صحيفة الاتحاد

الإمارات

علماء الدين: الإرهاب الأعمى يهدد مستقبل البشرية

محمد مطر الكعبي

محمد مطر الكعبي

إبراهيم سليم (أبوظبي)

أجمع علماء الدين أن اتهام الإسلام بالإرهاب ليس له أساس من الصحة، بل هي تهمة مفضوحة، سوقت لها الجماعات الإرهابية التي شوهت الدين، واستغلها بعض المفكرين لتحقيق أجندات مشبوهة.
وبينوا أن الإرهاب يدمر الإنسان والتاريخ الثقافي الإنساني، وأن ديننا الحنيف حرم كل ذلك، كما حرم كل أشكال الإرهاب.
وقالوا: إن الإرهاب الأعمى الذي نراه اليوم يضرب هنا وهناك، أصبح يهدد المستقبل البشري، وهو أخطر الآفات التي نواجهها وعلى العقلاء أينما كانوا أن يقفوا في وجهه ويعالجوه من جذوره لاقتلاعه واقتلاع خطره واقتلاع الإرهابيين وهي أسبقية مطلقة.
وأشاروا إلى أن قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة أعلنت موقفها الراسخ الحكيم الذي ينطلق من ديننا الحنيف تجاه هذا الخطر الداهم، وأن ما قامت به من خطوات عملية لدحره وإطفاء شرره لجدير بأن يكون مثالاً يحتذى به في جميع الدول، مضيفين أن الإسلام حرص منذ بزوغ فجره على التصدي لكل مظاهر الغلو والتطرف والإرهاب، وأن على علماء الأمة كل من موقعه توعية المجتمع وزرع الوعي لدى أفراده كافة بمخاطره.
أكد الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أن السؤال المقلق لكثير من الجمهور المتابع للمآسي الناجمة عن العمليات الإرهابية - لماذا أغلب الإرهابيين من المسلمين؟ والجواب المختصر المفيد، ابحث عن الأسباب، وعلينا أن نتحلى بالشجاعة، ونقول إن بعض من انتمى إلى الدين الإسلامي إرهابي، وعلينا في الوقت نفسه أن نطرح الأسئلة: لماذا، كيف، متى، أين، من...، وهنا كذلك نبحث عن البيئة الحاضنة للتطرف، في دول فشلت في توفير العدالة وتجاهل التنمية، بل تجاهل الدين، أو البعض ارتسم لنفسه خطاً مختلفاً عن بقية أهل الملة، أو قل بعضهم يرى لونه مميزاً وأخذ يوسّع دائرة الكره للآخرين، وطرف آخر يرى أن حقوقه منهوبة مسلوبة، وهكذا اتسع الخرق على الراقع، وانتشر الوباء، وسهل ذلك أدوات الانفصال الاجتماعي، وتم تخطي الحدود بلا قيود، واستثمر هذا الاندفاع وغذي من أطراف لها مآربها.
وأضاف: إننا نبحث في الإسلام السياسي النابت في بيئة مأزومة أصلاً، ويحاول رموزه الصيد في ذلك الماء العكر، فيجندون الشباب المأزومين ويدفعون بهم إلى العنف والإرهاب لتحقيق أهداف يقفزون لها قفزاً دون فهم لمقاصد الدين الحنيف، وهدايته ورحمته وعدالته، زاعمين أنهم يحكمون بشرع الله، وهم يتلاعبون في تفسير النصوص ويوظفونها ويلوون دلالاتها لخدمة أهدافهم المشبوهة، مثل «داعش» وآبائها وأخواتها من التنظيمات الضالة والمضللة.
وتابع: ليس بعيداً عن الإسلام السياسي النابت في بيئات مأزومة، ذلك الاستقطاب الآخر لأفراد يعيشون في دول أخرى ليست من الشرق الأوسط كالشباب المغرر بهم ممن ولدوا في دول غربية، ولم يتمكنوا من الاندماج والتعايش الإيجابي في دول المهجر، وهنا لا بد من التأكيد أن الدين الإسلامي قيماً وأحكاماً ليس هو المسؤول.
من جانبه، أرجع الدكتور عباس شومان نائب شيخ الأزهر الشريف، تهمة إلصاق الأعمال الإرهابية إلى المسلمين لأسباب عدة، الأول خطأ بعض المنتسبين للإسلام، بإظهارهم صورة لتصرفات غير مسؤولة، ونسبتها إلى الإسلام، وهذه الفظائع التي ارتكبوها شرقاً وغرباً، والممارسات الخاطئة، التي يسعون للتغطية عليها وما ارتكبوه من جرائم بإلصاقها بالإسلام، وقد يكونون من غير المسلمين أصلاً.
وأشار إلى أن معظم المنتمين لـ«داعش» غير مسلمين، ولا يوجد دليل على أنهم مسلمون، فمعظمهم غربيون، وتصرفاتهم لا تليق بالمسلمين.
ولفت إلى أن السبب الثاني، هو السعي لإظهار الصورة السلبية للمسلمين، وإلصاق الجرائم والأعمال الوحشية كافة بالمسلمين، هو خطأ، سعى البعض لترسيخه، وهناك حالة تربص شديد بالمسلمين في الغرب ومجتمعات غير المسلمين، ويجدون من يروج لذلك والغرب يربطهم بالمنطقة عداء تاريخي، ويستغلون هذه الظواهر ويسوقونها على أنها حالة عامة، وأن الإسلام دين ينتهك الحرمات، وهناك بالفعل حالة تسويق سائدة في المجتمعات الغربية، وهو خطر كبير للغاية يجب الانتباه إليه.
وأشار إلى أن السبب الثالث يعود إلى أن القائمين على الدعوة الإسلامية، والخطاب الديني في الغرب، جهّال، ويظهرون أسوأ صورة للمسلمين، والإسلام، وهم أصلاً صنيعة غربية، وهم من تبنوا هذه التنظيمات ودعموها، وهناك تنظيمات وأجهزة، تستخدمهم للإضرار بالمنطقة، وأن العلماء حذروهم من مغبة انقلاب الإرهاب عليهم، خاصة أنهم لا ينتمون إلى مبادئ تحكمهم ويقومون بأعمالهم بمقابل، فإن انقطع الدعم المادي عنهم انقلبوا عليهم، وتحولوا إلى مسعورين من أجل المال والشهوات.
وقال: إن الوجب علينا هو إظهار الصورة الحقيقية للإسلام، وفضح ما يقوم به هؤلاء، وإن هذه التصرفات لا تمتّ للإسلام بصلة، وإنهم يقصدون من وراء ذلك الإضرار بالإسلام والمسلمين، فالإسلام دين يقدس الحياة، ويدعو إلى التعاون بين بني آدم، ويساوي بين الجميع، ولا بد من قطع علاقتهم بأي دين سماوي، وهم تجاوزوا مرحلة الأفكار، وتحولوا إلى السلاح وارتكاب الجرائم، وهم يحتاجون لمواجهات عسكرية، بالتنسيق مع كل الدول، لدرء خطرهم، لافتاً إلى أن مواجهة الإرهاب الحالية خرافة وتمثيلية لا أكثر ولا أقل، فـ«داعش» تمرح في العراق وسوريا، وغيرها وفي صحراء مكشوفة، ولم يسمع أحد أنها تعرضت لأذى، في حين آلاف الضحايا المدنيين، تلقى عليهم القنابل بدلاً من التنظيم الداعشي.
وأكد المستشار الدكتور فاروق حمادة المستشار الديني بديوان ولي عهد أبوظبي أن الإرهاب يدمر الإنسان والتاريخ الثقافي الإنساني ويحفر في المستقبل البشري أخاديد وجروحاً تستمر إلى عقود طويلة من السنين ويعمق الكراهية والحقد في النفوس البشرية، ويعلي حواجز القطيعة بين الشعوب والأمم حتى لو كانت متجاورة أو متقاربة.
وتابع: إن ديننا الحنيف حرم كل ذلك، وحرم كل أشكال الإرهاب قليلة أو كثيرة، في أي مكان كان أو أي زمان كان، لأنه جاء لصيانة النفس البشرية وغرس المحبة والتآلف والتعاون بين البشر، وجعل الحوار والتفاهم أساس التواصل بين البشر، وأن ما نراه اليوم من الإرهاب الأعمى الذي يلبسونه لباس الدين من «داعش» وأشكاله لا علاقة له بالدين الإسلامي، ولا يمكن أن يقبله مسلم غيور على دينه وأن الإسلام قد صان النفس البشرية بذاتها، كما أكد على صيانة الأبرياء والضعفاء والمسنين والأطفال والنساء في كل الظروف والأحوال، وكذلك العباد من كل الديانات.
وأضاف: أن الوصايا النبوية جاءت بذلك وتناقلها المسلمون وعملوا بها في كل مراحل التاريخ الإسلامي، مع كل الشعوب والأقوام.

ضوابط التعامل
أكد فضيلة الدكتور سيف الجابري أستاذ الدعوة الإسلامية والمجتمع بالجامعة الكندية أنه منذ أن أنزل الله سبحانه وتعالى هذا الدين وختم به الرسالات وأبان به طريق الحق، شرح فيه ضوابط التعامل. وقال: إن الإسلام له أعداؤه من البشر، لذلك نهى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يكونوا على عداوة مع غيرهم، ونهاهم أن يسبوا الذين ليسوا على دينهم وذلك تفادياً لعنصرية الاجتماع من الباطل على الحق. وأضاف: نعلم أن كل الحق هو ما أنزله الله في دينه وقرآنه وألزم أتباعه المؤمنين أن يظهروا المحبة للآخرين، ولا يعترضون عليهم فيما يدينون به لغير الله، لذلك نجد في هذا الزمان كثرة توجيه الاتهام إلى المسلمين، وذلك يعود إلى فئة مسلمة انحرفت في تفكيرها عن جادة الحق، وفتحت الأبواب للهجوم عليها، ويعود ذلك لضعف الحوار وقلة ثقافة بعض المفكرين بقيمة الطرف الآخر، أو لباس ثوب الدين لتحقيق مآرب في نفوس الأتباع. ورأى أنه لهذا السبب يجب أن نميز بين الدين وأتباع المسلمين، فالإسلام يوجه المسلمين، نحو الحق والعدل وحفظ الأرواح، ولكن بعض أتباع دين الحق وهو دين الإسلام جاءه انحراف فكري فقاتل الناس باسم الدين وزرع في قلوبهم الخوف ورمى بهم هذا الخوف بالإرهاب، فلذلك يجب اليوم أن يقف المسلمون وقفة رجل واحد، وعلى علماء الإسلام جميعاً ألا يتركوا الخطاب الديني لجهلاء المسلمين يعيثون فساداً في الأرض.
وقال: إن هذه التفجيرات التي تحدث ويقوم بها المسلمون المتطرفون يستحقون أشد العقوبة، لأن الإسلام نهى عن قتل الأبرياء في الحروب فكيف في وقت السلم، ومن هنا ينبغي التنبه من المجتمع عموماً والمسلمين خصوصاً من هذه الأيادي الآثمة التي تقتل الأبرياء في كل مكان، وهو ما يخالف كل الشرائع السماوية.

التطرف الأيديولوجي
قال فضيلة الشيخ أحمد الشحي، مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه، إن التطرف الأيديولوجي بأنواعه وتنوع انتماءات أصحابه هو من أكبر المهددات التي طالت البشرية عبر تاريخها، ولا تزال فصول هذا التطرف تتكرر في عصرنا هذا في شكل أعمال إجرامية مأساوية وعلى يد منظمات إرهابية لا تعترف بمبادئ ولا قيم ولا أخلاق ولا تراعي حرمة لنفس إنسانية، ومن أخطرها «داعش»، التي لا يختلف عاقل في شدة انحرافه وخطورته، ليس على مستوى الإنسان فقط، بل على مستوى الحضارة برمتها. وأضاف: أن الإسلام حرص منذ بزوغ فجره على التصدي لكل مظاهر الغلو والتطرف والإرهاب الذي كان سائدا في ذلك الوقت، وكان من ثمرات هذا الدين العظيم إيقاف كافة مظاهر السلب والنهب والاقتتال والاحتراب والافتراق والتشرذم، ونقل واقع العرب من مجتمع تُسفك فيه الدماء إلى واقع تُعظم فيه الدماء، وتُصان فيه الأنفس، وتتخذ فيه العقوبات الرادعة للمعتدين وسافكي الدماء، والتاريخ الإسلامي عامر أيضا بمظاهر التعايش والتسامح بين المسلمين وغيرهم عبر قرون مديدة. وقال: إن هذا الواقع التاريخي المشرق الذي واكب ظهور الإسلام وما نتج عنه من ثمار وآثار ممتدة وحضارة راقية هو أدل برهان على أن الإسلام دين سلام وأمن ورحمة للمسلمين والعالمين، والنصوص الشرعية قاطعة بتحريم وتجريم أعمال العنف والتطرف والإرهاب، ومليئة بالدعوة الصريحة إلى ترسيخ الأمن والسلام والتسامح والرحمة والعدل والبر الإحسان.
وتابع: كافة العقلاء المنصفين في كل مكان يدركون تماما هذه الحقيقة، حتى إن المتتبع يجد شهادات كثيرة ومؤلفات عديدة لفلاسفة ومفكرين وأدباء من غير المسلمين تتضمن تقرير هذه الحقيقة الناصعة، بل والانبهار بالتسامح الإسلامي والإشادة بمبادئه السمحة، فضلا عن جماهير المسلمين أنفسهم، وعلى ضوء ذلك يتبين لنا تماما أن اتهام الإسلام بالإرهاب ليس له أساس من الصحة، بل هي تهمة مفضوحة، ساهم في التسويق لها الجماعات الإرهابية التي شوهت الدين، واستغلها بعض المفكرين لتحقيق أجندات مشبوهة، وأخيرا فإن من أهم متطلبات هذه المرحلة التفاني في إظهار محاسن الدين الإسلامي، وتصحيح التصورات المغلوطة والمشوهة عنه، والتصدي بفاعلية للدعايات المضللة التي تمارسها التنظيمات المتطرفة لتشويه الدين وتحريف مفاهيمه، وتوجيه الجهود للمساهمة الفاعلة في تصحيح صورة الإسلام في الشرق والغرب.

أعداء الإسلام
أكد الدكتور أحمد خليفة شرقاوي عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر، أن واقع المسلمين واقع مرير، أولاً فيما يتعلق بالجرائم النكراء التي يلصقها أعداء الإسلام بالمسلمين فإنها لا تعدو أن تكون محض كذب وافتراء لأن دين الإسلام بريء من كل هذه الأعمال، ومن كل هذه الأفعال وكثيراً ما قلنا ونقول مراراً وتكراراً بأن من يتهم الإسلام بهذه الافتراءات والأكاذيب يعلمون تماماً صنعتهم ورجالهم الذين يستخدمونهم في مثل هذه الجرائم تحقيقاً لمصالح سياسية يدور التنازع حولها بين الدول الكبرى. وقال: إن هؤلاء يعلمون تماماً من أين يأتي الخطر بل يشرفون عليه بمؤسساتهم ومنظماتهم ثم يستخدمونه سلاحاً في وجه المسلمين والإسلام، ونحن من جانبنا بأن إسلامنا وديننا يأبى ويرتقي على هذه الأفعال وهذه الجرائم وأنها تمثل الاعتداء على الإنسانية جمعاء لأن الأنفس معصومة والدماء مصانة، والأموال محفوظة فمن جاوز وتعدى بفكره أو قوله أو فعله بما يناقض هذا المعنى فهو بعيد عن دين الإسلام ولو كان الناطق به مسلماً. وتابع: هناك رسالة نوجهها إلى العالم إنه لا سلام دون عدل ولا عدل دون مساواة، فالعدل أساس الملك، والمساواة ركنه وقوامه فمن سره من الناس أن ينشر السلام ويبسط الأمان فيلتزم بتحقيق قيمة العدل وهي من أعلى القيم الإنسانية مكانة ودقة فبالعدل يستقيم الأمر وبه يعم السلام وبموجبه تصان الحقوق وتحفظ الدماء والأموال.