الاتحاد

عربي ودولي

حكومة "الوحدة الوطنية" عيد الفلسطينيين الأكبر

أحمد خضر:

الكل شعر بالفرح وهو يشاهد الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزرائه إسماعيل هنية يتعانقان، ويشكلان حكومة وحدة وطنية، وهذا يعني أن الفلسطينيين كانوا قادرين على تجاوز مستنقع الاقتتال الداخلي، والتعامل مع قضيتهم كشركاء في الدم وشركاء في صنع القرار السياسي، وتحمل المسؤولية، إنها لحظة فاصلة في التاريخ الفلسطيني تبين أن لهذا الشعب تراثاً نضالياً وثقافياً وحضارياً وعادات وتقاليد وقيماً اجتماعية أيقظته من عتمة الفوضى، ودهاليز الجهل والتخلف حين وجه الفلسطيني السلاح إلى صدر أخيه ورفيقه في المعركة ضد العدو المشترك·
وهذا يعني أيضاً الخروج من شرنقة الأوهام حول التسوية وملحقاتها، إلى الاشتباك السياسي الحقيقي مع العدو، من خلال تبني برنامج سياسي واقعي، ومطالبة العالم بتحقيق العدالة على الأرض التي احتضنت الأنبياء والرسل، وهذا يعني قطع الطريق أمام الألاعيب الإسرائيلية، فالعرب والفلسطينيون يجابهون عدواً شرساً له أهداف استراتيجية واضحة المعالم، وعلى رأسها إسقاط حق العودة، ومنازعة الفلسطينيين على أرض الضفة الغربية، مياهاً وتراباً ومقدسات وحدوداً ومنازل في قلب المدن الفلسطينية، كما هو الشأن في الخليل، ومن ثم إيجاد دولة كرتونية مستحدثة للفلسطينيين على ( أرض إسرائيل ) حسب تعبير أولمرت ·
نعم فرح الفلسطينيون والعرب لحكومة الوحدة الوطنية، ومن حق الشعب في الضفة الغربية وغزة أن يذبح الذبائح ابتهاجاً بهذه المناسبة، بدل أن يذبح نفسه، لكن هذه الحكومة ينبغي أن يكون لها أسس وقواعد ترتكز عليها خشية أن تسقط في أول اختبار، وأول هذه الأشياء التي ينبغي الإقرار بها دون لف أو دوران هو أن الخط السياسي للفلسطينيين كافة بعد حكومة الوحدة الوطنية هو نفسه الخط السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية التي قبلت المبادرة العربية، وأوسلو وخارطة الطريق والعديد من المشاريع التسووية التي ما زالت إلى الآن حبراً على ورق لأن إسرائيل تضع في طريقها العراقيل، ولعله بات واضحاً أن التنظيمات الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، قد ابتعدت عن ملف المفاوضات السياسية، وبقي محصوراً في رئاسة السلطة، والرئيس عباس، في محاولة فلسطينية للخروج من عنق الزجاجة، الكل يناور على الكل، وإسرائيل ماضية في وضع الشروط والتحفظات من أجل أن تبقى جميع نداءات ومشاريع السلام مجرد كلام وشعارات وعبارات منمقة، دون أن يحدث أي شيء عملي على الأرض وهو التقدم في عملية السلام بصورة عملية، والإسرائيليون يسعون لدفن جميع مبادرات السلام كلية من خلال المذابح المروعة التي يرتكبونها ضد المدنيين والشعب الأعزل·
لكن الشيء المثير للسخرية هو أن تطالب ليفني وزيرة خارجية إسرائيل العرب والفلسطينيين وبالفم الملآن بإسقاط حق العودة للاجئين قبل الشروع في المفاوضات، وأنها اكتشفت أن المبادرة العربية فيها أشياء إيجابية مثل الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، وهناك محاولات إسرائيلية أميركية دؤوبة لتغيير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 194 الذي دعا إلى حل قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر عودتهم إلى بلادهم ·
إن ليفني تطالب العرب بتوطين اللاجئين في العالم العربي، وهو ما يعد تراجعاً حتى عن خطة كلينتون في كامب ديفيد والتي كانت تقضي بالسماح لهم بالعودة إلى الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة·
ولمزيد من التضليل فإن بيريز أعلن في اليابان أن الحلول السياسية مدتها طويلة، فيما يمكن الاتفاق مع الفلسطينيين والأردن والعرب بشكل عام على مشاريع اقتصادية مشتركة، وحين ثارت ثائرة صائب عريقات قال له المسؤول الإسرائيلي أسقطوا حق العودة، وأوقفوا الإرهاب، وبعد ذلك نتفاوض على الجزئيات ·
لقد هدأت الجبهة الفلسطينية الداخلية نوعاً ما، وارتفعت معنويات الناس في الأرض المحتلة قليلاً بعد أن باتوا لا يخشون التعرض للقتل أو الاختطاف من قبل بني جلدتهم وشعبهم، واطمأنت النفوس أكثر حين تشكلت الحكومة الفلسطينية الجديدة من الوجوه الشابة المتعلمة والمشهود لها بنظافة اليد، والتجربة النضالية الحقيقية، وهذا يعكس ذاته على الشارع، الذي كان دائم الشك ببعض القيادات، ومن هنا فإن علاقات جديدة ستنشأ بين الشعب الفلسطيني وقيادته التي استعادت زمام المبادرة، وتمكنت من وصل الخيوط التي انقطعت بينها وبين الجماهير ·
قائد مؤسساتي
لقد استطاع أبو مازن الظهور بمظهر القائد المؤسساتي الديمقراطي، ذلك أنه منذ اليوم الأول لتسلمه رئاسة السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية وهو يدعو إلى ترسيخ دور المؤسسات، والعمل البرلماني الحر، ومحاربة الفساد، ورفع شعار من أين لك هذا، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وهي مسألة يتوق إليها الفلسطينيون أكثر من غيرهم، بسبب ظروف القهر والاضطهاد ووقوعهم تحت براثن الاحتلال، وقد تجسدت الروح الديمقراطية، وبعد النظر، وهدوء الأعصاب عند أبي مازن عبر تراجعه عن الكثير من المواقف والقرارات التي اتخذها من أجل حقن دماء الشعب الفلسطيني، وقبوله باتفاق مكة ·
لقد ظهر بمظهر رجل الحوار مع الفصائل والتنظيمات الأخرى، حين التقاهم في العديد من الاجتماعات في غزة من أجل التفاهم على صيغة مشتركة، ورغم أن هذه الحوارات لم تكلل بالنجاح في الكثير من محطاتها، إلا أنها أثبتت أنه مفاوض مخضرم ويتمتع بقدر كاف من الدبلوماسية العامة والثقافة والرؤية الاستراتيجية، وحريص على الدم الفلسطيني، حتى وصلت الأمور إلى خواتيمها بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وكذلك الشأن بالنسبة لإسماعيل هنية الذي كان على استعداد في بعض المراحل للتنازل عن منصبه كرئيس للوزراء مقابل رفع الحصار، ولأنه ليس من قيادات التأزيم، ويحظى باحترام ومحبة الرئيس عباس فقد تم تكليفه مجدداً بتشكيل الوزارة·
إن هذه الحكومة من شأنها أن تلغي كثيراً من التشويش واللغط الذي أصاب صورة الشعب الفلسطيني المكافح، بعد أن أعطى بعض المتشنجين والمتخلفين والجهلة والمأجورين صورة سلبية مقيتة أثناء حرب الشوارع والعصابات في غزة، وطالما أنه ثبت شرعاً أنه لا يوجد قرضاي في فلسطين، وأن كتائب شهداء الأقصى فتحاوية، فإن الشعب الفلسطيني يرفض وجود طالبان بين ظهرانيه كذلك، لا بد من العودة إلى الينابيع الوطنية الفلسطينية كي يشرب منها الجميع، ولا يعكر صفوها المتعصبون وقطاع الطرق··
إن النجاح الأكبر الذي يمكن أن يحققه الفلسطينيون هو أن تذوب العديد من التنظيمات الصغيرة في إطار الحركة الوطنية ذات القاعدة الشعبية العريضة، وهي متغلغلة في جميع فئات الشعب الفلسطيني من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ويلتقي في إطارها رجال الدين المسلمون والمسيحيون، والموظفون، والعمال، والفلاحون، والبرجوازية الوطنية، ووجهاء الحمائل والعشائر، بمعنى آخر فإن الحركة الوطنية المتعاظمة، ونعني بذلك حركة فتح ينبغي أن تكون التنظيم الذي يصهر جميع التنظيمات الوطنية الأخرى في بوتقته، هذه الحركة الوطنية التي حافظت على هوية الإنسان الفلسطيني وكينونته من الضياع منذ انطلقت عام ،1965 أما أن يبقى 17 تنظيماً على الساحة، فهذا من شأنه الإساءة للقضية الفلسطينية عربياً ودولياً، ولا يخفى أن العديد من التنظيمات تعكس التشتت السياسي للفلسطينيين، ولا تعبر عن هوية وطنية فلسطينية خالصة، إضافة إلى عددها المحدود جداً والمتواضع على الساحة، بعض هذه التنظيمات أساءت بالفعل لثمانية ملايين فلسطيني في أنحاء العالم، والأهم من ذلك كله أنها فقدت مبرر وجودها التاريخي بعد أن تجاوزها التاريخ، أما الحركات الإسلامية وهي الجهاد الإسلامي وحماس فلها خصوصيتها التي تحاول إظهار إسلامية القضية الفلسطينية رغم أن الفلسطينيين والعرب في أغلبيتهم مسلمون، بمعنى آخر فإن العيد الفلسطيني الأكبر هو حين تندمج التنظيمات الفلسطينية وتتوحد في جبهتين عريضتين هما حركة فتح التي تذوب في داخلها جميع التنظيمات والأحزاب والقوى الوطنية والقومية واليسارية، وجبهة إسلامية عريضة تضم حركة حماس والجهاد الإسلامي·
إن الشعب الفلسطيني ما زال منشداً بصورة عاطفية ومنطقية إلى دولة مستقلة، والخطوة الأولى في طريق الألف ميل هي الوحدة الوطنية، التي يتم الاستناد إليها في رفع عبء المعاناة اليومية عن كاهله، ووقف شلال الدم والتركيز على تعرية الجانب الإسرائيلي، باعتبار أن الدبلوماسية أحد أقوى الأسلحة بالنسبة للقضية الفلسطينية بشكل خاص في هذه المرحلة التي يطالب فيها العالم بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، ومن الطبيعي أن تتغير أساليب النضال وفق المصلحة الوطنية، دون أن يعني ذلك الهزيمة أمام العدو والتسليم بشروطه على طاولة المفاوضات ·
تغيير الأساليب
إن الانتفاضة التي سقط فيها أكثر من 71 ألف قتيل وجريح، وبصورتها العسكرية، وعملياتها الاستشهادية تتراءى كحالة إرهابية في المشهد السياسي الدولي بعد 11 سبتمبر، ولا عدالة في أن تتحول الضحية إلى قاتل، والمحتل والمجرم إلى ضحية، لكنها الظروف الدولية، لذا لا بد من إعادة النظر، والشروع في مناهضة الوجود الإسرائيلي في الأرض المحتلة، بأساليب جديدة على غرار انتفاضة 87 تتخذ الطابع السلمي منهجاً لها، وترفع أغصان الزيتون لإتاحة الفرصة أمام المفاوضات السياسية ذلك أن تحقيق النصر في حياة الشعوب والثورات ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى الأهداف الوطنية، وبالنسبة للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة فإن الانتفاضة رفعت شعار القدس والاستقلال منذ اليوم الأول لانطلاقتها، بل إن النصر العسكري على إسرائيل غير ممكن، وهو ما يطرحه الفلسطينيون علناً ولا بد من استراحة المحارب وهو بالمناسبة رأي جميع القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية، وإن كان البعض يصرح بذلك بصوت خفيض، حتى جاءت حكومة الوحدة الوطنية لترفع من وتيرة هذا الصوت، وتجعله مسموعاً أكثر· إن ما يهم سكان الأرض المحتلة هو تحقيق الانفراج الأمني والاقتصادي، ذلك أن إسرائيل أقامت الحواجز العسكرية، والتي تموت المرأة أمامها وهي ذاهبة لمستشفى الولادة، وقسمت الأرض إلى كانتونات، وأقامت الجدار العازل الذي حرم الفلسطينيين من العمل، حيث وصل حجم البطالة إلى معدلات مرتفعة، كما أن 75 % من السكان تحت خط الفقر، لذا فإن الواقع المرير الذي يعيشونه يدفعهم إلى البحث عن حل لمثل هذه المشاكل اليومية والحياتية، وسواء اعترفت إسرائيل بحكومة الوحدة الوطنية أم لم تعترف فإن الفلسطينيين يثبتون أنهم الند والطرف الآخر، وليسوا التابع أو المنقاد لإسرائيل
الشعب ملك البقاء
إن الشعب هو ملك صراع البقاء على أرضه، وهو ملك اللعبة السياسية الذي لا يسمح لكافة المؤامرات الإسرائيلية وغيرها أن تمر، بل إن إسرائيل ذاتها وضمن تركيبتها اللاهوتية السياسية المعقدة ليست مهيأة في الظروف الحالية أن توافق على مشروع سلام حقيقي وعادل في المنطقة، لذا فإن قضية حية بمستوى القضية الفلسطينية، غير قابلة للنسيان أو الضياع، ومن هنا تبقى المقاومة قدراً، والتضحية من أجل الأرض والعرض شرفاً وكرامة، تحت خيمة الوحدة الوطنية، ومن خلال استراتيجية سياسية واضحة لمقارعة العدو، حيث يتم اللعب بذرة من الممكن وغير المستحيل، أما اللعبة البرلمانية فلا بد من التمسك بها، دون استعجال أو حرق للمراحل لأن ذلك يغرق الفلسطينيين في بحر من الدماء مرة أخرى·

اقرأ أيضا

اليابان تؤكد ظهور ثاني حالة إصابة بفيروس "كورونا"