صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

جلفار.. مَهدُنا الأول

أين ذهبت جلفار؟!
مذ وعينا على طينها والأمواج تأكلها ببطء. الزمن يخلع تلك الأصداف الأحفورية ومنابت المحار وعظام المدافن القديمة، راسماً مكانها خطوات الحداثة الأولى على الساحل. صارت جلفار عالقة بالخرافات وأنصاف الحكايات المبتورة، نصفها المهجور يتلاشى من الذاكرة الشحيحة للآباء، يغرق في عروق كتب التاريخ المرتبكة في البحث عن منابعها الأصلية، ويضيع الكثير منها ويتلاشى في ظل الإهمال الملحوظ.
بيتنا الذي في جلفار، صخبنا الأخضر على المد العفوي لحقول أشجار القرم.. سباحتنا الحرّة في خريطة الماء الذي خلنا أنه بلا حدود..
التيار الذي ابتلع خمسة أولاد في صباح يوم واحد..
والموج الغاضب الذي أغرق قارب عمي ذات شتاء، وردم بقايا جدار جارنا الفقير..
وجرّة الذهب التي طفت على الشاطئ قرب بيت الشيخ عبد السلام، فبنى من الذهب مخبزاً للقرية، وحين ذاع السّر اختفى عبد السلام، واختفى المخبز، والقرية بأكملها، ونهض السياج على جلفار.
الخزفيات والأواني وعظام الموتى المخنوقة بالطين والتي تنقّبها الأمطار ونتعثر بها أثناء اللعب، نلتقطها بشغف من بِرك البحر بعد الجزر، بدهشة نتأمل لمعانها في الشمس، ببراءة نقذفها مجدداً للجة الخليج وأسماكه، ونعاود الركض في الهواء، يجرفنا طيش الطفولة، ونرزح عند الغروب إلى البيوت تحت وطأة الجوع، تشبعنا جلفار بأمطارها وأسماكها ورطب نخيلها الصامد فوق الملح، ودفء جدرانها الصامتة بالوقار والكبرياء.

أين ذهبت جلفار؟
لماذا توقف التنقيب والبحث عنها؟
لا زلنا نتشبث بالاسم القديم كرمز على وجود جلفار، نحفظ المكان وأحجاره ورائحة الطين، ولا نعرف إن كان هذا الاسم العريق هو مؤشر لأن نبدأ من كل شيء قديم، فأبناء جلفار تراهم يعشقون السير في الماضي أكثر من الحاضر، يفكرون برؤوس الأجداد ويسيرون بمحاذاة أرواحهم على الشاطئ المهجور، حيث الحنين الغامض يسكب موجات تنحت الروح الهائمة، إلى حد التلاشي بحب وارتواء بعيد في أعماق الخليج.
أشرعة البيوت الساحلية تبصر من بعيد مُزناً محملة بغابات مطرية، وفي أفق المياه البعيدة تسبح نحو جلفار الكثير من النوارس مبشرة الخليج بقدوم فصل الشتاء، والموج يناغي الساحل بنغمة هادئة تعبث بالأفكار والذهن الشارد وتشرح النفس.
ليست الأرض كلها واحدة في رائحة الرّواء، مثلما ليست كل روائح الطين واحدة.
يقول الجد الأكبر في جلفار: «حين تعطش جلفار وينتشر فيها غمام الغيث أخيراً، ويقرر الله سقيها من جديد، يظن الموتى تحتها بأن إسرافيل قد نفخ أخيراً في البوق، وحان ميعاد إيقاظهم من سباتهم الطويل».
جلفار هي الأرض التي تعطش وتفطر برائحة خاصة جداً، لها طعم ولادة وموت.
وجه الغيوم يبلل جوف الأرض، السماء تغسل التل الساحلي، المطر يستغرق في التنقيب بين ثقوب ذاكرة مهملة على الرمال الرطبة، وحده المطر ينقّب ويعرّي كل شيء ويقلب الأرض، فتبرق في الطين الساحلي عبر الشمس انعكاسات وميض بقايا الخزفيات وكسر الجِرار والأواني الفخارية الملونة، وأحافير المحار وعظام الأسماك وحجارة المدافن القديمة، وتبرق وقع خطواتنا القديمة.. وتستفيق الروح على الحنين.

البحث عن جلفار
في عام 1974 ضُرِب المعول الأول في موقع جلفار، على يد هيئة الآثار العراقية التي كان يرأسها الدكتور منير يوسف طه، واستمرت أعمال التنقيب المتواصلة ما يقارب خمسة أشهر، وتحت فيض الذهول والفرح انكشفت أطلال مدينة كبرى عريقة في التاريخ، غنية بالمعالم البنائية واللقى الأثرية والمخلفات الحضارية التي لعبت دوراً هاماً إبان القرون الممتدة من بدايات العصر الإسلامي المبكر وحتى العصور التاريخية المتأخرة بالنظام التجاري الذي كان سائداً في دولة الإمارات على وجه الخصوص وفي عموم منطقة الخليج.
إلا أن ذلك الموقع الأثري يكاد يرزح تحت وطأة الزحف العمراني العشوائي الهائل والذي يشمل جميع حدوده المتآكلة الأجزاء جرّاء أمواج الخليج العربي وتياراته العنيفة.
ذلك الموقع التاريخي (جلفار)/ (المطاف أو الدّربحانية) في إمارة رأس الخيمة الحديثة يعد من بين أقدم المواقع التاريخية التي خلفها الأسلاف، ويعتبر واحداً من عشرات المواقع التي تزخر بها دولة الإمارات، والتي تحكي طبقاتها الحضارية المتتالية سفر المسيرة التاريخية التي مرت بها هذه المنطقة عبر العصور، والتي بات يتطلع إليها الكثير من العاملين في حقل الآثار بكل احترام ووقار، وبالتالي تم وصفها في الكثير من المصادر العربية والأجنبية، والمصادر الأخيرة قد بدأت بالظهور مع بدايات القرن السادس عشر الميلادي.
مؤسف جداً أن أعقب عمليات التنقيب تلك صمت مطبق وعميق استمر لعشرين عاماً، دون أن يتطلع أحد من الباحثين أو الدارسين أو حتى قارئ ما لسبر مساراتها الحقيقية، إلى أن قرر بعدها رئيس الهيئة الدكتور منير طه كتابة تقرير علمي مكثف ومختصر لعمليات التنقيب ونتائج تلك المسوحات الأثرية والكشوفات الموقعية، ثم أفرز كل ذلك بشكل مفصل وموسع يسرد فيه بطريقة مشوقة عن كل مراحل التنقيب في كتاب تاريخي أسماه «البحث عن جلفار» 2004م.
في كتابه هذا، يعرب الباحث وخبير الآثار الدكتور منير طه عن حسرته العميقة من أمر ترك أطلال هذه المدينة العتيقة عرضة للزحف العمراني الهائل، وللتآكل تحت ضربات أمواج الخليج، فمغبة ذلك أن تضيع الفرص أمام الباحثين والدارسين المتشوقين للوقوف طويلاً على أبعاد هذه المدينة، والتي تعتبر من أقدم المدن التي قارعت كل التحديات، وصمدت بكل قواها أمام التيارات، إلى أن تم هجرُها في نهايات القرن التاسع عشر لتحل محلها مدينة لا تقل عنها عطاءً ألا وهي مدينة رأس الخيمة القديمة بمضامينها، والحديثة بأبعادها.
(أثناء تتبعنا لامتدادات الموقع لاحظنا أن منطقة معيريض قد أقيمت على جزء كبير من منطقة الدربحانية الأثرية، وعند الاستفسار عن كيفية بناء تلك البيوت فوق أنقاض مدينة جلفار التاريخية، تبين لنا أنها أقيمت بطرق غير أصولية!).
على أي حال، ذهبنا مع بعض من سكان المعيريض للكشف عن مواقع أو تلال لها مدلولات أثرية كبيرة، وبينما كنا نسير ونتجاذب أطراف الحديث أخبرنا أحدهم بأن الموقع الذي نحن فيه الآن يُدعى (الندود)، وعند الاستفسار عن هذه التسمية أجاب: لكثرة التلال المنتشرة على سطحه. و(النّد) باللهجة المحلية في دولة الإمارات وفي مناطق أخرى من دول الخليج تعني (التل).
وبعد خطوات التفتُ إلى من كان قريباً مني، وسألته عن اسم المنطقة التي نقف عليها الآن.
أجاب بكل وقار: الدّربحانية.
قلت: الدّربحانية؟ وأين المطاف إذاً؟
وهنا أشار بسبابته اليمنى: إنها هناك في اتجاه الشمال، أنظر إلى (الندود) أو بالأحرى التلال العالية هناك.. تلك هي المطاف.
قاطعته: إذاً الدربحانية جزء من المطاف.
أجل إنها جزء من المطاف. ثم أردف قائلاً: في واقع الحال هما تسميتان لمنطقة واحدة تمتد على مدى البصر.. تبدأ من هنا (وأشار إلى موطئ قدميه)، وتمتد شمالاً إلى ما لانهاية.
ومعنى اللانهاية هنا تعبير مجازي يعني وبكل وضوح سعة الموقع وامتداداته على طول ساحل الخليج العربي). (1)

إذاً في هذه الحالة يتكون عموم المستوطن القديم لجلفار التاريخية من ثلاثة أقسام هي من الشمال إلى الجنوب: منطقة المطاف، منطقة الندود، ومنطقة الدربحانية.

جلفار وعصور ما قبل التاريخ
تاريخ جلفار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحضارات التي قامت في شبه الجزيرة العربية ما قبل التاريخ وبالتحديد في عمان، ففي تقرير أعدته جمعية علم البيئة سنة 1978 والذي أهدته لصاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي تأتي فيه على ذكر مختصر، لمجموعة من بقايا كائنات عاشت في بر الإمارات في أزمنة مختلفة منذ (العصر الترياسي) أي قبل 225 مليون سنة، إلى العصر الأوليجوسي قبل 38 مليون سنة وقد تكونت أغلبها في العصر الطباشيري.
وأكدت الجمعية أيضاً في تقريرها أن الإمارات كانت في العصور التاريخية تصدر النحاس والأحجار النارية (ديورايت) والحجر الصابوني إلى بلاد ما بين النهرين، وكان ذلك منذ أربعة آلاف سنة على الأقل.

أصل تسمية «جلفار»
(جُلْفار) بضم الجيم وسكون اللام، ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان، فقال (جُرفار) وهي من المدن المخصبة وتسمى جلفار.
وأوضح المؤرخ والباحث فالح حنظل في كتابه (مدينة جلفار في التاريخ) أن جلفار كانت أحياناً تسمى ب (الصير)، وكلمة صير تعني النسب أو السلالة، وقيل بأن الصير لفظ يطلق على المرتفع الصخري من الأرض، كما أن كلمة صير تعني البرج في القلعة، وقديماً سميت رأس الخيمة ب (صير الجواسم). (2)
وذكر مايلز في كتابه (الخليج، بلدان وقبائل) أن جلفار اسم أطلقه الفرس على هذه المنطقة عندما سيطروا عليها – ويقصد إمارة رأس الخيمة كاملة -، أما العرب فقد كانوا يسمونها (السر) وبعد طرد الفرس سنة 1747م سميت برأس الخيمة.
وهكذا تعددت المصادر حول أصل تسمية جلفار، غير أن آخر تلك المصادر التي وردت إلينا كانت عبر ما ذهب إليه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في اتصال سموه هاتفياً مع برنامج البث المباشر لإذاعة وتلفزيون الشارقة في تاريخ 22/ مايو/ 2013... قائلاً:
«في عام 1959 زرت أصفهان، ورأيت جسراً مركباً من عدة جسور تصل بين أصفهان وجلفار، وشاهدتُ كنيسة كبيرة وقبة ذهبية، كما أن إحدى قبائل المغول احتلت تلك المنطقة في إيران، فهرب منها مسيحيون أرمن من بلاد فارس إلى ذلك المكان المسمى بجلفار الذي يقع الآن في رأس الخيمة، وأسسه الأرمن بعدما هربوا من أصفهان خوفاً من زحف المغول».
وكما هو معلوم في حركة الهجرة أن القبائل المهاجرة كانت تنقل اسم مدنها إلى الأماكن الجديدة التي تهاجر إليها.
وأضاف سموه: «هناك منطقة في رأس الخيمة تسمى الندود الرملية، وهي ما تسمى جلفار القديمة، وهي ما بين منطقتي المعيريض والمطاف، وهذا ما ذكرته في كتاب سرد الذات، كما أن جلفار منقولة من اسم جلفار في أصفهان على نهر يسمى زايند ايرد، في الفترة ما قبل القرن الرابع عشر».
وأكد سموه أن جلفار اسم أرمني وليس عربياً، مضيفاً: في سنة 1947 كان المغفور له الشيخ سلطان بن سالم، يحكم رأس الخيمة، وضربت عاصفة شديدة المنطقة، وكُشفت سطوح الندود، وظهرت تحتها منازل سارع إليها الناس وأخذوا منها الذهب والآنية الفضية، وفي أيام الشيخ صقر بن محمد وصلت بعثة عراقية للتنقيب في مليحة وجلفار، استخرجت البعثة بعض الآثار، وحددت العمر الزمني لها، ثم أكدت أنها لم تجد أثراً لكنائس، في حين أنها وجدت آثاراً لمساجد.

(1) البحث عن جلفار/ د. منير يوسف طه. ص: 24
(2) عبد الله علي الطابور/ جلفار عبر التاريخ
تمت الاستعانة في إنجاز هذا النص بكل من: متحف رأس الخيمة الوطني، متحف العين الوطني، مركز رأس الخيمة للدراسات والوثائق.

سرّ جلفار في فُخّارها
يعتبر الموقع التاريخي (جلفار) الذي يعرف باسم (المطاف أو الدّربحانية) في إمارة رأس الخيمة الحديثة، من بين أقدم المواقع التاريخية التي خلفها الأسلاف، وهو واحد من عشرات المواقع التي تزخر بها دولة الإمارات، والتي تحكي طبقاتها الحضارية المتتالية وفخارها سفر المسيرة التاريخية التي مرت بها هذه المنطقة عبر العصور، والتي بات يتطلع إليها الكثير من العاملين في حقل الآثار بكل احترام ووقار، وبالتالي تم وصفها في الكثير من المصادر العربية والأجنبية، والمصادر الأخيرة قد بدأت بالظهور مع بدايات القرن السادس عشر الميلادي.

دعوة لليقظة
يقول الجد الأكبر في جلفار:
«حين تعطش جلفار وينتشر فيها غمام الغيث أخيراً، ويقرر الله سقيها من جديد، يظن الموتى تحتها بأن إسرافيل قد نفخ أخيراً في البوق، وحان ميعاد إيقاظهم من سباتهم الطويل».

تسمية أرمنيّة
تعددت الآراء في أصل تسمية جلفار بهذا الاسم، ويذهب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة إلى أن اسم جلفار اسم أرمني وليس عربياً، وفي اتصال لسموه هاتفياً مع برنامج البث المباشر لإذاعة وتلفزيون الشارقة في تاريخ 22/ مايو/ 2013... قال:
«في عام 1959 زرت أصفهان، ورأيت جسراً مركباً من عدة جسور تصل بين أصفهان وجلفار، وشاهدتُ كنيسة كبيرة وقبة ذهبية. وقد احتلت إحدى قبائل المغول تلك المنطقة في إيران، فهرب منها مسيحيون أرمن من بلاد فارس إلى ذلك المكان المسمى بجلفار الذي يقع الآن في رأس الخيمة، وأسسه الأرمن بعدما هربوا من أصفهان خوفاً من زحف المغول».

صير الجواسم
أوضح المؤرخ والباحث فالح حنظل في كتابه «مدينة جلفار في التاريخ» أن جلفار كانت أحياناً تسمى بـ (الصير)، وكلمة صير تعني النسب أو السلالة، وقيل بأن الصير لفظ يطلق على المرتفع الصخري من الأرض، كما أن كلمة صير تعني البرج في القلعة، وقديماً سميت رأس الخيمة بـ (صير الجواسم).