الاتحاد

دنيا

التسامح بوابة للسعادة النفسية والصحة الجسمية

التسامح يكتسبه الأطفال من آبائهم  (أرشيفية)

التسامح يكتسبه الأطفال من آبائهم (أرشيفية)

«القوى الإنسانية، كيف نكتشفها لدى أبنائنا؟» مجموعة كتيبات من تقديم ومراجعة صفاء الأعسر أستاذة علم النفس، استطاعت أن تقدم للقارئ قواعد تفيده في تربية أبنائه، حيث تقول الأعسر «نحمل نحن الكبار هذه التحديات في عقولنا وقلوبنا، ونسعى لحماية أبنائنا وما يترتب عليها من نتائج، فما نقوله وما نفعله يكشف عما نحمله من تحديات، سواء بصورة مباشرة عندما ننفجر في أطفالنا، لأسباب لا تستحق، أو بصورة غير مباشرة عندما نعبر عن ضيقنا من هموم الحياة، وأطفالنا حولنا، قد نظن أنهم لا يدركون، ولكننا واهمون، قد لا يدركون الحقائق كاملة، ولكنهم يمتصون المشاعر غير الآمنة، ويعايشونها»، مبرزة التسامح بوصفه أبرز القوى الإنسانية وأقدرها على تحقيق التوازن النفسي للطفل.


لكبيرة التونسي (أبوظبي) - تؤكد صفاء الأعسر من خلال كتيباتها «القوى الإنسانية، كيف نكتشفها لدى أبنائنا؟» أن هذه الكتيبات تدعو إلى تعظيم القوى الإنسانية، بداخلنا ولدى أبنائنا، وتعمل على تعظيم القوى الإيجابية وتعظيم قدراتنا وقدرات أبنائنا، وتعظيم حب الحياة، مشيرة إلى أن التسامح أحد أهم أبرز تلك القوى.
نبذ المشاعر السلبية
يعتبر التسامح إحدى تلك القوى الإنسانية، وتعرف الأعسر التسامح قائلة «هو نبذ المشاعر والأفكار والسلوكيات السلبية تجاه من أساؤوا إلينا، واستبدالها بمشاعر وأفكار وسلوكيات إيجابية بها، فيتيح التسامح لنا أن نعايش مشاعر التعاطف والرحمة والحنان تجاههم، والتسامح هو الطريق إلى الشعور بالسلام الداخلي والسعادة، وهو سبيلنا إلى الطمأنينة رغم الشعور بالألم، والاستمرار في الحياة بعد تعرضنا للإيذاء من الآخرين، ويساعدنا التسامح على تحمل مسؤولية ما نشعر به، وعدم التوقف عن الأمل لمجرد أننا تعرضنا لألم ما، ونحن جميعاً نعرف كآباء وكمربين أن الأطفال بفطرتهم متسامحون، لكن قد يتحولون إلى أطفال غير متسامحين، نتيجة للخبرات السلبية التي يعايشونها هم أنفسهم أو يعايشها الراشدون القائمون على رعايتهم، لذا ينبغي علينا أن نحرص على إعادة إكسابهم قيم التسامح وسلوكياته».
وحول أهمية التسامح في مجتمعات تموج بالسلبيات والعنف، وكيف نتسامح في زمن يتساوى فيه التسامح مع التخاذل؟ ولماذا ينبغي علينا أن نُعلم أطفالنا التسامح؟ وهل هناك فوائد ستتحقق لنا ولأطفالنا عندما نتسامح مع الآخرين؟ تساؤلات تجيب عنها الأعسر من خلال دراسات وأبحاث.
وتقول «قد تكون الإجابة عن التساؤلات السابقة أنه ينبغي أن نتسامح ونُعلم أطفالنا التسامح لأن كل الأديان تدعو إلى التسامح وتحث عليه، وهذا يثير تساؤلاً تالياً: ولماذا تحثنا الأديان على التسامح؟ سنقول إن التسامح يساعد على التجاوز عن الصراعات والأحقاد، فهو يخمد معاركنا الداخلية مع أنفسنا، ويتيح لنا فرصة التوقف عن استحضار الغضب واللوم،.
فالتسامح قدرة فائقة على إصلاح حياتنا الداخلية والخارجية، فبوسعه أن يُغير من الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين، فهو يساعد على إنهاء الصراعات الداخلية التي عانى منها الكثيرون منا، وكانت بداخلنا في كل لحظة وكل يوم، وبهذا نتصالح بسهولة ويُسر مع أنفسنا ومع الآخرين، وهو يمكننا في النهاية من ممارسة الإحساس الحقيقي بالحب، ويساعدنا التسامح كذلك على إنجاز أهداف أكثر قيمة وأهمية، فالوقت والطاقة السلبية التي نفقدها في معاركنا مع من أساء إلينا تتحول إلى طاقة إيجابية، نستثمرها في تحقيق أهدافنا وتنمية ذواتنا». وتضيف «على المستوى الجماعي يؤدي التسامح إلى أن يعم السلام بين البشر وتنتهي الحروب والمعارك والصراعات المستعرة في كل أنحاء العالم بسبب الاختلافات العرقية أو الدينية أو الاقتصادية».
فوائد مكتسبة
عن الفوائد التي تتحقق للأهل والأطفال نتيجة التسامح، تقول الأعسر «أوضحت الدراسات العلمية ارتباط التسامح بكل مظاهر العافية الجسمية والنفسية، ففيما يتعلق بالصحة الجسمية، ارتبط التسامح بسلامة الجسم ووقايته من عديد من الأمراض، ففي إحدى الدراسات طُلب من المشاركين في الدراسة استدعاء موقف إساءة حدث لهم فعلياً، واتسمت استجابتهم فيه إما بالتسامح أو عدم التسامح، ثم قيست التغيرات الفسيولوجية ـالجسيمة المصاحبة لاستدعائهم لهذا الموقف، فتبين أن المشاركين الذين اتسمت استجاباتهم في هذا الموقف بعدم التسامح، أظهروا تغيرات فسيولوجية سلبية، وظلت هذه التغيرات طوال فترة إجراء التجربة وذلك بالمقارنة بالمشاركين الذين اتسمت استجاباتهم بالتسامح، وفسر الباحثون هذه النتيجة في ضوء أن التسامح يحافظ على الصحة من خلال تخفيض الاستثارة الزائدة للجهاز العصبي السمبثاوي، وارتبط التسامح في عديد من الدراسات بانخفاض معدل ضربات القلب وضغط الدم وزيادة كفاءة الأوعية الدموية».
وفيما يتعلق بارتباط التسامح بالصحة النفسية. تقول الأعسر «أسفرت نتائج الدراسات عن أن التحلي بالتسامح يحمي الفرد من الإصابة بالاكتئاب، كما تبين أن هناك ارتباط إيجابي بين التسامح مع الذات، وخفض نوبات الغضب، وتوكيد الذات وزيادة كفاءة المهارات الاجتماعية والانفعالات الإيجابية، والرضا عن الحياة وتقدير الذات والتفاؤل والسعادة وانخفاض الإحساس بالخزي، وكشفت نتائج دراسات أخرى عن وجود ارتباط إيجابي قوي بين كل من الامتنان إلى الآخرين والتسامح والعافية، ووجود ارتباط سلبي دال بين التسامح والمشاعر الاكتئابية وقلق الموت والأعراض السيكوسوماتية وهي الأعراض الجسمية التي لا ترجع لأي سبب عضوي كالصداع وآلام الظهر والرقبة وآلام المعدة. كما يؤدي التسامح إلى مزيد من التوافق الزواجي ويكون له تأثير إيجابي على الرضا عن العلاقة الزوجية بشكل عام».
أثر البيئة
الطفل يتعلم من البيئة الاجتماعية المحيطة به. في هذا الصدد، تقول الأعسر «يتعلم الابن بشكل أكثر فاعلية من خلال ملاحظة سلوك الأب أو الأم كنماذج اجتماعية، وهناك تجربة شهيرة في هذا الصدد تثبت لك دورك المؤثر في تعليم ابنك السلوك غير المتسامح، حيث يماثل الموقف الذي تعرف له الأطفال في التجربة مواقف الحياة اليومية التي يعايشها الأطفال بشكل متكرر، إذ أجرى باحث تجربة على مجموعة من الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، حيث كان المجرب (وهو يماثل الأب) يتصرف مع دمية كبيرة الحجم بشكل عدواني على مرأى ومسمع من الأطفال جميعاً، بعد ذلك قسم الأطفال إلى ثلاث مجموعات على النحو التالي: يدخل مجرب ثان على أطفال المجموعة الأولى ويوبخ المجرب الأول على سلوكه العدواني ويثنى عليه، ثم يدخل المجرب الثاني على أطفال المجموعة الثانية ويُدعم المجرب الأول على سلوكه العدواني ويثنى عليه، ولا يلاحظ أطفال المجموعة الثالثة أي سلوك آخر مغاير لسلوك المجرب الأول.
ووفقاً للنتائج التي ترتبت على سلوك المجرب الأول (توبيخ مقابل تدعيم)؟ قام المجرب بوضع الأطفال بعد ذلك في حجرة مليئة باللعب، وتمت ملاحظة سلوك كل طفل على حدة أثناء لعبه، فتبين أن أطفال المجموعة الثانية تصرفوا بدرجة عدوانية أعلى أثناء اللعب، وذلك بالمقارنة بأطفال المجموعة الأولى، فعاد المجرب للتساؤل «وهل معنى ذلك أن أطفال المجموعة الأولى لم يكتسبوا السلوك العدواني من خلال ملاحظتهم للمجرب».
ولاستكشاف أسباب تصرف الأطفال، أجرى الباحث مقابلات مع أطفال المجموعة الأولى، وبدأ يستحثهم على إصدار السلوكيات العدوانية التي قام بها المجرب مع الدمية، وذلك من خلال تقديم الهدايا لهم، فاكتشف أنهم أصدروا السلوكيات العدوانية التي أصدرها المجرب بمعدل مكافئ لمعدل السلوك العدواني الذي أظهره أطفال المجموعة الثانية.
في هذا الإطار، تقول الأعسر إنه مما سبق نستنتج عدة استنتاجات أن الطفل يتعلم السلوك غير المتسامح من خلال ملاحظة سلوك الآخرين الذين يكونون بمثابة نماذج اجتماعية له، وأن الطفل يتعلم السلوك غير المتسامح بغض النظر عن العواقب التي ترتبت على سلوك النموذج، بمعنى أن الطفل سيتعلم السلوك غير المتسامح من النموذج، حتى لو كان النموذج قد عوقب على سلوكه، وهذا يفسر لماذا يتصرف الطفل بشكل غير متسامح مع شقيقه الأصغر رغم رفضه لعدم تسامح والديه معه، ورغم وعيه كذلك أنه سيتعرض للعقاب من قبل والديه، وأن الطفل عندما يعيد إنتاج السلوك الذي تعلمه من خلال ملاحظة النموذج، لا يعيد إنتاجه كما هو ولكن يستحدث أشكالاً أخرى من السلوك لم يقم بها، ففي التجربة السابقة تصرف الأطفال بشكل عدواني مع الدمية باستحداث سلوكيات لم يقم بها المجرب.
وتنقلنا هذه الاستنتاجات إلى إبراز دور السياق الاجتماعي ممثلاً في دور المدرسة ووسائل الإعلام، فالنتائج السابقة يمكن تطبيقها على سلوك المعلم، وجماعات الأقران كنماذج اجتماعية تُشكل سلوك الطفل في المدرسة، وسلوكيات الممثلين والشخصيات الكرتونية كنماذج اجتماعية فعالة يقدمها التلفاز، وفي هذا السياق يمكننا أيضاً أن نرصد ملاحظتي: قد ينشأ الطفل في سياق أسري يتسم بالتسامح، لكنه قد يكتسب السلوكيات غير المتسامحة من المدرسة من خلال ملاحظة سلوك معلميه وأقرانه، فالنماذج السلبية التي يتعرض لها الطفل في المدرسة سواء من خلال معلميه أو من أقرانه، تُرسخ لديه كل مظاهر السلوكيات غير المتسامحة، يكتسب الطفل السلوكيات غير المتسامحة من خلال النماذج التي يقدمها التلفاز تحديداً، وتزداد خطورة هذه النماذج مع ضعف الرقابة من قبل الوالدين أو غيابها تماماً، ومع الشعبية الكبيرة والتقبل التام للنماذج التي يقدمها التلفاز، بل إن بعض هذه النماذج قد أصبح لها تأثير كبير على الأطفال يفوق بكثير تأثير الوالدين.

اقرأ أيضا