صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

راميتا نافاي: إنها جمهورية الرياء

من المثير للحيرة أننا حينما نبدأ قراءة «الحياة والكذب في طهران» لراميتا نافاي، الصادر مؤخرا بالفرنسية، لا نعرف إن كنا نقرأ رواية أو ريبورتاجاً. في نهاية الكتاب، تشرح نافاي كيف اشتغلت على تحقيقه. كشف سر الصنعة لا يقلل من قيمة الكتاب. عملت مؤلفة هذا الكتاب المكثف والعميق صحافية ومراسلة لـ «التايمز» اللندنية في طهران، تبلغ من العمر 43 عاماً. إيرانية نشأت في انجلترا، وعملت في العاصمة الإيرانية ما بين 2003 و2013.
كتابها بورتريه عن طهران وطهرانيي اليوم. يسرد الحياة تحت الديكتاتورية الدينية. يحيا الناس ويدبرون أمورهم وفق إمكانياتهم. ويتأتى أيضاً أن ينجح البعض في أعماله. ولكن الجميع يكذبون، ومن هنا كان عنوان الكتاب: الحياة والكذب في طهران.

حوار - ناتالي ليفيسال
يت ضمن الكتاب ثماني حكايات، وكل واحدة مبنية كقصة، ذات حبكة، توتر وفشل، أحياناً مفاجئ. نكتشف فيه حكايات الزواج المرتب، المخدرات والقنوات الفضائية الخارجية. كثير من الجنس أيضاً: «في طهران الجنس فعل تمرد. شكل من أشكال المقاومة. الوسيلة الوحيدة للجيل الجديد من أجل غزو فضاء الحرية». نلاقي طلاباً مهووسين بأفلام المؤلفين الفرنسيين وشباباً يائساً من الملالي يتحول إلى المسيحية أو الزرادشتية، مجازفين بحياتهم.
طهران راميتا نافاي عبارة عن صور، شاب يفتح حاسوبه ويدير موسيقى لراحة الموتى لموتسارت. عجوز أنيق يقابله لكي ينصت إلى الموسيقى الراقية التي تتهادى وسط الجلبة المدينية. نيران الفرح لشاهارد شانبه، طقس وثني لم تنجح السلطات بعد في منعه. حانة مشبوهة تقدم وجبات لحوم الخراف النافقة لزبائن من الموظفين، جوالون عائدون من جولاتهم السياحية وفتيات اتسعت حدقاتهن بفعل الاكستازي. ثم رائحة طهران اللاذعة، «مزيج من رائحة كريات المبيدات، الحشائش الجافة، الطين والبخور». وفي كل مكان، ارتباط الطهرانيين بمدينتهم، الدافئة، المتكافلة، الفضولية، وأحياناً المذلة. أمر مثير للدهشة، دوما أمر غريب، تراجيدي، وأحياناً خيالية.
لا تعرف راميتا نافاي إن كان سيسمح لها بالرجوع إلى طهران، بعد صدور هذا الكتاب. فيما يلي حوار معها في شقتها الكائنة بحي ويستبورن بارك في لندن.

ليس خيالاً
* إلى أي جنس أدبي ينتمي الكتاب الذي كتبتِه؟
** أقول إنه سرد - لاخيالي. بدأته كعمل صحافي. شرحت للناس أنني سوف أطرح عليهم بعض الأسئلة، حكوا لي حكاياتهم وذكروا لي أي الأجزاء التي لا يريدون كتاباتها. أمير، مثلا، لم يرد أن ألتقي بالقاضي الذي حكم على والديه بالإعدام، وأن يسامحه. بيد أنني لا أستطيع حكي الحكايات من دون مقابلة من كان قاضياً في المحاكم الثورية، ووقع على الكثير من أحكام الإعدام. انتهيت إلى مقابلة أحد القضاة المنتمين إلى الحرس القديم، والذي أصبح معارضاً للنظام، ووافق على الكلام. ثم، حينما بدأت الكتابة كانت فكرتي تتركز على أن يشعر القارئ بنفس إيران التي أشعر بها. الإيرانيون حكاءون كبار، يمتلكون حساً مسرحياً كبيراً. وددت أن يشعر القارئ أنه يسمع في هذه اللحظة أحد هؤلاء الحكائين، الذين يعيشون الشعر.

* نكتشف أن في طهران حياة جنسية قوية، وكثيراً من الرياء...
** حينما كنت هناك، في عام 2013، بدأ رجل دين الكلام إلى سائقي عن رحلاته إلى تايلاند برفقة «أصدقائه». شيء رهيب. يعرف جميع «بيوت اللهو» في تايلاند. قال: «حينما كنت هناك كنت في هيئة رجل عادي. لا أرتدي عمامتي، لا أريد أن أبدو كطالبان». في الواقع، كان غريب الأطوار. بعد أن استمعت إلى هذه الحكاية، طرحت السؤال على معارفي، واكتشفت كثيراً من حكايات السياحة الجنسية في تايلاند. بعد الاكتشاف: وضع التحول الجنسي، المقبول نوعاً ما عن الانحراف الجنسي، يرجع إلى فتوى شهيرة لآية الله خميني، صدرت في عام 1984، تجيز عملية التحول الجنسي. لماذا هذا التسامح؟ رأى الخميني أن رغبة تغيير الجنس مثل المرض، غرابة الطبيعة، شيء لا يمكننا ضبطه. على عكس الانحراف الجنسي الذي يعتبر فعلاً صامتاً، يختار مقترفه عمله. جعلت هذه الفتوى الخمينية تغيير الجنس عملاً سهلًا، سهلًا للغاية، كما قال البعض. فضلًا عن ذلك، تظل موضوع نقاش حتى اليوم. يؤكد بعض المتحولين جنسياً أنهم قاموا بهذه العملية تحت ضغط عائلاتهم التي كانت مستعدة لتقبل أي شيء إلا وجود منحرف جنسي وسطها.
* تتحدثين عن ظهور «السوبر بيمبو» في شوارع طهران.
** نرى «النمرات» أكثر فأكثر، نساء لهن مظهر نجمات أفلام «البورنو». من المثير النظر إلى هذا كصورة عن تطور المجتمع الإيراني. حينما بدأت عملي في إيران، في عام 2003، لم أر هذه الفتيات في الأحياء الشعبية بجنوب طهران. اليوم، إنهن موجودات في كل المدينة. المجتمع انفتح، ببطء، ولكنه ينفتح. على الأرجح يتم مضايقة هؤلاء النساء في جنوب المدينة، ولكنهن يستطعن المشي في الشارع، ويتفرغن لأعمالهن. معظمهن متحدرات من الطبقة الوسطى، متأثرات بالتلفاز والقنوات الفضائية. يعشق الإيرانيون مسلسلات الصابون التركية والقنوات الفضائية المذاعة بالفارسية من لوس أنجلوس أو بريطانيا. قناة «مانوتو»، مثلاً، اشترت حلقات بريطانية مثل «تعال للعشاء معي» أو «اكس فاكتور». الترجمة للفارسية تتم من قبل إيرانيين يقيمون في بريطانيا. هناك برنامج «جوجوش فيم أكاديمي»، وتقوم بالدور الرئيسي، جوجوش، أكبر نجمة إيرانية. «مانوتو» بثت كل البرامج التافهة التي يعشقها الناس والقادرة على إضعاف الذهن.

الأنوف المكسورة
* هناك علامة أخرى كلية الوجود: الأنوف المكسورة. لدى الرجال كما النساء على حد سواء.
** غير معقول، أليس كذلك؟ دوماً، أصاب بالصدمة حينما أرى إيرانيين، وعلى وجه الخصوص النساء، بأنوف قوية. حقاً، هذه صفة من صفات الشخصية. الشابة التي أتحدث عنها في كتابي قاومت لسنوات الضغوط العائلية. والداها قالا لها إن أحداً لن ينظر إليها، ولن تستطيع أبداً الزواج. قاومت. لماذا نجد الكثير من الأنوف المكسورة؟ امرأة قالت لي وهي تحيط وجهها بالإبهام والسبابة: «انظري، كل ما لدينا في هذا البلد، هو ذا، والباقي مخفي. وبالتالي، نريد أن نتأكد من أن يكون جميلاً قدر الإمكان». يتحدثون عن النساء – والرجال – الذين يتمشون وهم يجبسون أنفهم لكي يثيروا الاعتقاد بأنهم قاموا بعملية، حتى وإن لم تكن هناك عملية. لأن الأنف المكسورة علامة عن الوضع الاجتماعي. مما يعني أنك تملك الوسائل. في الواقع أجده مؤثراً. في بريطانيا، الجراح التجميلي تابو يخفي الناس وجوده. في ايران صرحاء مع وجودهم. هناك شيء من الجدية الغريبة. تقر النساء علانية بأنهن قمن بالعملية لكي «يحسن من ظروف الزواج». بالنسبة للرجال... الاستهلاك التفاخري مشكلة حقيقية في إيران. كما لدى كثير من الشباب في الغرب، يريد الإيرانيون «أشياء»، ساعة باهظة الثمن، سيارة... ربما أن هذه المظاهر الاستهلاكية للثراء ظاهرة خاصة في بلاد نامية. هذه الحاجة بوضع حاجز عن الناس الذين يقلون مرتبة عنك، وتوضيح نجاحك لهم.
* كان، ولي عصر، الطريق الذي يربط بين الشمال الثري والجنوب الفقير في طهران كما عمود فقري في سردك.
** إذا سألت اللندنيين عن أي الشوارع يفضلونها، كل واحد منهم يمنحك إجابة مختلفة. إذا سألت الطهرانيين نفس السؤال، يجيبك تسعة أعشارهم: ولي عصر. هذا الطريق مثل الحبيبة، الناس يجدون فيه ما يعجبهم أو ما يساعدهم على التعبير. هنا يغنون ويرقصون بعد مباريات الكرة. وهنا أيضاً جرت مظاهرات 2009 الكبيرة المناهضة للنظام. بالنسبة للقادمين من الأقاليم، ولى عصر الصورة الأولى لطهران. أحب الطبيعة المساواتية (من مساواة) لهذا الطريق. أنيق وثري في الأعلى. شعبي للغاية في الأسفل. ولكنه ينتمي إلى الناس جميعاً الذين يتنزهون في ظل أشجاره العملاقة. لدي الكثير من الحكايات عن ولي عصر، ولكنني تركتها جانباً لأنني لم أرد إضافتها. أمير، مثلا، يتنزه على طوال الطريق مرتين كل عام رفقة «آيبوده»، أحياناً بصحبة أصدقائه. بالنسبة للعام الجديد، في اللحظة التي يزور الناس عائلاتهم، يقوم بهذه النزهة كتحية لوالديه. ومرة أخرى، في ذكرى إعدام والده ووالدته. إنه من شيراز، وأولى ذكرياته في طهران، كان والده يحمله على كتفيه، وهما يرافقانه إلى مسرح ولي عصر.

سرّ العنوان
* لماذا هذا العنوان: الحياة والكذب في طهران؟
** لأنني كنت مندهشة من كذب الإيرانيين. الجميع يكذبون. تحدثت عن ذلك الأمر مع أصدقائي ومع الجميع. إنه أكثر الموضوعات التي يتحدث الإيرانيون عنها، وهم واعون بذلك ويحبون الكلام عنه. مما يعني أنه موضوع حي. أنا إيرانية ولا أريد القول إننا كذابون بالفطرة. ولكن الكذب اجتاح حياتنا أكثر مما جرى في أي بلد آخر، لأننا لم نجبر عليه. لدينا الكثير من الموضوعات التي تستدعي الكذب. يقوم الناس بأعمال كثيرة لتبيين سمتهم الورعة، لأنه يحقق المكاسب. للحصول على وظيفة مثلاً، من الأفضل أن يكون المرء ورعاً. ولهذا يقوم البعض بادعاء الصلاة وقت الظهيرة. وإذا لم يكن أحد يعرف الآية، يتمتم، إنه الكذب. امرأة تكذب على الرجل الذي بجانبها في السيارة، يكذب الناس حول الخمر، المخدرات، العذرية... قال البعض لي إن الكذب تغلغل في حياتهم إلى حد أنهم يكذبون حينما لا يستدعي الأمر ذلك. ولكن هناك مفارقة، الإيرانيون مهووسون بأن يكونوا جادين مع أنفسهم. يسعون إلى تحقيق نمط الحياة الذي يناسبهم. يقومون بكل شيء طالما تمكنوا من هجر الكذب. أرى توفر الشعر والجمال فيه. لا يتركون أنفسهم يتحطمون. يستمرون في الشرب، الرقص. الاحتفال وممارسة الحب.

(*)Natalie Levisalles، Rencontre avec Ramita Navai، autour de ses portraits d’Iraniens، Libération، 22 avril 2015.
(**) الكتاب:
Ramita Navai Vivre et mentir à Téhéran Traduit de l’anglais par Cécile Dutheil de la Rochère، Stock، 348 pp.

اخترت هذا العنوان لأنني كنت مندهشة من كذب الإيرانيين..لا أريد القول إننا كذابون بالفطرة ولكن الكذب اجتاح حياتنا أكثر مما جرى في أي بلد آخر.

حكاية فريدة
فريدة إحدى حكايات الكتاب المؤثرة، بورجوازية إنسانية وعلمانية، معارضة للنظام، بيد أنها لا تستطيع مغادرة البلاد. بعد أن أمضت شهرين في لندن، لم تستطع البقاء فيها، ورجعت إلى طهران. تمضي وقتها «أمام مناضد فواكه الخريف الصفراء والبرتقالية اللون: الليمون، السفرجل، الكاكي. كل هذه الفوضى، هذه الجلبة، رائحة لحم الضأن المشوي على الفحم، أشجار التوت والياسمين، الغبار... لم تتخيل أبدا العيش في أي مكان آخر».