعلن تمردا مسلحا ضدها سنة ·1964 أدى هذا التمرد إلى سقوط مئات القتلى قبل أن يتم القضاء عليه عسكريا ويفرّ آيت أحمد إلى الخارج ليعيش أزيد من ربع قرن من عمره في المنفى بفرنسا وسويسرا·
وحينما تم إقرار الديمقراطية بموجب دستور 23 فبراير ،1989 قدمت''جبهة القوى الاشتراكية'' ملف اعتمادها وقبلته السلطات، ودعت آيت أحمد إلى العودة من منفاه، فلبى الدعوة وحظي باهتمام إعلامي وشعبي يليق بمقامه كزعيمٍ ثوري كبير وأكثرَ من تحركاته السياسية والإعلامية للترويج لفكرته القديمة بانتقال الحكم إلى المدنيين وانسحاب الجيش فعلياً ونهائياً من ممارسة السياسة·
وبرغم أن الجبهة قاطعت أول انتخابات تعددية في حياة الجزائر المستقلة وهي الانتخابات المحلية لـ12 يونيو ،1990 إلا أنها عادت وشاركت في الانتخابات التشريعية لـ 26 ديسمبر 1991 وحصل فيها على المرتبة الثانية بـ25 مقعدًا·
وابتداءً من 11 يناير 1992 تغيرت الأوضاع رأساً على عقب، فتم إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية وإقرار حالة الطوارئ ودخلت الجزائر في أزمة أمنية خطيرة· ولم يهضم ''آيت أحمد'' كل تلك التغيرات المفاجئة وعارضها بقوة وندّد بها ودعا إلى العودة للمسار الانتخابي، إلا أن الأمور ازدادت سوءاً بعد اغتيال الرئيس الأسبق محمد بوضياف في 29 يونيو 1992 مما دفع آيت أحمد إلى مغادرة الجزائر بعد أيام من الاغتيال بحجة الخوف على حياته وعاد إلى منفاه الاختياري بسويسرا، وصعّد منها حملته المُعارضة الشرسة لسياسة السلطات، كما واصل حزبه بالداخل معارضته بنفس المستوى ولم يُبد أي قدر من المهادنة·
كانت ''جبهة القوى الاشتراكية'' من أوائل الداعين إلى حل سياسي سلمي للأزمة الجزائرية يقوم على الحوار مع كل الأحزاب الفاعلة وفي مقدمتها ''الجبهة الإسلامية للإنقاذ'' المحظورة، وحينما بدأ مطلبه يتحقق على يد الرئيس الأسبق ''اليامين زروال'' قاطعت الجبهة جولات الحوار مع الرئيس ولم تشارك سوى في جلسة 31 أكتوبر 1994 والتي كانت آخر جولة حوار بعد أن أعلن زروال إيقافه بسبب تصلب قادة الإنقاذ، وإجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية عام 1995 للعودة إلى الشرعية المؤسساتية· وقابلت الجبهة قرار زروال بالرفض القاطع، ودعا آيت أحمد رؤساء مجموعة من الأحزاب الجزائرية المؤمنة بالحوار دون إقصاء إلى الاجتماع ''بسانت إيجيديو'' بروما الإيطالية في 8 نوفمبر 1994 ثم 13 يناير 1995 وهناك وقعوا وثيقة ''العقد الوطني'' التي تدعو إلى حل تفاوضي سلمي للأزمة الجزائرية وإقرار الديمقراطية الحقيقية في البلاد، وكان واضحا بصمات آيت أحمد في ذلك العقد·
ثار''العقد الوطني'' غضبا شديدا لدى السلطات الجزائرية فأعلنت رفضه جملة وتفصيلا، وأصرت على خيارها بإجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية 1995 كما وعد زروال، وهنا شن آيت أحمد حملة شعواء في الخارج وأدلى بالكثير من التصريحات الإعلامية والمقابلات التي وجه فيها انتقادات لاذعة للسلطات، فاشتد حنقها عليه وردت عليه بالنقد اللاذع، وبلغ التوترُ والعدائية بين الطرفين درجة أن نظمت جهات مقربة من السلطات آنذاك مسيرات للتنديد بالإرهاب وبمجموعة روما أيضاً ووصفتهم بـ''الخونة'' بالرغم من أن ''آيت أحمد'' والرئيس الأسبق ''أحمد بن بله'' وكذا عبد الحميد مهري زعيم جبهة التحرير آنذاك، كانوا من زعماء الثورة الجزائرية!
أُجريت الانتخابات الرئاسية في موعدها وفاز زروال بها في 16 نوفمبر 1996 وأخفقت مجموعةُ روما في رهانها بإفشال تلك الانتخابات، لكن مواقف آيت احمد وكذا حزبه بالداخل لم تلن أبدا، واستمر يطالب بحل سياسي سلمي للأزمة،وحينما بدأت المجازر الجماعية المهولة ضد العائلات الجزائرية في المناطق الريفية المعزولة في أواخر ،1996 وجدها آيت أحمد فرصة للانتقام من السلطات ومواصلة إحراجها خارجياً من خلال مساهمته في الترويج للسؤال التشكيكي الخطير: ''من يقتل من؟'' فاشتد حنقها عليه، وبلغت العلاقة بين الطرفين أقصى درجات النفور والتشنّج·
مقاعد·· وجهوية
في 5 يوليو 1997 شاركت جبهة القوى الاشتراكية في الانتخابات التشريعية وفازت فيها بـ20 مقعداً تمثّلُ منطقة القبائل مقابل 19 مقعداً لغريمها ''التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية'' بالمنطقة، وكانت مشاركة الحزب في تلك الانتخابات مجرد وسيلة لاحتلال مقاعد بالبرلمان واتخاذه منبراً آخر للمعارضة لا سيما وأن جلساته تُنقل على المباشر في التلفزيون مما سيمكّن الحزب من مخاطبة كل الجزائريين بعد أن حُرم من ذلك فور إغلاق المجال الإعلامي في ·1992 إلا أن تلك الانتخابات كانت حجة إضافية أخرى أكّدت أن الحزب لا يزال يقبع في إطار جهوي ضيق لم يستطع كسره، واتهم الحزبُ السلطات بتعمد ذلك، لكن التهمة جاءت ضعيفة غير مقنعة لأحدٍ من الجزائريين·
وشارك الحزب بعدها في الانتخابات المحلية وفاز أيضا بأغلب بلديات منطقة القبائل برفقة غريمه ''التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية''، وفي بداية عام 1999 عاد آيت أحمد من منفاه الاختياري بسويسرا لتنشيط الحملة الانتخابية لرئاسيات 15 أبريل 1999 بنفسه، إلا أنه قاطعها برفقة باقي المترشحين الخمسة المنافسين لـ''بوتفليقة'' قبل انطلاقها بـ 24 ساعة بذريعة ''بروز مؤشرات على تزويرها''، وعاد آيت أحمد إلى منفاه الاختياري مجدداً وأصبح لا يزور الجزائر إلا نادراً جداًّ·
المنعطف
في الثامن عشر من ابريل 2001 اندلعت شرارة أحداث جد خطيرة بمنطقة القبائل وسقط 126 قتيلا، وجرح 3 آلاف متظاهر واستمرت أحداث التخريب الخطيرة أكثر من عامين، وفي أواخر مايو 2002 أجريت الانتخابات التشريعية فقاطعتها جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي يرأسه د· سعيد سعدي، وبقيت منطقة القبائل دون ممثلين حقيقيين بالبرلمان وناب عنهم ممثلون صوريون لأحزاب أخرى· وحينما كان الجميع يتوقع مقاطعة الجبهة للانتخابات المحلية أيضاً في العاشر من أكتوبر فاجأت الجميع بقرار المشاركة، مما أثار سخط ''عروش القبائل'' التي قالت إن الجبهة تمد حبل النجاة للسلطات بالمنطقة، وكان دافعها للمشاركة استعادة منطقة القبائل من''العروش'' التي هيمنت عليها فجأةً وباتت تهدد الزعامة الروحية لآيت أحمد على المنطقة لصالح زعيمها الشاب بلعيد عبريكا الذي بدأ يبرز بقوة·
وفي اليوم الموعود، فشلت جبهة القوى الاشتراكية في جلب الناخبين إلى صناديق الاقتراع بالمنطقة التي شهدت نسبة مقاطعة عالية خاصة وأن ''العروش'' تمكنت من إفشالها بالعنف والقوة، وفشلت السلطات في تأمين أمن الصناديق والمراكز الانتخابية فلم تجد بُدًّا من إعلان إيقاف الانتخابات بمنطقة القبائل، وعلى الرغم من فوز الجبهة بها، إلا أن ''العروش'' بقيت تضغط إلى أن تمكنت من إلغاء النتائج وإجراء انتخابات جزئية محلية في 24 نوفمبر ،2005 لكن الجبهة فازت بها مجددا وقزّمت ''العروش'' وأعادت لآيت أحمد هيبته·