الاتحاد

دنيا

تكثيف أجهزة الرصد لنسب الملوثات يحد من الكوارث الوبائية

سكان المدن الكبرى أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الناجمة عن التلوث (أرشيفية)

سكان المدن الكبرى أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الناجمة عن التلوث (أرشيفية)

في كل عام تعلن منظمة الصحة العالمية سنويا عن موت ملايين من الأشخاص، بسبب تلوث الهواء، من بينهم 1.5 مليون شخص يموتون من الأمراض الناتجة عن تلوث الهواء في الأماكن المغلقة، كما توضح الدراسات الوبائية أن أكثر من نصف مليون أميركي، يموتون كل عام بسبب الإصابة بالأمراض القلبية الرئوية، والتي يسببها استنشاق الجسيمات الناعمة الملوثة للهواء، وتعد أسوأ كارثة تلوث هي التي حدثت في الهند على المدى القصير في المجتمع المدني وكانت كارثة بوبال عام 1984.

موزة خميس (دبي) - أدت الأبخرة الصناعية المتسربة من مصنع يونيون كاربايد، التابع لشركة يونيون كاربايد الأميركية، إلى مقتل ما يزيد على عشرين ألف شخص في الحال وإصابة ما يقرب من 600 ألف شخص آخرين في أماكن متفرقة بأجسامهم، وقد توفي منهم ما يقرب من ستة آلاف شخص تأثرا بإصاباتهم، كما يعتقد أن حادثة تسرب حراثيم الجمرة الخبيثة من أحد معامل الحرب البيولوجية، في الاتحاد السوفييتي السابق عام 1979، بالقرب من منطقة سفيردولفسك الروسية، كارثة بكل المقاييس، فقد أدت إلى وفاة المئات من الأشخاص المدنيين، أما حادثة تلوث الهواء الوحيدة والتي كانت الأسوأ على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، فقد وقعت في دونورا بولاية بنسلفانيا أواخر أكتوبر عام 1948.
مخاطر التلوث
ويقول الخبير البيئي الدكتور إسماعيل الحوسني، الذي يحمل دكتوراه في إدارة حماية البيئة، بإدارة تقييم الأثر البيئي للمنشآت الساحلية، حول هذا الأمر المهم: إن الآثار الصحية الناجمة عن ملوثات الهواء يمكن أن تتنوع ما بين التغيرات البيوكيمائية والجسدية الطفيفة، إلى الإصابة بصعوبة في التنفس أو أزيز الصدر أو الكحة أو الحالات المرضية الخطيرة، التي تصيب الجهاز التنفسي والقلب، وقد يترتب على الإصابة بهذه الأمراض زيادة استخدام الأدوية الطبية، وزيادة عدد الحالات التي تعرض على الأطباء، أو التي تستقبلها غرفة الطوارئ أو التي تدخل إلى المستشفيات، بالإضافة إلى زيادة عدد الوفيات في سن مبكرة. كما أن الآثار التي يحدثها سوء نوعية الهواء على صحة الإنسان لا يزال من الصعب إحصاؤها، ولكن تلوث الهواء يؤثر بشكل أساسي على الجهاز التنفسي والجهاز الدوري، ويعتمد رد فعل الفرد بالنسبة لملوثات الهواء على نوع الملوث الذي يتعرض له الشخص، ودرجة التعرض والحالة الصحية العامة لهذا الفرد، بالإضافة إلى الجينات المكونة لجسمه، وهذا ما أوضحته إحدى الدراسات الاقتصادية الجديدة، التي أجريت حول الآثار الصحية الناتجة عن تلوث الهواء والتكاليف المرتبطة بذلك، في حوض لوس أنجلوس ووادي سان جاكوين في شمال كاليفورنيا.
أسباب الجلطات
ويكمل الحوسني قائلاً: جاء في نتائج الدراسة في حوض لوس أنجلوس، أن ما يزيد على 3,800 شخص يموتون سنويا في سن مبكرة، وذلك بما يقرب من 14 عاما أقل عن معدل العمر الطبيعي لهم، ويرجع ذلك إلى أن مستويات التلوث قد تجاوزت بشدة المعايير المسموح بها، وأن العدد السنوي للوفيات التي تحدث في سن مبكرة، يعتبر أعلى بكثير من الوفيات التي تحدث نتيجة حوادث تصادم السيارات في المنطقة نفسها، والتي يقل معدلها عن 2000 شخص كل عام، ويعد عادم الديزل أحد العوامل الرئيسية التي تساعد في تلوث الهواء، بتلك الجسيمات المادية الناتجة عن الاحتراق، وفي العديد من الدراسات التجريبية التي أجريت على مجموعة من الأشخاص، فإنه عن طريق التعرض لكمية مسموح بها من عادم الديزل داخل حجرة مخصصة لذلك، كان لذلك النوع من العادم دور في الإصابة بالخلل الوظيفي الحاد في الأوعية الدموية وزيادة تكون الجلطات.
أمراض الأوعية الدموية
ويضيف الحوسني قائلا: قد يكون ذلك رابطا ميكانيكيا مقبولا للعلاقة التي تم وصفها سابقا بين تلوث الهواء بالجسيمات المادية، وانتشار الإصابة بأمراض الأوعية الدموية والوفيات الناتجة عن ذلك، كما تبين أن هناك علاقة بين تلوث الهواء والتليف الكيسي، حيث أوضحت إحدى الدراسات التي أجرتها جامعة واشنطن على مدى عامي 1999 و2000، أن المرضى القريبين من تلوث الهواء بالجسيمات المادية تزداد خطورة تعرضهم للإصابة بمرض الالتهاب الرئوي، وانخفاض الوظائف التي تقوم بها الرئة ولقد تم فحص المرضى قبل الدراسة لمعاينة كميات من أنواع معينة من المواد الملوثة مثل بكتيريا الزائفة الزنجارية، وآثارها الاجتماعية والاقتصادية.
موضحاً أنه تم وضع المشاركين في الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، بالقرب من وكالة حماية البيئة وأثناء هذه الدراسة، تم رصد 117 حالة وفاة مرتبطة بتلوث الهواء، أما الاتجاه العام الذي تمت ملاحظته فهو أن المرضى الذين يعيشون بالقرب من أو داخل المدن الكبيرة والعواصم، من أجل أن تكون الخدمات الطبية في متناولهم، وجد أن نسبة الملوثات ترتفع في جهازهم التنفسي، بسبب زيادة الملوثات المنبعثة في المدن الكبرى، أما مرضى التليف الكيسي الذين هم في الأساس مصابون بانخفاض في وظائف الرئة، فإن تعرضهم اليومي للملوثات مثل دخان السيارات ودخان السجائر والاستخدام الخاطئ لأجهزة التسخين المختلفة، من الممكن أن يضيف بشدة عبئا إلى الخلل الذي يصيب وظائف الرئة.
حادثة الضباب الدخاني
ويوضح الحوسني: أيضا يجمع مرض انسداد الشعب الهوائية المزمن بين مجموعة من الأمراض، مثل الالتهاب الشعبي المزمن وانتفاخ الرئة وبعض أنواع الربو، وفي الدراسة التي أجريت في 1960 و1961 في أعقاب حادثة الضباب الدخاني بإنجلترا، تأثر المئات من مواطني لندن وبعض المدن القريبة، مثل مدن جلوسيستر، بيتربوروو ونورويش، وعند المقارنة بالأشخاص القادمين من المدن البعيدة، لوحظ أن الحالات القادمة من لندن بها نسبة أكبر من الأعراض الحادة التي تصيب الجهاز التنفسي، ومنها الكحة والبلغم وضيق التنفس بالإضافة إلى انخفاض كفاءة وظائف الرئة، من حيث الحجم الزفيري الأقصى ومعدل قوة التنفس وزيادة تكون الصديد، ولقد كانت الاختلافات أكثر وضوحا بين الحالات التي كانت أعمارها تتراوح ما بين 50 و59 عاما.
ويؤكد الحوسني قائلاً: حددت الدراسة نطاقها في العمر وعادات التدخين، ومن ثم خلصت إلى أن تلوث الهواء على المستوى المحلي، هو السبب الأساسي للاختلافات التي تمت ملاحظتها، ومن المعتقد أن الكثير من الأمراض مثل التليف الكيسي تظهر بشكل أكبر عند العيش في البيئات التي يغلب عليها طابع المدن بشكل أكبر، وذلك لما يحتويه من مخاطر شديدة على صحة الإنسان، فلقد أظهرت الدراسات أن المرضى الذين يعيشون في المدن يعانون من الإفرازات الزائدة من المخاط، وانخفاض الكفاءة الوظيفية للرئة، بالإضافة إلى المزيد من التشخيصات الخاصة بالالتهاب الرئوي المزمن وانتفاخ الرئة.

التلوث والأطفال
ويوضح الحوسني: أما بالنسبة للآثار الناجمة عن التلوث على الأطفال، فإن في العديد من المدن الموجودة في مختلف أنحاء العالم، والتي ترتفع فيها نسبة التعرض لملوثات الهواء، من الممكن أن يصاب الأطفال الذين يعيشون فيها ببعض الأمراض مثل الربو والالتهاب الرئوي، وبعض أمراض الجهاز التنفسي الأخرى، بالإضافة إلى انخفاض معدل المواليد، ولقد تم أخذ بعض التدابير الوقائية للحفاظ على صحة الشباب في بعض المدن مثل نيودلهي بالهند، حيث أصبحت السيارات تستخدم الغاز الطبيعي المضغوط، الذي يساعد على التخلص من الضباب الدخاني الكثيف.
ويشير الحوسني إلى أن أبحاث منظمة الصحة العالمية أكدت أن أكبر نسب تلوث بالجسيمات المادية، تكون في الدول التي تعاني من تدهور الاقتصاد وارتفاع معدل الفقر والكثافة السكانية، ومن أمثلة هذه الدول مصر والسودان ومنغوليا وإندونيسيا، وعلى الرغم من أن قانون الهواء النظيف صدر عام 1970، إلا أن المواد الملوثة قد وجد أنها ضمت
الأوزون والجسيمات المادية وثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون والرصاص، وعادة ما يكون الأطفال أكثر عرضة لمخاطر تلوث الهواء، نتيجة لأنهم دائما ما يكونون خارج المنزل، كما أن منافذ التهوية بالنسبة لهم قد تكون أصغر حجما.

أجهزة رصد الملوثات
يقول الخبير البيئي الدكتور إسماعيل الحوسني، إنه بالنسبة للآثار الصحية في المناطق النظيفة نسبيا، يمكن أيضا ان يتم اكتشاف آثار تؤثر على الصحة، ربما تكون خطيرة، ويرجع ذلك إلى أن هذه الآثار يمكن أن تحدث على مستويات منخفضة للغاية، ومن المحتمل أن يستنشق عدد كبير من الأشخاص مثل هذه الملوثات، ولذا لابد من تكثيف أجهزة رصد نسب الملوثات في الهواء، وتبني حلول تساهم في عدم إصابة الإنسان بتلك الآثار التي في حال استمرارها ستكون نتائجها مبالغ طائلة تتكبدها الدول سوف تنفق على العلاج.

اقرأ أيضا