رأينا رسالة الأسبوع الماضي الموجهة من الأب إلى الابن، وماذا حملت من توضيحات وآلام ومعاناة، حيث بينت ما يحتاجه الأب من أبنائه بعد طول عناء وكفاح وسعي لجعلهم سعداء. ولعلنا اليوم في هذه الرسالة نكمل الرسالة التي تحمل معاناه النصف الثاني في تكوين الأسرة، رسالة من الأم للأبناء، تشرح فيها بكل حواسها ما فعلته وما حصل لها وما تمنته لأبنائها وما قدمت لأجله في مسيرة طويلة من التعب الممزوج بالألم والسعادة، وهي ترى أبناءها يكبرون يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة، يحققون النجاح تلو النجاح، ومن تفوق إلى تفوق، فهكذا هو قلب الأم حنون محب مسامح. فماذا تحمل رسالتها لأبنائها من الذكور والإناث؟ أبنائي الأحباء، كل منكم شغلته الدنيا بمشاغلها وهمومها ومشاكلها ومتطلباتها ومغرياتها التي لا ينجو منها إلا كل ذي قلب حكيم، وهذه سنة الحياة، فعندما كنت في عمركم كانت لي الأحلام والأماني والأهداف مثلكم، إلى أن دخلتم حياتي وملأتموها رونقاً وجمالاً، بالرغم من كل المعاناة التي عانيتها في تنشئتكم وتربيتكم، إلا أنني كنت أقوم بذلك بحب وسعادة، ولن تصدقوا مدى تلك السعادة إلا إذا عندما تدخلون بذلك عالم الأمومة والأبوة. أبنائي الأحباء يكفي معاناتي في حملي لكم في بطني تسعة أشهر وما يلي ذلك، وقد بين المولى عز وجل حجم معاناة الأم حيث قال: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)(لقمان:14). أبنائي الأعزاء كم هي قاسية تلك النظرة التي نتلقاها نحن الأمهات منكم، كم هي مؤلمة عندما تفعل الخير لإنسان وتضحي لأجل أن يعيش سعيداً، وتسعى بكل ما تستطيع لأن تلبي احتياجاته ومتطلباته وكل ما يرضيه ولا تجد منه في الآخر إلا النكران وسوء المعاملة والتبرؤ منها وتهميشك، ناهيكم عن سوء التقدير والاحترام. كم هي مرة تلك اللحظات والمواقف التي ترفع فيها الابنة صوتها على أمها وتتأفف منها وتحدق بعينيها في وجهها وتصد عنها كارهة الاستماع إليها. وكم هو قاتل صراخ الابن على أمه وعصيانها وطردها من البيت لكي ترضى عنه زوجته. آخ يا أبنائي لا تخدعنكم الدنيا بما عرضته لكم من مفاتن وزينة وشباب وصحة وقوة، فالمكتوب آتٍ والكأس يدور على مائدة الحياة، وكل منه شارب، فماذا تريدون أن تذوقوا منه؟ هل تحبون أن يعاملكم أبناؤكم بالإحسان والتقدير والاحترام والسمع والطاعة والحب والحنان، أم بما ذقناه منكم من إهمال وجفاء وانشغال؟ أبنائي الأحباء عندي سؤال أريد منكم التفكير فيه وهو:»من أنتم بدوننا، وكيف هي حياتكم مع غيرنا؟». أما نحن، فأنتم لنا كل هذه الدنيا بحلوها ومرها وسعادتنا أن نراكم ناجحين وسعداء، فهلا أذقتمونا جزءاً من هذه السعادة؟ د. عبداللطيف العزعزي dralazazi@yahoo.com