الاتحاد

دنيا

«سلطان بن زايد التراثي».. واحة من الماضي تزهر في سويحان

جانب من معرض «شواهد في حب زايد» (تصوير عبدالعظيم شوكت)

جانب من معرض «شواهد في حب زايد» (تصوير عبدالعظيم شوكت)

تواصل سويحان عرض لآلئ الموروث الشعبي الإماراتي عبر الكرنفال التراثي الكبير الذي تحتضنه المدينة، وجعل منها واحة كبيرة للجمال الممتزج بالأصالة وعراقة التاريخ الإماراتي، ويأتي مهرجان سلطان بن زايد التراثي 2014، الذي نجح في توصيل رسائل الاعتزاز بالهوية الوطنية، ليؤكد نجاح دولة الإمارات في التعريف بما لديها من أفكار وقيم وعادات اجتماعية ضاربة في القدم لازمت أهلها، وساعدتهم على التكيف مع المكونات البيئية والحضارية المحيطة بهم.


أحمد السعداوي (أبوظبي) - بعد مسيرة ساعة ونصف الساعة تقريبا من أبوظبي، يقضيها الزائر للمهرجان في مطالعة سحر الطبيعة الإماراتية التي تزداد جمالا في فصل الشتاء عبر مشاهد الرمال الممتدة عبر الأفق تغطيها سحب رمادية اللون أحياناً وبيضاء اللون أحياناً أخرى، تحط الرحال في مدينة سويحان لنجد زخماً من الفعاليات التراثية، والعروض الكرنفالية والمعارض التي تبرز الإبداعات الفنية والمقتنيات التراثية الفريدة والمشغولات اليدوية البديعة، يتم طرحها على الجمهور في أجواء مبهجة وضيافة إماراتية.
معرض وفاء
يعبر معرض «شواهد في حب زايد»، الذي تضمنه المهرجان، عن وفاء أبناء الإمارات للمغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وتقديرهم الكبير لدوره في بناء دولة الإمارات. إلى ذلك، قال، المسؤول عن المعرض، أحمد الكعبي إن محتوياته جمعها والده عبدالله الكعبي، وهو أحد جامعي التراث المعروفين في الإمارات.
ويحتوي المعرض على أرشيف يعود لأكثر من 25 عاما من الصحف التي تتحدث عن الشيخ زايد، رحمه الله، وعدد كبير من الكتب التي صدرت عنه باللغتين العربية والأجنبية، ويفوق عددها 180 كتابا. بالإضافة إلى الكثير من المجلات التي تحدثت عنه، وبعضها صدر في حياته والبعض الآخر عقب وفاته، ودفاتر مدرسية كانت توزع على طلاب المدارس حين ذاك، وتحمل صورة المغفور له، وهناك طوابع بريدية تؤرخ مسيرته قبل الاتحاد وبعده، مع وجود بعض التذكارات عن فعاليات وجهات مختلفة في حياته وبعد مماته، وبعض العملات التذكارية التي تحمل صورته مصنوعة من الفضة، إلى جانب أشرطة سمعية التي تحمل أشعاره.
وأشاد الكعبي بحرص إدارة المهرجان على اتباع وصايا الشيخ زايد رحمه الله، الذي كان محبا للتراث، وجاء هذا المهرجان ليؤكد هذا المعنى، ويفتح بابا واسعا للتواصل بين عشاق التراث الإماراتي والخليجي وييسر أسباب الرزق أمام أصحاب الحلال (الإبل) الذين ينتظرون هذه الفعالية سنوياً ليقوموا بعمليات بيع وشراء للحلال الخاص بهم.
مشاركة متميزة
محمد الزحمي، من أبناء الإمارات الذين كانت لهم مشاركة متميزة بمجموعة من المقتنيات النادرة، التي جذبت أعداداً كبيرة من الجمهور وجدوا جمال المشغولات اليدوية في هذه المقتنيات وقدرتها على الاحتفاظ بملامح التميز رغم مرور مئات السنين على خروجها من بين أيادي صانعيها.
إلى ذلك، يقول الزحمي، إن أبرز ما عرضه عبر جناحه المتميز على يسار مدخل الخيمة الكبرى، التي تضم القرية التراثية والشوق الشعبي ومسرح الأنشطة، مجموعة أوان نحاسية يعود عمرها إلى 200 عام، مثل «المقفلية»، وهي طاسة نحاسية لها غطاء محكم، كانت تستخدم قديما في حفظ التمور وإبقائها بحالة جيدة حتى يتناولها أهل البيت أو الضيوف، و«المدق» أو «الهاون» كبير الحجم، ويصل ارتفاع العصا الغليظة الخاصة به، وتستخدم في دق الحبوب إلى نحو 70 سم، وهذا المدق كان يستخدم في دق الحبوب قبل نقله إلى «الرحا» كي يتم طحنها.
ويشرح «المدق يعود عمره إلى بدايات القرن الماضي، وهو مصنوع من الخشب القوي، الذي يتمتع بقدرة عالية على تحمل عوامل الزمن، ما جعله بحالة صالحة للاستخدام حتى الآن برغم عشرات السنين التي مرت على صنعه». أما وسيلة صنع الكحل المستخدم في الزينة، فكانت الأكثر تميزاً بين مقتنيات الزحمي، من خلال حجر «الأثمد»، الذي يتم طحنه باستخدام أحجار قوية، ثم يستخرج منه الكحل ناعماً يصلح لزينة العين وعلاجها أحياناً من بعض الأمراض البسيطة تبعاً للموروث الشعبي في المنطقة. وهناك غزلان نحاسية تزين مدخل الجناح، وهي متوسطة الحجم ويصل وزن الوحد منها 40 كيلو جراماً، وتم صنعها بشكل بديع يجعل منها قطعة فنية بديعة تستخدم في الزينة والديكور برغم علامات الزمن البادية عليها، التي أعطتها مسحة جمالية مضاعفة تشعر من يراها بالعراقة والفخامة. ومن بين مقتنياته أيضا الدلال وأدوات الضيافة وشرب القهوة، ومنها مجموعة دلال معروفة باسم «رسلان القريشية» مصنوعة من النحاس، وكانت تُجلب من خارج منطقة الخليج وتحديدا من دمشق بسوريا، وتستعمل في جلسات شرب القهوة.
أشكال الحياة القديمة
من بين المقتنيات أيضا الـ«شلفا» أي الرمح، وكان يستخدم لأغراض الحراسة والدفاع عن النفس، ويصنع من خشب «الميز» القوي، ويجاور الرمح، قوس وعدة اسهم مصنوعة جميعا من الخيزران.
وسلاح أهل المناطق الجبلية، المعروف باسم «الليزر»، وهو عبارة عن عصاة طولها نحو متر في أعلاها قطعة من الحديد تشبه رأس الفأس، ولكن على هيئة أصغر، وكان يستخدمها ساكنو الجبال في أغراض متعددة، أهمها الدفاع عن النفس وكسر الحطب وتكسيره، وقتل الزواحف، والاتكاء عليها تجنبا للوقوع أثناء السير في المناطق الوعرة.
وكان للحلي النسائية القديمة حضورها ضمن مجموعة مقتنيات الزحمي، وهي مصنوعة من الفضة، إلى جانب نماذج من عطور وزيوت عطرية عرفها أهل الإمارات منذ القدم، وتوجد نماذج من النعال التي كانت مستخدمة قديماً، وكانت تصنع من جريد النخيل وجلود الحيوانات، ويميز النسائي عن الرجالي أن الأول فيه لمسات خاصة باستخدام الصوف الملون.
إلى ذلك، أوضح الزحمي أنه سعيد بهذه المشاركة ضمن حدث تراثي ضخم مثل مهرجان سلطان بن زايد التراثي 2014، ونجاحه في جمع هذا العدد من المقتنيات الثمينة التي عكست نماذج وأشكالاً من الحياة في المجتمع الإماراتي قديما، وكيف كانت أساليب حياة أهلنا وبراعتهم في التكيف مع البيئة المحيطة بهم.
وأورد أن إقبال الجمهور بشغف على مطالعة هذه المقتنيات بمثابة جائزة شخصية له، يعتز بها، كونه استطاع المساهمة بقدر يسير في إنجاح المهرجان ومشاركة أبناء وطنه في التعريف بعناصر هويتهم، والتأكيد على انتمائهم لهذه الأرض، مشيداً بجهود أولي الأمر في الدولة، ومنهم سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، في متابعة ودعم كل الفعاليات التراثية التي تشهدها الدولة وتعكس جماليات التراث الإماراتي.


أنواع السيوف
من المقتنيات التي يعرضها محمد الزحمي، أسلحة مختلفة، منها سيوف قتالية وسيوف لليولة عُلقت على جدران الجناح، قال عنها الزخمي، إنها مصنوعة من الفولاذ عليه، وهي نوعان من السيوف، قتالية مرسوم عليها نقوش بآيات قرآنية، وأخرى لليولة، والفارق بين القتالية والعادية وفق الزحمي، هو وجود الـ«قتارة» أي انحناء في وسط السيف وهذه الانحناءة تجعل السيف أكثر قوة حين يتم ضرب الخصم بها.
أما سيف اليولة، فيكون مطلياً بالكروم وخفيف الوزن قياسا إلى سيف القتال، ويتميز بلمعانه وسرعة اهتزازه حتى يتناسب مع العروض الشعبية التي تعرض لفن يولة السيف.

لوحة «أفعال»
يبحر الزائر من «شواهد في حب زايد» إلى معرض للوحات الفنية قدمته الفنانة التشكيلية الإماراتية هدى الريامي، وقالت إنها شاركت في نسخة هذا العام من المهرجان بمجموعة أعمال تتناسب مع الحدث التراثي الكبير الذي تشهده مدينة سويحان، ومنها لوحة حملت اسم «أفعال» لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس الدولة رئيس نادي تراث الإمارات، وسبق أن فازت بأكثر من مسابقة لما ضمته من عناصر خاصة بديعة، واللوحة تحكي عن مطية من مطايا سموه، تتميز بملامح جمال لافتة، بالإضافة إلى تحقيقها مراكز أولى في عديد من الشارات والسباقات التي شاركت فيها، «وهو ما دفعني لرسمها» قالت الريامي.
وهناك لوحة أخرى مرسومة بالفحم، للمغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وتصوره ممسكاً بالمنظار في إحدى رحلات المقناص، وتعبر عن ملامح الشيخ زايد وحدة نظرته وتركيزه الشديد الذي تميز به في مراحل حياته كافة، واللوحة زيتية بها شغل حفر ساعد على إبراز ملامح المغفور له، بحيث صارت اللوحة أكثر تعبيراً عن شخصيته.
وعن المهرجان، أكدت الريامي أن الشكل العام له يختلف بشكل جذري عن الأعوام الماضية، من حيث توزيع المشاركين والأجنحة والترتيب في كل ركن من أركان المهرجان. وأشادت بالجهود الكبيرة التي بذلها المسؤولون عن النسخة الحالية من المهرجان، والتي أسفرت عن خروجه بهذا الشكل المبهر.

اقرأ أيضا