الثلاثاء 4 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

صحراء ليوا.. كيف ننتج من أفق فسيح مفهوماً؟

صحراء ليوا.. كيف ننتج من أفق فسيح مفهوماً؟
18 فبراير 2019 03:17

نوف الموسى (دبي)

اللحظة الأولى التي اكتشفت فيها «الفن المفاهيمي» عن قرب، كانت عبر أعمال الفنان الإماراتي حسن شريف، وهو أن ترى الفكرة، باعتبارها الآله المنتجة للحالة الفنية، رغم ما يريده الفنان وما تنتجه الفكرة نفسها، إلا أن المتعة الفعلية للجمهور في استشفاف جل التحولات في تشكل المادة نفسها.
بالمقابل، يصوغ المصور الفوتوغرافي ريتشارد ألنبي-برات، من المنظر الطبيعي مشهداً مفاهيمياً، لإثراء اللغة البصرية، كونها فضاء جدلي قابل للبحث والتداول الضمني للمتغير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ورغم الأبحاث المفصلية المتعددة، حول تلك الأطروحة، إلا أن السؤال الفعلي: كيف يمكننا أن ننتج من أفق فسيح مفتوح، مفهوماً نتوصل عبره نحو طريق يجعلك أكثر وعياً بالفضاء الطبيعي؟
واللافت في أحد أعمال ريتشارد ألنبي-برات، فوتوغرافيا ضمن مجموعة لصحراء ليوا في أبوظبي، هو المكون البصري، المتشكل من عنصرين واضحين، لتضاريس بيئية، السماء الزرقاء ورمال الصحراء، وبطبيعة الحال، لم يكتف ريتشارد ألنبي-برات، بالبحث عن تلك الأبعاد، ولكنه تناول جدلية «الأنثروبوسين» عبر الفوتوغرافيا، وهي حقبة مقترحة تعود إلى بداية التأثير البشري على جيولوجيا الأرض ونظم البيئة.
اهتمام ريتشارد، ومحاولة مناقشته لحركة النشاط البشري، وتأثيره على المناظر الطبيعية في دولة الإمارات، يوجه الضوء نحو ماهية إدراك المجتمع المحلي للبيئة في كونها امتداد عالمي، يتجاوز جغرافيا المكان، باتجاه تواصل حيوي، يؤثر على التحولات الطبيعية على الكرة الأرضية، فمثلاً إشكالية ذوبان الجليد في القطب الشمالي، لا تقل أهمية عن إهمالنا للقيمة الحيوية لـ «السَّبْخَة»، التي كشفت الفحوصات الدقيقة عن عوامل جيولوجية وفيزيائية وكيميائية ساهمت في خلقها، مقدمةً إمكانات غير مستغلة حاليًا في مجالات الصحة البشرية، وعلم البيئة، وإنتاج الطاقة وغيرها، وجميعها ملامح تفصيلية، لسؤالين مهمين: كيف نفكر في صحراء ليوا.. وماذا يعني النظر لـ «السَّبْخَةُ»؟!
بإمكاننا استشفاف الإجابة من خلال النظر إلى فوتوغرافيا ريتشارد ألنبي-برات، والمواجهة التامة مع الوضوح لصورة لا شيء فيها سوى سماء زرقاء فاتحة وصحراء صفراء، بشكل عملي، اعتاد (العقل) تجسيد نفسه عبر النشاط البشري، من مثل تصميم «العمارة»، ولكن كيف يمكن أن يفكر في صحراء لم يجسدها، بل هو جزء بسيط من تكوينها الوجودي؟!
قوة الفنون تكمن في جعل المتلقي يدرك الطبيعة بأبعاد تتجاوز المفاهيم المعتادة، في فوتوغرافيا ريتشارد، نرى أعمدة الكهرباء البعيدة، وكأنها ظلال من غبار، تُنير الأطياف بين سماء مكتسية بالأبيض والأزرق، وصحراء صفراء ندية، يمكنك أن تجلس أمام الصورة الفوتوغرافية، تتخيل نفسك «تتربع»، على مسارات الرمال، والتحدي في أن ترى نفسك في أفق لا يَعدك ببزوغ ما، هو غموض اللحظة، وكثافة الانسجام مع فراغ متنام، لا يمكن فيه الشعور بالخوف، بل فجأة يتراءى لك صوت أوبرالي لامرأة تغني لحناً يقترب من صفير الريح القادمة من هبوب الكثبان. الرمال لا تهديك طبيعتك التكوينية فقط، إنما ينمو الإنسان في الصحراء، أليس هذا ما اكتشفه باولو كويلو عبر سحرها، الذي توجته روايته الشهيرة «الخيميائي».

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©