صحيفة الاتحاد

ألوان

العلماء: فقه الأقليات يحقق الاتـزان النفسي ويواجه الإرهاب

حسام محمد (القاهرة)

شهدت أروقة مؤتمر ديني عقد في القاهرة مؤخراً أزمة حادة بين الدكتور محمد البشاري، أمين المجلس الإسلامي الأوروبي وواحد من علماء الشريعة ممن يعيشون في المنطقة العربية، وذلك حين اتهم العالم الذي يعيش في المنطقة العربية الجاليات الإسلامية في الغرب بأنها تصدر الشباب المتطرفين للجماعات الإرهابية وأن الجاليات الإسلامية في الغرب هي المورد الرئيس للتطرف والإرهاب على مستوى العالم، فما كان من الدكتور البشاري إلا أن رد قائلاً إن هؤلاء الشباب الذين يعيشون في أوروبا اعتمدوا في تطرفهم على الفتاوى والآراء الدينية التي أدلى بها بعض علماء الشرق المسلم، مطالباً بضرورة نشر «فقه الأقليات» إذا كان العالم الإسلامي يريد تحصين الشباب المسلم في الغرب من التطرف والتشدد، وهو الأمر الذي أثار تساؤلات عديدة حول مصطلح فقه الأقليات ومعناه والمغزي من ورائه.

المصطلح
يقول د. محمد الدسوقي، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم وعضو مجمع البحوث الإسلامية: إن استخدام مصطلح الأقليات بصفة عامة يثير تحفظات عدة من منظور إسلامي، فهو لم يظهر في التراث الفقهي أو التاريخي الإسلامي، ويعتبر دخيلاً عليهما، لأن الأساس في هذا التراث الإسلامي ليس الأكثرية أو الأقلية العددية بل العدالة، سواء للدلالة على غير المسلمين تجاه أكثرية مسلمة أم العكس. وكان المصطلح المستخدم هو الملل والنحل، وإذا كان مصطلح الأقلية يعكس معاني ومضامين الذلة أو القهر، فإن هذا ما لا تحمله أو توحي به المصطلحات الإسلامية المناظرة، ومع ذلك فإن الشائع استخدامه هو مصطلح الأقليات.
ويقول: فقه الأقليات مصطلح حديث، نشأ في القرن الماضي وتأكد في مطلع القرن الخامس عشر الهجري لما زادت أعداد الأقليات المسلمة بأوروبا وأميركا، وبدأت حياتها تنتشر وعلاقاتها تتشعب، وأخذت تشعر بكيانها الجماعي ذي الخصوصية الدينية في مهجرها إلى مجتمع غير إسلامي تسود فيه ثقافة وقوانين غير إسلامية، وكانت الأقليات في ذلك الوقت قد بدأت تتوق إلى أن تنظم حياتها الفردية والجماعية على أساس من دينها، ولكنها وجدت أن أموراً كثيرة من تلك الحياة لا يمكن التعامل معها من خلال ما هو متداول ومعروف من الفقه المعمول به في البلاد الإسلامية، إما لأنه لا يناسب أوضاعاً مخالفة للأوضاع الموجودة بالبلاد الإسلامية، أو لأنه لا يغطي أوضاعاً انفردت بها حياتهم بالمهجر، فأصبحت هناك ضرورة لفرع فقهي جديد يختص في معالجة حياة هذه الأقلية أُطلق عليه مصطلح فقه الأقليات وقد تزامن ذلك مع قيام الهيئات الإسلامية المهتمة بأوضاع تلك الجاليات المسلمة والمجتمعات المسلمة في بلاد الغرب.

أحكام خاصة
ويؤكد الدسوقي أن فقه الأقليات لا يعني إنشاء فقه خارج الفقه الإسلامي وأدلته المعروفة، وإنما يعني أن هذه الفئة لها أحكام خاصة بها نظراً لظروف الضرورات والحاجيات كما نقول فقه الحج أو فقه الصيام أو فقه المرأة المسلمة وما إلى ذلك.
ويضيف: فهو ليس بمنعزل عن الفقه الإسلامي العام إطلاقاً، ولا هو مستمد من مصادر غير مصادره، أو قائم على أصول غير أصوله، وإنما هو فرع من فروعه، يشاركه ذات المصادر والأصول، ولكنه يقوم على خصوصية وضع الأقليات.
فيتجه إلى التخصص في معالجتها، في نطاق الفقه الإسلامي وقواعده، اســـتفادة مـــنه وبناء عليه.

الأصالة والمعاصرة
ويقول د. أحمد محمود كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر: فقه الأقليات يعمل على تحقيق المعادلة الصعبة، وهي الحفاظ على تميز الشخصية المسلمة للفرد المسلم وللجماعة المسلمة مع الحرص على التواصل مع المجتمع من حولهم، والاندماج به والتأثير فيه بالسلوك والعطاء، فهو يهتم بفقه النوازل والمستحدثات والمستجدات التي يتعرض لها طائفة من المسلمين في بلاد غير إسلامية، وهذه المستحدثات والمستجدات تنفرد بها هذه الأقليات في حياتها العملية من دون المسلمين الذين يعيشون في بلاد إسلامية، فينظر من جهة إلى التراث الإسلامي الفقهي، ومن جهة أخرى ينظر إلى ظروف العصر وتياراته ومشكلاته فلا يهمل ما أنتجتها عقول الفقهاء والعلماء الإجلاء خلال أكثر من أربعة عشر قرنا في القضايا التي كانت تستحدث وتجد على مجتمعهم، ولا يستغرق في التراث بحيث ينسى عصره وتياراته ومعضلاته النظرية والعملية، وهو يربط بين عالمية الإسلام وبين واقع المجتمعات، يرد الفروع إلى أصولها، ويعالج الجزئيات في ضوء الكليات، موازنا بين المصالح بعضها وبعض، وبين المفاسد بعضها وبعض، وبين المصالح والمفاسد عند التعارض في ضوء فقه الموازنات، وفقه الأولويات.

خاضعة لأحكام ثابتة
ويضيف د. كريمة: إن اصطلاح فقه الأقليات جديد، ويراد به بيان الأحكام الشرعية للجاليات المسلمة التي تعيش داخل المجتمعات الغربية أو غيرها وقد تكون نسبة الأقليات المسلمة قليلة بالنسبة للمجتمع الذي تعيش فيه، وقد تكون الأعداد التي نسميها أقليات إسلامية كبيرة إلا أنها في وسط محيط كبير جداً من ديانات مختلفة عن الإسلام كما هو الحال في المجتمع الهندي.
ويقول: من المعروف أن الذين يعيشون خارج البلاد الإسلامية لهم قضايا ومشاكل تختلف في كثير من الأحيان عن القضايا والمشاكل التي تتعرض لها المجتمعات الإسلامية عادة فمن قضاياهم على سبيل المثال حكم التجنس بجنسية الدولة غير الإسلامية التي يقيمون بها، وما هو حكم الدين في الالتحاق بجيش تلك الدولة، وإذ قامت الحرب بين تلك الدولة التي يحمل جنسيتها ودولة أخرى إسلامية أو حتى غير إسلامية، ما هو حكم اشتراكه في تلك الحرب، وقضايا أخرى كثيرة تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها وكان من أشهر القضايا التي ظهرت في هذا المجال منذ سنوات قليلة قضية إسلام الزوجة دون إسلام زوجها الذي يدين بديانة أخرى غير الإسلام، هل لها أن تمكث وتعيش في بيت زوجها غير المسلم، يدفعها إلى هذا بقاء أبنائها تحت رعاية أبيهم وعدم تمزيق الأسرة، أو تطلب الطلاق لمخالفة ذلك الوضع للشرع، وغير هذا من قضايا تحتاج إلى طرحها في مجال الفقه الإسلامي.
ويضيف د. كريمة أنه من أهداف هذا الفقه أن يعين الأقليات الإسلامية على أداء الواجبات المختلفة: الدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها.

الأصول والقواعد
أوضح د. حامد أبوطالب العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: أن شريعة الإسلام جاءت حاكمة ومنظمة لحياة المسلمين في كل ظرف زماني ومكاني كانوا فيه، وفي كل الأحوال التي يكونون عليها. وقال: الأقليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة يكون أمامها إما الذوبان والانصهار في تلك المجتمعات، وذلك بأن تفقد هويتها وتصبح جزءاً من نسيج الدولة التي عاشت فيها، أو تقوم بالتقوقع والانكفاء على الذات، وتبالغ في العزلة عما حولها، أو يكون عليها التعايش وهذا هو الخيار السليم والصحيح، لكن على أن يكون تعايشاً واعياً، بحيث يفهم من يعيشون في تلك الدول أنهم مواطنون فيها وأن عليهم حقوقاً لهذه الدول وحقوقاً للمواطنين من حولهم، وحقوقاً للجوار، ومن كمال المروءة والأخلاق أن يدرك الإنسان أن عليه حقوقًا للبلد الذي يعيش فيه وللناس، وأيضًا له واجبات ينبغي أن يعيها ويفهمها بشكل جيد، أن التعايش ضرورة لا بديل عنها للأقليات المسلمة في كل مكان. وفقه الأقليات يساعد على تحقيق هذا التعايش ويحمي من الذوبان والأنصار، ويمنع حدوث العزلة.
وأكد أن فقه الأقليات له مجموعة من الأهداف والمقاصد التي يسعى إلى تحقيقها في إطار أحكام الشريعة وقواعدها من دون الخروج عنها، ويقول: فمن شأنه مساعدة الأقليات المسلمة على تحقيق المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها، وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل معه تفاعلاً إيجابيا، تعطيه أفضل ما عندها، وتأخذ منه أفضل ما عنده، على بينة وبصيرة.