الاتحاد

ثقافة

باحث أميركي يرى أن العنف لن يتراجع في المنطقة العربية

جهاد هديب (الاتحاد) - نظمت جامعة نيويورك – أبوظبي، مساء أمس الأول محاضرة بعنوان «تحولات الحروب الأهلية - 1800م/ 2010م» قدمها الباحث الأميركي ستاثيس كاليفاس أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة بيل الأميركية، وذلك ضمن البرنامج الثقافي الشهري للجامعة.
وقدم الباحث كاليفاس في محاضرته التي عقدت بفندق إنتر كونتننتال بأبوظبي، رصداً تاريخياً لمفهوم «الحرب الأهلية» عبر القرنين الماضيين وفقا لمرجعية تاريخية، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الحرب الأهلية باتت الآن، وتحديداً في المنطقة العربية وفي ضوء المآلات التي سارت بها بعض «ثورات الربيع العربي»، متداخلة الأنواع لجهة أنها حرب تتداخل فيها الكثير من العوامل الخارجية والمحلية وتلعب فيها الأيديولوجيات والمصالح دورا بارزا، خاصة ما يتصل بالولاءات الخارجية التي يعتمد عليها فرقاء الحرب الأهلية في مدّهم بالسلاح والعتاد والمال، وبالتالي إحداث نوع من التوازن بين الجيوش النظامية والمعارضات المسلحة.
وإذ أقرّ كاليفاس بصعوبة التنبؤ بنهاية وشيكة للحرب في سوريا المؤلمة إلا أنه شبّه الوضع القائم في المنطقة العربية برمتها بالمنعطف التاريخي الذي مرّت به بعض البلدان العربية نهاية القرن التاسع عشر.
وبالمعنى الثقافي المحض للكلمة، قدم أستاذ علم الاجتماع السياسي تأملات جديرة بالاهتمام حول فكرة «الحرب الأهلية»، فمهد لها من البدء بأرضية تاريخية تناولت هذه الفكرة وتطوراتها منذ الإغريق حين كانت الثورات تُخاض ضد الدولة المدينة مرورا بالعهد الروماني الذي تعددت فيه أشكال الحروب الأهلية ما بين النخب حول السلطة في روما وما بين العبيد والسلطة ثم ما بين العبيد والعبيد.
أيضاً تطرق إلى الحرب الأهلية الأميركية والفرنسية وسواها من الحروب الأهلية التي باتت كلاسيكية الآن حيث كان دور العامل الخارجي أو ما يسمى اليوم بـ«التدخل الأجنبي» مرهونا بظروف إقليمية تلعب فيه الامتدادات الطائفية والثقافية دورا بارزا.
وأوضح كاليفاس أن ارتباط تحليل الحرب الأهلية، تبعا لعلم السياسة ومناهجه، بالسياق السياسي الراهن قد أثّر كثيرا على عدم البحث في الأسباب الجوهرية لهذه الحروب، ما أدّى إلى انعدام وجود فهم تاريخي لأسبابها وجوهرها والتحولات التي شهدتها، أي أنه لم تكن هناك سابقا أية مراكمة لتحليل (معرفي – ثقافي) لهذا المفهوم من الممكن الاستناد إليها في الوقت الراهن.
ورأى كاليفاس أنه عندما يجري الحديث عن حرب أهلية فإننا نتحدث عن فرقاء يتقاتلون داخل المجتمع الواحد، مؤكداً أن التسمية الأنسب في هذا السياق هي «الحرب الداخلية»، إذ إن الحروب الأهلية عندما تُطلق عليها هذه التسمية فإن ذلك يعتمد على حجم العنف والدمار الذي طال الجانب الإنساني، وكذلك الجانب العمراني، ذلك أن هناك العديد من الحروب الأهلية التي لم تدم طويلا ولم تخلّف عنفا ودمارا بحجم ما خلّفته سواها؛ وذلك فضلاً عن أن الحرب الأهلية ومنذ عهود قديمة قد شهدت أمرين: تفتيت لُحمة العائلة التي هي النواة الاجتماعية للمجتمع وبالتالي تعرض الأخير للخراب، والأمر الأخير هو التدخل الأجنبي.
أيضاً أشار كاليفاس إلى وجود «اعتباطية» في التحليل السياسي، وكذلك العسكري الذي يخلط ما بين الحرب الأهلية والحرب النظامية، حيث يتم خلط العديد من الأوضاع أيضاً.
كما أشار إلى أن هناك ثلاثة مصادر من عادتها أن تغذي دائما الحرب الأهلية: استخدام مكافحة التمرد، وحاليا الإرهاب، بهدف نزع أي شرعية عن المعارضة، وما يقوم به الاقتصاديون في البلدان التي تشهد حروبا أهلية عندما يساندون اتجاهات بعينها داخل الحرب الأهلية أو الداخلية، ثم الديناميات العرقية، ما يعني في نهاية التحليل أن الاقتتال الاجتماعي الأهلي في هذه البلدان بين المجموعات المتقاتلة هو من أجل السلطة أولا، فالسيطرة على الموارد تاليا، مؤكداً أن هذا ما يحدث بالفعل في أفريقيا، حيث خطوط الانقسام هي ذاتها الخطوط العرقية، فضلاً عن أن التنافس على الموارد الذي يتغذى من الفقر والجوع، الأمر الذي لا يتيح أمام الأفراد سوى الانخراط في الاقتتال الداخلي لعدم وجود ما يخسرونه.
أما فيما يتصل في المنطقة العربية فقال كاليفاس تحديدا: «في الشرق الأوسط وضع شاذّ حقا، ومحيّر وما يجعلها كذلك هو، على ما يبدو، بسبب أن الحرب الباردة لم تنته بعد في هذه المنطقة من العالم، الأمر الذي يجبرنا على التفكير ثانية في الحروب الأهلية التي حدثت في أوروبا قرب انعطافة القرن التاسع عشر».
وفيما يتصل بمستقبل “الحرب الأهلية، بوصفها مفهوما وحدثا، توقع ستاثيس كاليفاس أن تشهد الحروب الأهلية تراجعا باستثناء هذه المنطقة، حيث سيكون لهذه الحروب تأثير إنساني على الوضع الدولي، أما هنا فستنتقل الحرب الأهلية إلى مستويات أخرى من العنف ذي العناصر المختلطة، حيث أصبح فهمها يتطلب فصل النظر إليها من خلال الوضع السياسي الراهن”.

اقرأ أيضا