صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مفكك الانغلاقات التراثية

محمد اركون

محمد اركون

بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل المفكر الجزائري الكبير أحببت أن أكتب هذه الكلمات. ومعلوم أنه توفي في باريس بتاريخ 13 سبتمبر من عام 2010. ينبغي العلم بأن محمد أركون أمضى جل وقته في تجديد الفكر الإسلامي بغية مصالحته مع الحداثة العلمية والسياسية وبالأخص الدينية. نعم هناك حداثة دينية. الحداثة ليست كلها الحادية! ومحمد أركون كان مؤمناً بالمعنى الإسلامي العميق والكوني للكلمة. أقصد بالمعنى الذي يوفق بين الدين والفلسفة أو الإيمان والعلم. على أي حال كان هذا التوفيق شغله الشاغل على مدار خمسين عاماً من حياته الفكرية والتعليمية. كان يشعر بالألم عندما يرى مدى التطور الحاصل في جهة المسيحية الأوروبية والتأخر المريع السائد في جهة العالم الإسلامي. هم يتحدثون عن لاهوت الحداثة وما بعد الحداثة، لاهوت التحرير وما بعد التحرير، ونحن نتخبط في لاهوت التكفير والتقتيل، لاهوت القرون الوسطى المظلمات. وهو اللاهوت (أو الفقه) الذي أوقعنا في صدام مروع مع العالم بأسره بعد غزوات نيويورك ومدريد ولندن وشرم الشيخ الخ... والآن جاءت الطامة الكبرى داعش فأدخلتنا في صدام مروع وغير مسبوق مع البشرية بأسرها. كما وشوهت ديننا وتراثنا في شتى أنحاء العالم بشكل غير مسبوق أيضاً. ولا أحد يعرف ما هو الثمن الباهظ الذي سندفعه مقابل كل ذلك.
حظ أركونأكاد أقول لحسن حظ أركون أنه رحل قبل أن يشهد ذبح الصحفيين الأميركان بالسكين من الوريد الى الوريد. ومعلوم أن قدر الإسلام ومصيره كان يعنيه وكأنه مشكلته الشخصية. وكان يحب هذا الدين حباً جماً ويعتز بتراثه الطويل العريض. كان ينصهر فيه انصهاراً ويشعر بمتعة كبيرة. ولكن كان يحز في نفسه أن هذا التراث الضخم مهمل، مهجور، وبالأخص متروك للتقليديين يجترون حوله نفس الكلام المكرور منذ مئات السنين. كان يحز في نفسه أن يرى المسيحية الأوروبية تحظى بتطبيق أفضل المناهج العلمية عليها وأحدث المصطلحات في حين أن تراث الإسلام العظيم محروم من ذلك تماماً. ولهذا السبب شمر عن ساعديه وفعل كل ما يستطيع لسد النقص. أحيل هنا على سبيل المثال لا الحصر الى دراسته المطولة عن «الحج في الفكر الإسلامي» وكيف انتقلنا من الحج الوثني الى الحج الإسلامي. رائعة فكرية ـ أدبية، أركيولوجيا تراثية! لم يغص أحد على أعماق التراث الإسلامي مثلما فعل محمد أركون. لم يدرسه أحد مثلما درسه هو وتفانى في خدمته على مدار نصف قرن تقريباً.
ومعلوم أنه لا يمكن التحرر من العقائد الدوغمائية الموروثة والملقنة تلقيناً منذ الصغر إلا بعد الكشف عن أصولها الدفينة في أعماق الماضي السحيق. وهذا ما يدعوه نيتشه بالجنيالوجيا وفوكو بالأركيولوجيا: أي الحفر على أعماق العقائد التراثية لإضاءتها من الداخل والكشف عن تاريخيتها. اذا ما استطعنا الكشف عن تاريخيتها فانها تفقد طابعها الإطلاقي المتعالي المعصوم ويصبح ممكناً تبيان ظرفيتها ونسبيتها وتالياً التحرر منها. أما قبل ذلك فلا. هذا هو الدرس الأساسي الذي خلفه لنا محمد أركون. كان يريد لهذه العقائد الدوغمائية المتحجرة أن تفقد بداهتها وطابعها الأزلي اللاتاريخي لكي تبدو على حقيقتها. بدون ذلك يستحيل التحرر منها. من هنا أهمية المنهجية الجنيالوجية ـ الأركيولوجية: أي منهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق. كل أبحاث أركون تهدف الى أرخنة التراث الإسلامي الذي فقد طابعه التاريخي منذ الدخول في عصر الانحطاط. انظروا كيف يدرسونه بشكل ظلامي مطبق في بعض كليات الشريعة... لكن سمعت أنهم في الزيتونة ابتدأوا يدخلون المناهج الحديثة الى أقسام العلوم الدينية. وبإدخالها يدخل بصيص من النور..
على أي حال فإن أركون كان متأكداً أن تحرر المسلمين من الظلاميات التراثية لا يمكن أن يحصل الا بعد أرخنة النصوص وكتب الفقه وسير الرجال العظام في الإسلام. بمعنى آخر فإنه كان يمشي عكس التيار التعليمي التقليدي السائد في كل أنحاء العالم الإسلامي منذ قرون. كان يقول بأن الإسلام لا يمكن أن يتصالح مع الحداثة - ولا يستطيع أصلا ـ الا بعد أن يعزل نفسه من نفسه: أي من انغلاقاته المتراكمة المتكدسة فوق بعضها البعض على مدار العصور. وهذه المهمة العظمى المطروحة على مستقبل أمة الإسلام كلها لا يمكن أن ينجزها التقليديون المسجونون في قفص التاريخ وغياهب الماضي.على العكس فإنهم يؤبدون النظرة التراثية الانغلاقية القديمة التي عفى عليها الزمن. ولكنها لا تزال رازحة بسبب العطالة الذاتية والتكرار والاجترار. ثم بسبب تعلق الجماهير الشعبية شبه الأمية بها. بل وحتى قسم كبير من المثقفين لا يزالون سجناء النظرة التقليدية التراثية دون أن يدروا أو حتى وهم يدرون. وهذا يعني أنه من أصعب الصعب التخلص من النظرة التراثية الماضوية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا وأكاد أقول رضعناها مع حليب أمهاتنا. ولا يمكن أن تحل النظرة العقلانية للتراث محل النظرة التراثية للتراث الا بعد أن تكثر في اللغة العربية أبحاث أرخنة الإسلام. ولكن هذه الأبحاث الرائدة لا تزال حكراً على اللغات الاستشراقية الكبرى كالإنجليزية والفرنسية والألمانية على وجه الخصوص. ينبغي الاعتراف بأن المستشرقين الكبار بالمعنى الأكاديمي للكلمة هم أول من أرخنوا التراث الإسلامي وليس العرب ولا المسلمون أنفسهم. هذا الكلام يزعج بالطبع الكثيرين وبخاصة المثقفين المؤدلجين الذين يشطبون على الاستشراق بجرة قلم. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة الأدلجة العمياء للثقافة العربية. على أي حال فإن مصالحة الإسلام مع الحداثة ينبغي أن تسبقها عملية أرخنة ضخمة لها أول وليس لها آخر.. ألح على هذا المصطلح الجديد، مصطلح الأرخنة، ولا أشبع من الإلحاح!
مثال كاثوليكيكان أركون يقول لنا ما معناه: انظروا كيف تصالحت المسيحية، وبالأخص مذهبها الأغلبي الكاثوليكي البابوي، مع الحداثة بعد صراع طويل. معظم بابوات روما ابان القرن التاسع عشر كانوا من ألد أعداء الحداثة تماماً مثل قادة الإخوان المسلمين اليوم. كلهم كانوا يكفرونها ويعتبرونها رجساً من عمل الشيطان. وأقصد بالحداثة هنا منجزاتها الراسخة التي أصبحت ملكاً للعالم أجمع: أي حرية الضمير والمعتقد، ثم احترام كرامة الإنسان أي إنسان كان بغض النظر عن أصله وفصله، أو دينه وعرقه ومذهبه. الجميع متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. الجميع مواطنون من الدرجة الأولى. ولكن بعض المثقفين المحافظين ذوي الميول الإخوانية يرفضون هذا التطور الناتج عن فلسفة الأنوار التي تزعجهم الى أقصى الحدود. لماذا؟ لأنها تساويهم بالآخرين أو بالأحرى تساوي الآخرين بهم. وهذا شيء لا يحتمل ولا يطاق. من هم هؤلاء حتى يفتحوا فمهم مجرد فتح! ما هذه الحداثة السخيفة التي تساوي ابن الست مع ابن الجارية، أو المؤمنين الحقيقيين مع الكفار الزنادقة؟ والعياذ بالله! الى أين وصلنا؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟ وربما أضافوا: هذا التنوير المشبوه قد يكون ضرورياً للعقائد الدينية الأخرى ولكن ليس لعقيدتنا نحن حيث لا نشكو من أي شيء. انظروا كم هو النور المنتشر في كل مكان من الشارع الى الفضائيات، ومن المدارس الى الكليات! وحدها جامعات أوروبا لا تزال ظلامية متخلفة تعلم الدين بطريقة متحنطة، بالية، عفى عليها الزمن. أتهكم وأعكس الأمور عن قصد. ماذا تستطيع أن تقول لهؤلاء الأخوة الكرام؟ لا شيء. تنتظر الفرج من ضمير الغيب. تنتظر أن تحصل ثورة كوبرنيكية في تاريخ الاسلام. وهي قادمة لا ريب فيها. ولأجلها كرس محمد أركون حياته كلها.
أخيراً سوف أقول ما يلي: كل فكر محمد أركون يختصر بمصطلح واحد: «تفكيك السياجات الدوغمائية المتحجرة أو المتكلسة والمتحنطة»: أي تفكيك الانغلاقات التراثية. وهذا هو معنى مشروعه الشهير: «نقد العقل الإسلامي» بالمعنى الفلسفي العميق لكلمة «نقد» وليس بمعنى التجريح أو الازدراء والتبخيس لتراث الإسلام العظيم. ولكن لتفسير هذا المصطلح التفكيكي ـ التحريري أو لتنفيذه عملياً تلزم عدة كتب! كل حياته أمضاها في فتح النوافذ والجدران التراثية لكي يخرج الهواء الفاسد من الغرفة ونستنشق الهواء الطلق في الخارج. أكاد أسمعه وهو يتلفظ بهذه الكلمات حرفياً في درسه الأسبوعي الشهير في السوربون. كم كرر هذا الكلام على مسامعنا مقرعاً ومؤنباً ومحرضاً على الخروج من الانغلاقات الدينية التي تربينا عليها في طفولتنا الأولى. كل حياته أمضاها في تفكيك الانغلاقات التراثية الراسخة: أي الانغلاقات الطائفية والمذهبية التي توشك أن تدمرنا اليوم وتدخلنا في حروب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر.. لذلك كان دائماً يتبع منهجية المقارنة في معظم بحوثه ودراساته: أي مقارنة تراثنا بتراثات الآخرين الذين سبقونا فتحرروا وتقدموا وتصالحوا مع أنفسهم. كان يتساءل مثلا: كيف استطاعت المسيحية الكاثوليكية أن تخرج من انغلاقها اللاهوتي التكفيري الذي لازمها حوالي الألفي سنة؟ كيف قطعت مع أعظم ثوابتها اللاهوتية العقائدية وأقدسها؟ هذا هو السؤال الذي كان يطرحه محمد أركون على طريقة: اياك أعني واسمعي يا جارة.

هامش ص 8
بابوات التكفير
كان بابوات روما يكرهون فلسفة الأنوار كره النجوس. وقد أصدروا فتوى بتكفيرها وتكفير الحداثة جملة وتفصيلا. هم أيضاً كانوا متشبثين بالمفهوم التكفيري القديم للدين. وكانت عقيدتهم تردد على مدار القرون: «خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة لا مرضاة عند الله ولا نجاة في الدار الآخرة». بمعنى أن كل الناس كفار ما عدا الكاثوليكيين! حتى الإنسان الطيب المستقيم السلوك كافر مهما حاول أو فعل. لماذا؟ لأنه لم يحظ بالولادة في بيئة كاثوليكية. لقد ولد في المكان الخطأ!