صحيفة الاتحاد

ألوان

أعداء الله.. بخلوا وأخفوها كتمان نبوة محمد كفر بالنعمة والشرع

أحمد محمد (القاهرة)

كان جماعة من اليهود يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينصحونهم ويقولون لهم، لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، وكتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبينوها للناس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، فأنزل الله تعالى «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قريناً وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليماً»، «النساء الآية 37».
وقيل نزلت في المنافقين، وإنفاقهم هو ما كانوا يعطون من زكاة، وينفقون في السفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رياء ودفعا عن أنفسهم، لا إيمانا بالله، ولا حبا في دينه، والبخل في كلام العرب، منع السائل من فضل ما لديه، وفي الشرع منع الواجب.

المال والغنى
وقال شهاب الدين الألوسي، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، من المال والغنى، أو من نعوته، صلى الله عليه وسلم، و«أعتدنا للكافرين عذابا مهينا»، إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعم الله تعالى، ومن كان كافرا لنعمه فله عذاب يهينه، كما أهان النعم بالبخل والإخفاء.
وقال ابن عباس، كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون لهم، لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدركون ما يكون. وقال قتادة نزلت في الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب، بخلوا بحق الله تعالى عليهم، وكتموا الإسلام ومحمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، والبخل على هذه الرواية ظاهر في البخل بالمال، وبه صرح ابن جبير في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أنه البخل بالعلم، وأمرهم الناس من أتباعهم.
وقال ابن عطية الأندلسي: الذين يبخلون بأموالهم ويأمرون إخوانهم بالبخل بالأموال، فلا تنفق في شيء من وجوه الإحسان، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، من الرزق والمال، وأحسنوا أيها المؤمنون، فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان، وأما الكافرون فإنه أعد لهم عذاباً مهيناً.

كتمان الفضل
وروي أنها نزلت في أحبار اليهود بالمدينة، فإنهم بخلوا بالإعلام بصفة محمد عليه الصلاة والسلام، وبما عندهم من العلم في ذلك، وأمروا الناس بالبخل على جهتين، بأن قالوا لأتباعهم وعوامهم، اجحدوا أمر محمد وابخلوا به، وبأن قالوا للأنصار، لم تنفقون أموالكم على هؤلاء المهاجرين فتفتقرون، وحقيقة البخل منع ما في اليد، والشح هو البخل الذي تقترن به الرغبة فيما في أيدي الناس، وكتمان الفضل.
وأعددنا وأحضرنا للكافرين العذاب المهين، الذي يقترن به خزي وذل، وهو أنكى وأشد على المعذب، وكان الله بهم عليماً، إخبار يتضمن وعيداً، وينبه على سوء تواطئهم.
وقال الفخر الرازي: ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر، فلذلك قال سبحانه «وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً»، لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ويمكن أيضاً أن يكون المراد من هذا الكافر، من يكون كافرا بالنعمة، لا من يكون كافرا بالدين والشرع.