صحيفة الاتحاد

تقارير

الاتحاد الأوروبي ومطالب كاميرون

وضع رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، الذي يمكن القول إنه زعيم أكثر الدول المتشككة في الاتحادات السياسية بين الدول الأوروبية، قائمة بعدد من الإصلاحات المقترحة للاتحاد الأوروبي. وفي خطاب له في لندن، وفيما بعد في خطاب موجه لرئيس المجلس الأوروبي «دونالد تاسك»، دافع كاميرون عن أسباب احتياج الاتحاد الأوروبي لبريطانيا، وأيضاً لماذا تحتاج بريطانيا للاتحاد الأوروبي. وقال إن «قائمة طلباته» ليست فقط من أجل مصلحة بريطانيا، ولكن من أجل تحسين الاتحاد بأكمله.
ولطالما طالب قادة الاتحاد الأوروبي بإصلاحات، خاصة من جانب الحريصين على نجاح المفاوضات قبل أن تجري المملكة المتحدة استفتاء حول البقاء في الاتحاد. بيد أن الأسلوب، وليس التفاصيل، هو الذي ربما يغير مسار النقاش، بحسب رأي «تشارلز لينشفيلد»، المحلل الأوروبي لدى مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارات حول المخاطر السياسية ومقرها لندن. وقال «لينشفيلد»: «أعتقد أن استخدام هذه اللغة البناءة حول الاتحاد الأوروبي يساعده على بناء جسور. فهو ليس الوحيد الذي يعتقد أن لوائح الاتحاد الأوروبي غير فعالة».
ويتوقع المحللون مفاوضات طويلة وشاقة في الأسابيع المقبلة. ويعتبر كاميرون من المؤيدين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. بيد أنه ينبغي أن يكون قادراً على انتزاع تنازلات من الدول الأخرى، وتهدئة موجة المتشددين القوية في بريطانيا، دون إثارة مقاومة أو خروج عرضي من الكتلة.
ويقدم كاميرون نفسه باعتباره صوت النقد البناء في الاتحاد الأوروبي، الذي يقول إنه ينبغي إصلاحه كي «يعمل بمرونة شبكة» وليس «بجمود كتلة».
ولكن هنالك كثيرين لا يشاركونه الرأي. فقد جاء العنوان الرئيسي في صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية اليسارية مندداً بما يعتبره «ابتزاز كاميرون». ولم تمر ساعة من اختتام حديثه في مركز أبحاث «تشاثام هاوس» في وسط لندن حتى وصف الاتحاد الأوروبي بعض هذه الإجراءات والتدابير المقترحة بأنها «تمثل إشكالية كبيرة» وحتى «غير قانونية». كما رفضها متشككون آخرون وقالوا إنه لم يطالب بأكثر من الوضع الراهن.
وفي الواقع، فقد حمل مضمون خطاب كاميرون بعض المفاجآت. ففي حين أن التغييرات التي طالب بها هي التي يصر على أنها تكتسي أهمية قصوى بالنسبة للبريطانيين، إلا أنها أيضاً تمثل التنازلات القصوى التي يمكن الحصول عليها ـ وإن لم يكن بسهولة ـ من شركائه الأوروبيين.
وقد دعا كاميرون إلى مزيد من الحماية لأعضاء الاتحاد الأوروبي خارج منطقة «اليورو»، ومزيد من المنافسة وقليل من البيروقراطية، والمزيد من السيادة للبرلمانات الوطنية بدلاً من تنفذ بيروقراطية الاتحاد في بروكسل، واستثناء بريطانيا من الالتزام بـ«اتحاد أوثق». ودعا أيضاً إلى فرض قيود على المهاجرين من سائر دول الاتحاد الأوروبي القادمين إلى بريطانيا للزيارة أو العمل أو بحثاً عن الرفاهية.
وفي المجمل، يقول إن هذه المطالب معقولة. بيد أنها لا تخلو من إثارة للجدل. وقد أنشأ مركز أبحاث أوروبا المفتوحة مؤخراً خريطة توضح كيف سيكون رد فعل كل عضو من أعضاء الاتحاد الأوروبي على كل واحد من أهداف كاميرون.
وإلى حد بعيد، كان الاقتراح الأكثر إثارة للجدل هو ذلك الذي وصف بأنه «غير قانوني» ويتمثل في خطته لمنع مواطني الاتحاد الأوروبي الذين ينتقلون إلى بريطانيا من الحصول على إعانات يتم دفعها للأشخاص العاملين في السنوات الأربع الأولى.
ويقول العديد من الأعضاء إن هذا يتعارض من المبدأ الأساسي للاتحاد الأوروبي، وهو حرية حركة السلع والخدمات والأشخاص. والأعضاء الأكثر معارضة هم الدول التي يذهب مواطنوها إلى المملكة المتحدة بحثاً عن الوظائف، ولاسيما بولندا ودول أوروبا الشرقية الأخرى.
ويرى مركز أبحاث أوروبا المفتوحة أن مسألة الضمانات للبلدان خارج منطقة «اليورو» هي ثاني أكبر مشكلة في أوروبا. وفي حين أن أكبر اقتصادات منطقة «اليورو»، مثل ألمانيا وفرنسا، تتفق مع كاميرون من حيث المبدأ، إلا أنها قد تعارض أي مطلب بريطاني آخر يحول دون تحقيق هدفها المتمثل في تحقيق مزيد من التكامل بين أعضاء منطقة «اليورو».
أما الإعفاء من تشكيل «اتحاد أوثق» فيجب أن يكون سهلًا، حيث إن الفكرة ذاتها تعتبر قديمة إلى حد بعيد.
ومن جانبه، ذكر رئيس وزراء الدنمارك في تغريدة له أن لدى كاميرون «أساساً جيداً لمفاوضات ملموسة. سيكون ذلك صعباً. أتمنى أن ننجح لأننا بحاجة إلى وجود بريطانيا قوية في الاتحاد الأوروبي».
وقد أكد كاميرون أيضاً على هذه النقطة في كثير من الأحيان في خطابه. فقد ذكَّر الحضور بأنه عندما أعلن أول مرة عن إمكانية إجراء استفتاء قبل ثلاث سنوات، كان الاتحاد الأوروبي يواجه متاعب. ومنذ ذلك الحين، كما يقول، نمت هذه المشاكل، بدءاً من أزمة الهجرة إلى تهديد التطرف الإسلامي.

سارة ميلر لانا*
كاتبة ومحللة سياسية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»