الاتحاد

تقارير

الانتخابات الأميركية: كثير من استطلاع الرأي وقليل من الخبراء!

فـي برنامج "الملخـص اليومـي" لقنـاة MSNBC الإخبارية الذي أذيع يوم الأربعاء الماضي عرض "شك تود"، مقدم البرنامج، عدداً من التوقعات المتعلقة بعدد أصوات المجمع الانتخابي التي يتوقع أن يفوز بها كل مرشح من المرشحين الاثنين في الانتخابات الأميركية الرئاسية التي ستعقد يوم غد الثلاثاء السادس من نوفمبر الحالي.
وبمساعدة مونيتور تفاعلي ذكي طاف "تود" بعدد من الولايات التي تمثل ساحة المعركة الرئيسية، كي يشرح المسار الأكثر منطقية الذي يمكن أن يسلكه رومني للحصول على الـ270 صوتاً من أصوات المجمع الانتخابي التي يمكن أن تنقله إلى البيت الأبيض.
وفي وسط البرنامج قال "تود" محذراً، وبصوت مرهق: "عندما أقوم بذلك فيجب أن تعرفوا أنه ليس المقصود منه أن تقول القناة إلى أين وصل السباق الانتخابي في الوقت الراهن. فكل ما هنالك هو أنني أتناول عدة سيناريوهات، وأحاول تحليلها... يجب أن يكون هذا مفهوماً للجميع حتى لا يكون هناك رد فعل مبالغ فيه على تويتر".
وفي الحقيقة أن "تود" فيما قاله كان يظهر حالة من الحذر التقليدي -أو إذا ما شئنا استخدام المصطلحات الحديثة- حالة قابلة للعلاج من حالات الخوف من وسائل التواصل الاجتماعي، كان يحاول بسببها التخفي وراء عبارة "أنا مذيع فقط"، وهو ما يعبر في الحقيقة عن مدى فقدان التواصل بينه وبين جمهور مشاهديه.
والحقيقة أن حملة انتخابات 2012 أظهرت إلى أي حد انغمست وسائل الإعلام الخبرية في صنع الأخبار وليس في إبلاغ ما يرد إليها من أخبار للمشاهدين.
ليس هذا فحسب، بل أنه قد لوحظ أن تلك الوسائل لم تعد تكتفي بإجراء استطلاعات للرأي العام، كما اعتادت لسنوات طويلة في السابق، وإنما باتت تتجه نحو تبني ما يعرف بالنمذجة الحاسوبية، أي استخدام نماذج حاسوب من أجل خلق صورة متغيرة على الدوام للمشهد السياسي.
والحال هو أن هذا الاتجاه يبدو مرشحاً للتزايد في الوسط الإعلامي بشقيه التلفزيوني والصحفي. ففي الوقت الراهن تقوم "نيويورك تايمز" ومؤسستا "رييل كلير بوليتيكس"، و"ذي هافينجتون بوست"، بإدارة ماكينات تجميع استطلاعات رأي لبعض الولايات المتأرجحة، تبين من خلالها من هي الولاية التي يتقدم فيها هذا المرشح أو ذاك، وغير ذلك من معلومات تتعلق بالانتخابات الرئاسية الحالية.
وهناك مؤسسات أخرى تقوم بقياس التغطية السياسية، بدءاً من الشبكات الرئيسية مثل NBC، ومروراً بالقنوات العاملة بنظام الكابل، وصولاً إلى الصحف والجامعات التي تنظم استطلاعات الرأي الخاصة بها.والواقع أن اتهامات التحيز وعدم الدقة يمكن أن تلحق بمؤسسات استطلاعات الرأي، بنفس درجة السهولة التي يمكن أن تلحق وفقاً لها بالمخبرين الصحفيين الذين يتعرضون جميعاً لاتهامات بالتحيز من جانب هذا الطرف أو ذاك، كما يتعرضون للانغماس في ممارسات رديئة في سياق أدائهم الوظيفي في نقل الأخبار.
ومكمن الخطر في تلك المهن هو أنها جميعاً، وفي مرحلة معينة، تجد نفسها مضطرة لإعلان معلومات أو بيانات قد لا ترضي أحد الأطراف المعنية. وعندما تفعل ذلك فإنها تواجه على الفور بمجموعات من الناس على مواقع مثل تويتر لديها الاستعداد للقيام بردود أفعال مبالغ فيها على ما تتخيله تحيزاً من جانب تلك الوسائل الإعلامية ضد الطرف الذي تؤيده.
والشيء الذي يجب التأكيد عليه في هذا السياق هو أن مؤسسات استطلاع الرأي لا تعد أبداً بأن الأرقام التي تقدمها غاية في الدقة، وهو تحديداً السبب الذي يجعلها، عندما تعلن عن أرقام معينة، حريصة على إبراز أن تلك الأرقام تقترن بهامش خطأ مقداره كذا في المئة.
ويحذر "بول جيه لافركاس"، رئيس الجمعية الأميركية لأبحاث قياس الرأي العام، من أن استطلاعات الرأي "ليست علماً بحتاً، وإنما هي عرضة لعدد من التهديدات والمخاطر مثل عدم الدقة والتحيزات".
وعلى سبيل المثال ما زال يتعين على مؤسسات استطلاع الرأي التعامل مع مشكلة تفسير الزيادة المطردة في أعداد المواطنين الذين يتم أخذ آرائهم عن طريق الهواتف الخليوية، وهي طريقة تؤدي إلى زيادة احتمالات عدم دقة الاستطلاعات التي يتم إجراؤها، خصوصاً عند مقارنتها باستطلاع آراء المواطنين الذين يمتلكون خطوط هاتف أرضية. ومن الانتقادات الدائمة التي توجه إلى مؤسسات استطلاعات الرأي كذلك أنها لا تكون عادة على علم بكافة الحقائق أو الاحتمالات، خصوصاً عندما تكون السباقات الانتخابية، مثل السباق الانتخابي الحالي، محتدمة ويكون الفارق بين المرشحين ضئيلاً.
ويوضح جون ماك إنتاير، مؤسس "رييل كلير بوليتيكس"، هذه النقطة بقوله: "الديناميكية اللافتة للاهتمام في السباق الرئاسي الحالي هي أن عدد الولايات المتأرجحة قد زاد خلال الأسابيع الأخيرة.
وهكذا فإننا كمؤسسة استطلاع رأي لا نعرف على وجه الدقة ما الذي يمكن أن يحدث، ولا ينطبق هذا علينا نحن فقط، وإنما ينطبق على الجميع تقريباً؛ إذ يبدو أن لا أحد الآن لديه القدرة على التنبؤ بما يمكن أن يحدث".
إن الإنتاج شبه اليومي من نتائج استطلاعات الرأي يغذي شبكة الإنترنت وما تحفل به من مواقع غير معروفة بالحرص على بذر بذور المعرفة العميقة بوطننا.
فاستطلاعات الرأي التي تتم على مستوى كل ولاية على حدة أو التي تتم على مستوى الولايات المتحدة الأميركية بأسرها، وكذلك المسوحات من كل نوع وصنف... تنهمر علينا من دون توقف معظم أوقات اليوم، وهو ما يوفر لبعض المؤسسات مراجعة وفحص نتائج استطلاعات الرأي، مثل "لينكفيل" على سبيل المثال، الفرصةَ للقيام بعدد لا ينتهي من المراجعات والتصليحات والإضافات والزيادات، ومعظمها يستحق التعليق المستفيض من قبل المترددين على شبكة الإنترنت.
وعلى الرغم من كل ذلك، ومهما كانت مساؤها، فإن عالم الميديا الذي يتم في الوقت الراهن ارتياده من قبل المزيد من الخبراء مثل خبير الإحصاء البارز "نيت سيلفر" وغيره من الخبراء، يَعد بمستقبل أكثر إشراقاً من المستقبل الذي اقتنع به الأميركيون وارتضوا به، ألا وهو المستقبل الذي يسيطر عليه الخبراء.
فعلى الرغم من أن "سيلفر" من خبراء الإحصاء الانتخابي البارزين وله موقع تدوين شهير اسمه "بلوج نيت سيلفر فايف ثيرتي إيت للإحصاء السياسي "، والذي تنشر نتائجه في كبريات الصحف والمجلات الأميركية مثل الـ"نيويورك تايمز"، إلا أنه يقول.
وفيما يعد دليلاً على أنه هو نفسه يفضل استطلاعات الرأي المتخصصة، "أنا متساهل جداً في التعامل مع نماذج التنبؤ التي أقوم بإعدادها. فإذا وجدت مثلاً أن أحد النماذج لا يعمل ولا يحقق الهدف منه فإنني أحاول تعديله... وإذا وجدت أنه لا يحقق الغرض منه بعد ذلك فإنني أحاول تعديله مرة أخرى... مع استمراري في نفس الوقت في الاهتمام بالتحليلات السياسة القائمة على حقائق الواقع وإعطائها الأولوية على النماذج التي أقوم بإعدادها".

إيريك ويمبل
كاتب ومحلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا