تقارير

الاتحاد

هايتي... استجابة بطيئة لاحتياجات المشردين

أمضت"هيلتا إيكسانفيل" ليلتها في البكاء، محتضنةً طفلها الرضيع، في الوقت الذي كانت فيه الأمطار الاستوائية الغزيرة تنهال على سقف كوخها المصنوع من الصفيح، والذي لم يكن محكماً بالقدر الذي يمنع تسرب مياه المطر المنهمرة من دون توقف مقتحمةً ملجأها الصغير، مغرقةً ملابسها، ومحولةً أرضيته الترابية إلى كتل طينية دافعةً أياها في تلك الساعات الأشد سواداً التي تسبق انبلاج الفجر إلى حافة اليأس.
إن "إيكسانفيل" وعشرات الألوف غيرها من أفراد الأسر المشردة المعسكرة على امتداد ساحة تقع في وسط العاصمة الهايتية، باتوا جميعا رمزاً يذكر بما لا يزال يتعين عمله في إطار جهود الإغاثة العالمية في هايتي، بعد مرور خمسة أسابيع على الزلزال المدمر، الذي ضرب هذا البلد في 12 يناير الماضي. فبعد أن تم دفن القتلى، ونقل الجرحى إلى عيادات للعناية بهم لا يزال مليون شخص، ما يعادل 11 في المئة من إجمالي السكان، يفتقرون إلى الملاجئ الكافية.
والجدير بالذكر أن رئيس البلاد "رينيه بريفال"، وضع البند الخاص بتوريد كميات كافية من تسهيلات الإيواء على رأس قائمة المواد التي قدمها للولايات المتحدة. في السياق نفسه، وبّخ كبير منسقي جهود الإغاثة "جون هولمز" مساعديه المقيمين في هايتي، لما وصفه باستجابتهم البطيئة لطلبات الحصول على الملاجئ المقدمة من المواطنين الذين يعيشون في عشرات من المعسكرات التي أقيمت على عجل منذ وقوع الزلزال الذي أدى إلى مصرع ما لا يقل عن 200 ألف شخص.
بعيداً عن الأخذ والرد بين كبار المسؤولين، تقول "إيكسانفيل" والعديدون من جيرانها، الذين يعيشون في ساحة "شا دو مارس" بوسط العاصمة، أن أهم ما يريدونه في الوقت الراهن وعلى عجل هي الخيام. ويلمح هؤلاء إلى أنه عندما يحين موسم سقوط الأمطار بالفعل في شهر مايو، فإن المطر الذي يتساقط عادة بشكل يومي في هذا الموسم، لن يجعلهم قادرين على العيش إلا بعد الحصول على ملاجئ مصنوعة من مواد لا ينفذ منها الماء.
ويُشار إلى أن الخيام قد تحولت إلى سلعه نادرة في ساحة" شا دو مارس"في الوقت الراهن كما يقول "جان - كلود زينيت" الذي اشتكى من أن أحد مواطنيه العاملين بإحدى منظمات الإغاثة، قد أخبره بأنه يتعين عليه دفع 700 دولار، إذا أراد أن يعيش في خيمة. ويشرح "زينيت" حقيقة الوضع بقوله: لقد تحول كل شيء إلى تجارة هنا... فإذا لم تكن تعرف شخصاً نافذاً، أو تدفع مبلغاً من المال، فلن تحصل على شيء".
يؤكد مسؤولو الإغاثة الدوليون أنهم عرفوا من واقع خبرتهم في مناطق الكوارث الطبيعية، أن القماش المتين المغطى بالبلاستيك، والذي يمكن تثبيته على عوارض خشبية أفضل، وأكثر عملية من الخيام التي تحتاج إلى مساحة كبيرة، ولا تصمد لفترة طويلة بما يكفي. ويؤكد هؤلاء أن القماش المغطى بالبلاستيك أرخص، ويمكن استخدامه فيما بعد لبناء "ملاجئ طوارئ دائمة" - وهو الاسم الذي يطلق على الملاجئ المقامة للسكان، الذين يتعرضون لكارثة طبيعية - يمكن لهؤلاء السكان الإقامة بها إلى أن يتم الانتهاء من بناء بيوتهم الدائمة المكونة من الخشب والخراسانة.
ويشار إلى أن "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" زودت الحكومة الهايتية بعدد من الخيام الكبيرة، التي يمكن استخدامها كملاجئ مؤقتة، أثناء عمليات البحث والإنقاذ التي أجرتها هايتي في أعقاب الزلزال مباشرة. وبعد ذلك أرسلت وكالات الإغاثة العالمية 7000 لفة من الأغطية البلاستيكية وهناك 5000 لفة أخرى ينتظر استلامها قبل نهاية فبراير الحالي. والحكومة الهايتية التي تتضاءل جهود الإغاثة والإيواء التي تقوم بها مقارنة بما تقوم به الوكالات الدولية، قالت على لسان" أساد فورسي" المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إنها مستعدة لقبول ملاجئ من أي نوع سواء كانت خياما مصنوعة من القماش المتين، أو من القماش المغطى بالبلاستيك والمزود بعارضات خشبية، وأن المهم بالنسبة لها هو وصول تلك المواد في أسرع وقت ممكن.
إلى ذلك، تعهد الرئيس الفرنسي في زيارة لهايتي استغرقت أربع ساعات بأن بلاده سترسل 1000 خيمة إضافية، بالإضافة إلى 16 ألف غطاء مشمع مكسو بالبلاستيك لتعزيز جهود الإغاثة والإيواء في هذا البلد المنكوب. من جانبه اقترح "بريفال" تصنيع الخيام في هايتي نفسها لتوفير فرص العمل بالإضافة لإيواء الهايتيين. في هذا السياق قامت شركتان محليتان بنصب نموذج لخيام أمام المقر المؤقت لقيادة "بريفال" بالقرب من المطار على أمل الفوز بعقد تصنيعها. وقالت مصادر حكومية إن هناك لجاناً متخصصة في الوزارات وغيرها من الأجهزة، ستعقد لاتخاذ قرارات بشأن الأماكن التي ستتم إقامة المنازل المؤقتة فيها، وهي عملية ستستغرق فترة لا تقل عن ستة شهور بحسب تلك المصادر.
لم يكن بمقدور العائلات المشردة بالطبع انتظار الجهود الرسمية، وإنما قامت بجمع كل ما استطاعت جمعه من مواد من المباني المدمرة، لبناء منازل عشوائية متداعية في ساحة "شا دو مارس" وغيرها من المواقع في العاصمة بورت - أو- برنس، تحصل على الكهرباء من خلال مد أسلاك عشوائية إلى أعمدة الإنارة في انتظار عودة شركة الكهرباء العمومية إلى العمل بشكل كامل مرة أخرى في القريب العاجل.
"هذا هو الوضع الذي أعيش فيه"... هذا ما قاله "نيكسون أليكسندر" الميكانيكي، الذي أقام منزلًا عشوائياً، وهو متمدد على أريكة داخل منزله المتداعي اتقاء لشمس الظهيرة الحارة. وأكد "اليكسندر" أن هذا ليس وضعه وحده وإنما وضع الهايتين جميعا".


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا