عربي ودولي

الاتحاد

سوريا ولبنان·· سياميان لا يلتقيان


الاتحاد - خاص:

هل هي حرب المئة عام بين التوأمين السياسيين: شهر العسل بين لبنان وسوريا لم يدم سوى سنوات قليلة بعد الاستقلال، ثم راحت العلاقات تتمزّق حيناً، وتعود إلى طبيعتها حيناً آخر، ودون أن تصمد طويلاً تلك الفلسفة التي تكرّست بلقاء مثير في خيمة على الحدود عام 1959 بين ''جمال عبدالناصر'' و''فؤاد شهاب''···
كان يفترض أن تكون العلاقات بين لبنان وسوريا مثالية على المستوى العربي كما على المستوى الدولي، فأسباب الوفاق لا الافتراق كثيرة، ولكن لاحقاً أن المشكلة ناجمة عما جرى منذ نحو مئة عام: لبنان الكبير وسوريا الصغيرة!
بين مدينتين
هنا توأمان سياميان ويصرخان في وجه بعضهما البعض، حتى أنّ ''فريد الأطرش'' حين جال، في أغنيته ''بساط الريح'' على البلدان العربية التي كانت قائمة آنذاك، ذكر سوريا ولبنان معاً· الآن، المسافة الجغرافية الأقصر بين عاصمتين عربيتين، بيروت ودمشق، هي الأطول سياسياً··
في فصل الشتاء تتراكم الثلوج بين الحين والآخر على الطريقين بين المدينتين· الطريق لا تعود سالكة· ولكن بعد الذي جرى تتراكم الثلوج حتى في فصل الصيف· غالباً ما كانت العلاقات متوترة بين البلدين الشقيقين، لكنها لم تصل إلى هذا الحد، فثمّة مَن يطالب حتى بقوّات دولية على الحدود· لنتصوّر، من الناحية السيكولوجية على الأقل، وجود جنود صينيين، وهنود، وفرنسيين، وألمان، وأتراك، وأسبان على ذلك الخط الذي لم يكن خط حدود في وقت من الأوقات، فالتداخل ''عاطفي'' جداً بين الأراضي، وكذلك بين الناس· للكثيرين فإن دمشق هي مدينة ''محيي الدين بن عربي'' و''صلاح الدين الأيوبي''، وللكثيرين، فإنّ بيروت هي الواحة الثقافية التي تجمع على العشاء بين ''أبي عثمان الجاحظ'' و''جان بول سارتر''، وبين ''كوكو شانيل'' والطربوش العثماني··
الانقلابات والحروب الأهلية
كل بلد اختار نظامه الخاص، في ظروف معينة· والواقع أنه في السنوات الأولى لاستقلال البلدين (لبنان عام 1943 وسوريا عام 1946)، كان النظامان متشابهين، لا بل إن تسميات بعض الأحزاب كانت متشابهة، إلى أن بدأت دورة الانقلابات العسكرية في سوريا، الرؤوس ساخنة جداً تحت القبعات الزاهية، وهو الأمر الذي لم يكن ممكناً في لبنان، بسبب التوازن الدقيق بين الطوائف الكبرى، ووجود اتجاهين في الداخل أحدهما ينحو عربياً والآخر غربياً، وإن كان على لبنان أن يعيش ما هو أسوأ بكثير من الانقلابات العسكرية: الحروب الأهلية التي اندلعت لأشهر في عام ،1958 وبسبب سياسة الرئيس ''كميل شمعون'' المناهضة للرئيس ''جمال عبدالناصر''، ولسنوات طويلة في عام 1975 بسبب ظاهرة الفدائيين، وإن كان الأساس داخلياً، ويعود إلى التحوّلات الديموغرافية، والثقافية، التي حصلت في البلاد على مدى عقود أعقبت الاستقلال··
لبنان الكبير
حين أعلن المفوّض السامي الفرنسي الجنرال ''هنري غورو'' في الأول من سبتمبر 1920 قيام ''دولة لبنان الكبير''، كان هناك في سوريا التي لم تكن قد أخذت شكل الدولة آنذاك بعد أربعة قرون من الاحتلال العثماني، مَن يقول بـ''دولة سوريا الكبرى'' لكن العكس هو الذي حصل أن عبر اتفاقية ''سايكس بيكو'' عام 1916 (وزير خارجية بريطانيا ''مارك سايكس'' ونظيره الفرنسي ''جورج بيكو'')، أو عبر مؤتمر الصلح في باريس عام ،1919 فبالنسبة إلى لبنان جرى اقتطاع 4 أقضية كانت تشكل جزءاً من سوريا وضمّها إلى الدولة الجديدة· ومع حصول ما حصل، كان هناك في دمشق مَن لم يستطع أن يستوعب قيام ''لبنان الكبير'' و''سوريا الصغرى''، مع أن مساحة سوريا تبلغ، تقريباً، عشرة أضعاف مساحة لبنان! بالطبع، كانت هشاشة الوضع السياسي في لبنان هي التي تغري بعض القيادات السورية بالضغط أو التدخل، فالمسلمون اللبنانيون، في أكثرهم، كانوا يميلون إلى دمشق، بل ويقولون بالوحدة معا، أي أن ما يشاهد الآن من توتر بين البلدين ليس بالجديد، وإن كان الجديد هو هوية قوى كانت على علاقة عضوية مع سوريا وراحت تناصبها العداء، إن بسبب الأداء السوري المروع على مدى ثلاثة عقود، وإن كان واضحاً أنه كان لدمشق الدور الأساسي في إعادة الدولة وبالتالي إعادة تكوين مؤسساتها بعدما حوّلتها الحرب الأهلية إلى حطام، أو بسبب الظروف التي أحاطت بحادثة اغتيال رئيس الحكومة السابق ''رفيق الحريري'' الذي كان بمثابة ظاهرة سياسية واقتصادية وعمرانية فذة، لأكثرية اللبنانيين يمثل ''رفيق الحريري'' المعجزة التي أعادت تأهيل··· طائر الفينيق!
طائرات ''الشيشكلي''
العلاقات المتوترة الآن متوترة منذ زمن· في النصف الأول من الخمسينات، وكان العقيد ''أديب الشيشكلي'' قائداً للانقلاب في سوريا جرت عمليات اغتيال لسوريين في لبنان، واعتقلت السلطات اللبنانية متهمين سوريين، فما كان من ''الشيشكلي'' إلا أن اتصل بالرئيس اللبناني آنذاك ''كميل شمعون'' الذي كان في المقر الرئاسي الصيفي في قصر بيت الدين، طالباً إليه تخلية سبيل المعتقلين، وحين أبلغه ''شمعون'' بأن هناك أصولاً قانونية لهذه المسألة، بادره بالتهديد بقصف القصر الجمهوري بالطائرات·
قبل ذلك بقليل، وتحديداً في عام ،1951 أمر رئيس الوزراء السوري ''خالد العظم'' بفك الوحدة الاقتصادية بين لبنان وسوريا، وهو الذي كان يكره، شخصياً، نظيره اللبناني ''رياض الصلح'' الذي كان متزوجاً من سيدة سورية حاله حال رؤوساء وزراء آخرين مثل ''صائب سلام'' و''تقي الدين الصلح'' (الآن زوجة زعيم الأكثرية النائب ''سعد الحريري'' هي سورية)· ثم انفصل البلدان نقدياً· وبعدما كانت العملتان تصدران عن ''بنك سوريا ولبنان'' الذي أنشئ إبان الانتداب الفرنسي، استحدث كل من البلدين مصرفه المركزي الخاص الذي يصدر العملة· وكانت الليرة السورية تساوي ما بين 60 و65 قرشاً لبنانياً، قبل أن تنهار العملة اللبنانية بدءاً من عام 1984 ليساوي الدولار الأميركي 3000 ليرة بعدما كان يساوي ليرتين ونصف فقط· والآن، فيما الدولار يساوي نحو 1500 ليرة لبنانية فإنه يساوي نحو 50 ليرة سورية التي أصبحت أعلى بـ30 ضعفاً من العملة اللبنانية، وإن كان معروفاً أن مستوى الدخل الفردي اللبناني أعلى بكثير من مثيله السوري·
صحيح أن التوترات لم تتوقف بين التوأمين السياميين، لكن العلاقات لم تشهد قبلاً مثل هذا الحجم - إضافة إلى مثل هذه النوعية - من التوتر· حرب حقيقية لا تستخدم فيها المدافع، ثمّة ما هو أسوأ من القنابل، وهو الصدام السياسي والإعلامي الذي يبلغ مداه، وسواء كان هذا ناجماً عن إعصار (أو سيناريو) خارجي، أم كان ناجماً عن انهيار الثقة بين البلدين، فالكثيرون يعتبرون أن نموذج هونج كونج في لبنان أفضل بكثير للبلدين من نموذج هانوي، إذ آن الأوان للبنانيين أن يعيدوا بناء حياتهم بمنأى عن أي صراع، وسواء كان مبرمجاً، ولأغراض تكتيكية، أم ناتجاً عن حركة التاريخ في المنطقة·
ذات يوم، قال المفكر الفرنسي ''تيار دو شاردان: ''السعداء جداً يتعذبون جداً''· في لبنان، كل أسباب السعادة، أيضاً كل أسباب العذاب·
على كل حال، مؤشرات كثيرة على أن حرب المئة عام بدأت بين التوأمين السياميين، إلا إذا حدثت أعجوبة ما·

أورينت برس

اقرأ أيضا

لبنان يطلب تقديم عروض للاستشارة حول الخروج من الأزمة المالية