الاتحاد

تقارير

المدارس... سلاح التنمية في أفغانستان

بعد تتبع الانتخابات الأميركية حان الوقت للاهتمام قليلًا بما يجري في أفغانستان والاستفادة من فيلم "حرب تشارلي ويلسون" الذي لعب فيه النجم "توم هانكس" دور عضو الكونجرس، الذي أقنع زملاءه بالانخراط في مواجهة الغزو السوفييتي للبلاد في الثمانينات وتسليح المجاهدين.
لكن عندما انتهت الحرب وتجرع الروس مرارة الهزيمة، حاول "تشارلي" إقناع المشرعين الأميركيين بعدم التخلي عن الأفغان ومساعدتهم بمليون دولار فقط لبناء المدارس، فكان رد الكونجرس مخيباً للآمال، رافضاً تخصيص سنتاً واحداً لدعم العملية التعليمية في أفغانستان.
واليوم وبعـد مرور ربـع قرن تقريبـاً علـى هذه الحادثة، يبدو أن أميركا على وشك ارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى، فقد تعهد مرشحا الرئاسة، أوباما ورومني، بالانسحاب من أفغانستان وإعادة القوات إلى أرض الوطن بحلول 2014، لكن لا أحد منهما تحدث عن أهمية بناء المدارس الضرورية التي يحتاجها أطفال أفغانستان في بلد مزقته الحروب.
وحيث نصف السكان لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، كما أن محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرضت لها الفتاة الباكستانية، ملالا يوسف زاي، التي كادت أن تدفع حياتها ثمناً لقضية تعليم المرأة يظهر بوضوح أن ما يخيف "طالبان" أكثر من غيره هي الكتب وليست القنابل.
لذا يمثل إنشاء بنية تحتية للتعليم في أفغانستان الاستراتيجية الأقل كلفة لزرع بذور التغيير في الأجيال القادمة ومنع انزلاقها نحو التطرف والإرهاب، هذه الكلفة البسيطة يشير إليها المعلق بصحيفة "نيويورك تايمز" نيكولاس كريستوف قائلاً "إن كلفة إعالة جندي أميركي واحد طيلة سنة في أفغانستان تعادل بناء عشرين مدرسة".
ويضيف كريستوف نقلاً عن مصادره الخاصة أن ما تنفقه أميركا على 246 جندياً خلال السنة الواحد يمكنه وضع مخطط للتعليم العالي لكل أفغانستان، فهل يمكن تصور فائدة تعليم مجتمع قبلي على مدى العقد المقبل، وكل ذلك بكلفة تعادل 0.1 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية السنوية في أفغانستان؟
وللإنصاف قامت الولايات المتحدة بخطوات مهمة في مجال التعليم بأفغانستان، حيث مولت في ديسمبر الماضي نسخة أفغانية من برنامج أميركي شهير موجه للأطفال لاقى نجاحاً كبيراً في الأوساط الأفغانية بعدما عُرض في التلفزيون المحلي.
لكن تبقى الحقيقة أن أفغانستان تضم أكبر نسبة من الأطفال في سن المدرسة بالعالم لا يذهب منهم إلى المدرسة سوى النصف، وهو ما يترك ملايين الأطفال، أغلبهم من النساء والفتيات، عرضة للفقر والهشاشة وتحت تأثير "طالبان".
وفي الوقت الذي تستعد فيه أميركا للانسحاب من أفغانستان مع احتمال عودة "طالبان" بأشكال مختلفة إلى الحياة العامة، فإنه من المتوقع انتهاج سياسات مناهضة للنساء وتجنيد الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 14 سنة كانتحاريين محتملين، وهنا سيسارع البعض إلى لوم الإسلام وتحميله مسؤولية العنف، لكن هذا المنطق لا يستقيم، إذ لماذا لا يتحول المسلمون الأميركيون إلى انتحاريين؟
لأنهم يعيشون حياة أفضل، ويملكون خططاً للمستقبل، الأمر الذي يفتقده أطفال أفغانستان فلا يجدون ما يخسرونه إن هم ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة.
ولا ننسَ أن عدد القتلـى في أفغانستـان بين 2007 و2011 وصل إلى 12 ألف مدني، بحيث يظل أبناؤهم في وضـع هش يسهل معه التغرير بهم وإيقاعهم فريسـة لأيديولوجية "طالبان" والانضمام للجهاد لمحاربة الكفار.
هذا الجيش من "الجهاديين" يتلقى دعماً مالياً من دول خارجية كما يجد المساندة في باكستان، وخاصة من بعض عناصر الجيش الباكستاني، بل حتى بعض السياسيين في باكستان لا يترددون في إعلان دعمهم لـ"طالبان" أفغانستان كما شهدنا ذلك مؤخراً مع عمران خان لاعب الكريكيت الباكستاني الذي تحول إلى سياسي، عندما أضفى الشرعية علناً على "طالبان"، واصفاً الصراع في أفغانستان بأنه "حرب مقدسة"، ولو تجاهلنا هذا النموذج السيئ الذي تقدمه بعض الأطراف الباكستانية سنرى سنوات من الجهد الأميركي في أفغانستان تذهب سدى.
لذا وقبل مغادرتها أفغانستان، يتعين على الولايات المتحدة تخصيص مليار دولار على الأقل لبناء المدارس للبنين والبنات، كما يتعين على واشنطن التنسيق مع السلطات في إسلام آباد لتشييد المدارس في المناطق القبلية على جانبي الحدود، بحيث يتعين على هذه الأموال الذهاب إلى توظيف مدرسين أكفاء وتطوير المناهج الدراسية وإقامة بنية تحتية متينة تدعم وجود تلك المدارس.
ولو تطلب الأمر حماية المدارس بقوة عسكرية فإن ذلك يجب أن يأتي من قوات يتم تجنيدها من المناطق المحلية التي توجد بها المدارس، وفي حال صرفت الأموال بطريقة صحيحة فإنها قد تنجز ما فشلت فيه حملات مكافحة التمرد بكل أسلحتها وقنابلها وطائراتها من دون طيار.

فهيم يونس
أستاذ الطب بجامعة ماريلاند وناشط أفغاني

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا