أرشيف دنيا

الاتحاد

مفروشاتك ··· مطرزة بالسيرما والأحلام والذكريات


منذ مئات السنين كانت فنون التطريز اليدوية ولا تزال هي الأبلغ تعبيرا عن أوجه الجمال التي تحيط بالإنسان،
وهي القصص التي تتلاحق مشاهدها في ذاكرة النساء والفتيات وهن يغزلن خيوط الحياكة والتطريز،
كما أنها أثمن بما لا يقاس عما تقدمه الأدمغة الصناعية التي تطرز عن طريق مكائن الخياطة والتطريز،
وكلما مر الزمن تزداد قيمة هذه الأعمال والقطع الفنية التي تولد من بين الأصابع وبرأس الأبرة وذيول الخيوط الملونة·

موزة خميس:
تصوير- حسن الرئيسي:



شهد الربع قرن الأخير عناية خاصة بالفنون اليدوية بشكل عام، وتوجهت الأنظار بشكل خاص إلى الفنون اليدوية الآتية من الهند والباكستان وكشمير، تلك القطع / اللوحات التي تزيد من أناقة البيوت، بدءا من مفارش الأسرّة ووجوه المخدّات، ومرورا بالستائر وأغطية الطاولات ومفارشها، وصولا إلى ما يوضع تحت فنجان القهوة أو كوب الشاي، فضلاً عن عشرات الاستخدامات التي يمكن من خلالها استغلال جمالها في إضفاء المزيد من الرقي على الأثاث·

سيرة الخيوط

محمد عرفان، صاحب أحد المحلات في سوق الشارقة المركزي والخبير في هذه المطرزات التي يستوردها منذ أكثر من 30 عاماً، يكشف لنا بعض أسرارها ويحدثنا عن كيفية إنتاجها قائلا: كل بيت في الهند وباكستان وكشمير يحرص على أن تتعلم البنت تطريز السيرما وغيرها من فنون الخياطة والتطريز، ولكن البعض يقتنصون الفرصة ويحولونها إلى تجارة مربحة· وتعتمد القطع التي تزين المنازل على المناظر الطبيعية والزهور والطيور، وتستعمل في حياكة كل قطعة خيوط لامعة تحاكي الذهب والفضة، وتصنع هذه الخيوط من المعادن وقد تطورت خلال مئات السنوات فأصبح منها أنواع من الفضي وأنواع من الذهبي، والنحاسي والمؤكسد، والأزرق والأخضر والأحمر·

فن عابر للقارات

كانت الفتيات والأمهات يقضين أوقاتهن في صنع أثوابهن المزركشة والمطرزة، وكن يستفدن في الوقت نفسه من بيع القطع الثمينة إلى العائلات الموسرة التي لا تشتغل فيها الفتيات في تطريز القماش بغرض الكسب، وكن ينتجن لوحات وتابلوهات رائعة ومتقنة تصلح للتعليق على جدران القصور·
وبمرور الوقت انتشر هذا الفن وسافر عبر المحيطات حتى بات ينتج في البيوت العربية والأوروبية، وأصبحنا نرى هذه الفنون تزين القبعات و(الأباجورات)، ثم اتجهت الأسر التي تملك مصانع لهذا النوع من المفارش لتصنيع أغطية مختلفة التصاميم لكل شيء، حتى جهاز التلفزيون أصبح أنيقا بفضل مفارش تشترى خصيصا ليغطي بها، وكلها كما ترون مزخرفة بالنقوش الإسلامية أو الحيوانات او الطيور أو الزهور·
حين تجلس النساء للزخرفة فإن ذاكرتهن تصب المشاهد المخزنة فيها على القماش، ومن خلال تلك الجلسات يتعلمن الصبر والدقة وينقلن ذلك لبناتهن، فالقطعة تحتاج إلى وقت طويل لتصبح جاهزة وتأتي في أبدع صورة، ولا تزال المرأة رغم وجود أحدث التقنيات القادرة على التطــــريز في ثوانٍ هي الأكثر براعة، وعبر هذه الحرفة تنقل للعالم صــــــورا تعبر عن بيئتها التي تربت فيها، فضلاً عن تجميل منزلها وما يحيط بها·

ميراث الشعوب

هذه القطع إلى جانب قيمتها الفنية والجمالية، تمثل ميراث الشعوب ولذلك، يجري توارثها سواء بين المنتجين أو المستهلكين، حيث تعمد الكثير من الفتيات لشراء الكثير منها لتجهيز منازلهن لحياتهن الزوجية، وقد تجمع الأمهات هذه القطع لبناتهن على مراحل وخلال عدة سنوات ويقمن بإهدائها للبنت عند الزواج، وتعيش القطعة إن كانت متقنة في العمل وتمت المحافظة عليها ما بين مائة إلى مائتي عام، وتتباهى النساء بما يقتنين من هذه المشغولات· بل إن الكثير من الأسر في الهند وباكستان وكشمير كانت تحرص على اختيار العروس التي تجيد الخياطة والتطريز، لأنها ستوفر الكثير من الجهد والمال على الأسرة، وربما تنتج للتجارة أيضا·
حكايات الناس

ومن يتجول في المحلات التي تبيع هذه القطع في السوق المركزي بالشارقة، سيجد منها نماذج مطرزة على قماش الشيفون أو الأورجنزا أو الحرير أو الصوف، أو القطن، بعضها مطرز بالخيوط المعدنية الذهبية أو الفضية والآخر بالخرز اللؤلؤي بكافة ألوانه، أو بالأحجار الكريمة المصنوعة من البلاستيك حتى لا تصبح القطع ثقيلة وباهظة الثمن· بالإضافة إلى مفارش تمثل فن الباتيك التراثي القديم (فن الطباعة)، وتتميز بالرقة والرهافة·
مخدّات معروضة بمئات الألوان تحمل آلاف الأنماط من التطريز، ومفارش للطاولات الجانبية وطاولات الوسط وطاولات السفرة، جاكيتات وتنانير وبلوزات وقمصان من مختلف الأقمشة تجمعها تطاريز منوعة بسيطة أو ثرية في تفاصيلها، يقبل عليها المقيمون والسياح ليتزودوا بتذكارات أو هدايا او قطع تزين منازلهم، أو لإهدائها إلى عزيز غالٍ·
وأنت تتنقل بين متجــــــــــر وآخـــــــر، تبهرك تلك المفروشـــــــات، وتتمنى أن تقضي وقتا أطول للتدقـــــــيق في تلك القطع التي تمثل خلاصة عقـــــــــول أبدعت، وأنامل صاغت قصائد من الأمل والفرح وقصص المكان والزمان، لتحط رحالها في تلك المتاجر ولتتركنا في حيرة لا ندري أيها أحق بالاختيار·

اقرأ أيضا