صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أوروبا.. أنياب المكارثية

لك أن تعتبر المشهد مأساة ويمكنك أن تعده ملهاة، غير أنه وفي كل الأحوال يدمي القلب، فالأطفال الصغار والشيوخ الكبار، عطفا على النساء الهاربات من نار الحرب الأهلية، باتوا عرضة لأمطار وثلوج الشتاء القارس على أبواب أوروبا من جهة، وطريدة للمتطرفين اليمينيين الأوروبيين من جهة ثانية.
«دياسبورا» لم يعرفها التاريخ العربي من قبل، فقد كانت دول العالم العربي من قبل مراكز جاذبة للمهاجرين، لا طاردة لأبنائها، لكن يبدو أن الاستحقاقات والتبعات الآثمة للربيع العربي المغشوش، باتت تظهر بأبشع صورها في ملامح المهاجرين واللاجئين العرب، وبعد أن كان العرب فاتحين ذات يوم، أضحوا مهانين ومطرودين، يسعى وراءهم أعداؤهم كعصفور مجاني، ويهلكون في جب الغربة حياتهم.

تقرع الأمم المتحدة ناقوس الخطر هذه الأيام بعد تزايد تدفق اللاجئين إلى أوروبا، سيما مع اقتراب فصل الشتاء، وفى الوقت عينه تعلي الدول الأوروبية من جدرانها وتقوي من سياجاتها الحديدية، لمنع «بؤساء العصر» من الدخول إلى أراضيها، والآلاف منهم ينتظرون على أحر من الجمر في الجزر المحيطة بأوروبا.
خذ ما تقوم به المجر بنوع خاص، والتي ترفض استقبال 40 ألف لاجئ تخطط دول أوروبية لإعادتهم إليها. أما النمسا فتعتزم بناء سياج على حدودها مع سلوفينيا للسيطرة على تدفق المهاجرين واللاجئين، وهو ما يعد سابقة بين دولتين أوروبيتين داخل منطقة الشنغن، والتي يفترض أن تكون خالية من الحدود ويكون التنقل بحرية بين بلدانها، لكنه الخوف من الآخر، الذي قال عنه «جان بول سارتر» إنه «الجحيم».
عدوى الجدران التي تعكس ما في قلب قادة أوروبا اليوم تنعكس في تصريحات رئيس الوزراء السلوفيني «مليو سيزار» الذي يؤكد أن بلاده «سبق وأعدت سيناريو مشابهاً منذ وقت طويل»، وأن حكومته «مستعدة لبناء سياج، على حدودها مع كرواتيا في اقرب وقت تراه ضروريا».
القلوب الأوروبية باتت أقسى من الصخر تجاه الفارين من جحيم العذاب ونار الحروب الطائفية في الشرق الأوسط، هذا ما يتضح في الرسالة المفتوحة إلى اللاجئين، والتي وقعها كاتب الدولة الهولندي في وزارتي الأمن والعدل «دايكوف كلاس» وفيها يحذر الراغبين في تقديم طلب اللجوء للأراضي الهولندية، من الظروف القاسية التي تنتظرهم فيها.
هل هذه هي أوروبا الإنسانية والتنوير والدفاع عن الحريات؟ ألم تقم دولة أوروبية واحدة «ألمانيا الغربية» باستيعاب دولة أوروبية أخرى «ألمانيا الشرقية» بكامل ملايينها، واليوم تعجز عن احتضان عدة مئات من الآلاف المذعورة الباحثة عن حق الحياة لا رفاهية العيش؟ ماذا جرى لأوروبا؟ هل هي صحوة العنصرية السياسية والطائفية أم الخوف من صراع القوميات ومعارك العرقيات أن يمتد إلى القلب الأوروبي؟
الأسئلة كثيرة، وتحتاج إلى مؤلفات بعينها، غير أنه، فلسفياً، تبقى الأسئلة أهم من الأجوبة، فالأخيرة تقودنا إلى رؤية واحدة فيما الأولى تفتح أمام الأذهان مجالات كثيرة للتفكير.

أزمة أخلاقية أم سياسية؟
يعنّ لنا بداية أن نتساءل هل ما نراه من طريقة تعاطي بعض دول أوروبا مع اللاجئين والمهاجرين يتحدد على أسس تراث أوروبا الإنساني أم وفقا للخطاب العنصري اليميني، الذي بات متفشيا فيها اليوم من جديد، وبعد سبعة عقود من الخلاص من النازية والفاشية البغيضتين؟
الجواب باختصار غير مخل، هو انه حال نظر الأوروبيون إلى اللاجئين بعين الإنسانية والتنوير الأوروبيين فإنهم أمام مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى، ولعل ألمانيا هي صاحبة الباع والذراع الطويلة، في هذا المضمار، وفقا لفلسفة «إيمانويل كانط» والمعروف بأنه «الرجل الهبة» أي الهبة العظيمة للبشر، ومفاد رؤيته أن الإنسان غاية في حد ذاته، ولا ينبغي التعامل معه بمنطلق الربح الاقتصادي الذي أدى لاحقاً إلى تسليع الانسان.
لم تتوقف الرؤى التنويرية الأوروبية في ألمانيا عند حدود «كانط»، بل تجاوزتها إلى حملة مصابيح التنوير من رجالات العصر الحديث، فمؤخراً تحدث البروفيسور «يورغن هابرماس» الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني الشهير، عن حق اللجوء، وكيف انه حق أصيل ضمن حقوق الانسان، وأن كل من يتقدم بطلب لجوء سياسي ينبغي أن يعامل بإنصاف، وأن يستقبل، مع كل ما يترتب على ذلك استقبالا إنسانياً وآدميا.
رؤية هابرماس في واقع الأمر إنسانية مرنة تتجاوز ضيق أفق المتعصبين من اليمينيين الذين يرون استحالة اندماج اولئك المهاجرين في الحياة الأوروبية، إذ يذهب إلى أن هناك أساسا مشتركا يجب أن يقوم عليه الاندماج ألا وهو الدستور، غير أن المبادئ لديه ليست منقوشة على الحجر، بل يجب طرحها ضمن نقاش ديمقراطي واسع، يحتمل الجديد الوافد.

اليمين الرافض
يصعب على المرء أن يحيط في المساحة المتاحة للكتابة بكافة المواقف الأوروبية من التيار اليميني المتعصب الرافض للآخر، والذين يعتبرون «الهاربين من الجحيم» عاملاً مثبطاً، وأداة لتفكيك الاتحاد الأوروبي، عبر زرع هويات غير أوروبية في أرض لا حق لهم في العيش عليها أو الاستفادة من خيراتها، وهي نظرة قائمة قبل الأزمة السورية بسنوات طوال وجاءت الإشكالية الأخيرة لتزيد من اشتعال النيران.
عدة مشاهد توضح لنا كيف باتت القضية لعبة بين يدي سياسيّي أوروبا لتحقيق مصالح سياسية وإنجاز غايات آنية تتصل بالأحزاب والمؤسسات، بل وبالأشخاص... هل أتاك حديث نيكولا ساركوزي مؤخراً؟
في منتصف سبتمبر الماضي، دعا ساركوزي اللاجئين السوريين إلى التفكير من الآن في العودة إلى بلادهم، وذلك بمجرد أن تضع الحرب الأهلية هناك أوزارها.. لمصلحة من يطلق ساركوزي هذا النداء؟
بالقطع لصالحه هو سيما وأنه يخطط للترشح لانتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة في 2017، وهو بذلك يغازل اليمين المتطرف هناك بل حتى يمين الوسط إن جاز التصنيف، وعنده في كل الأحوال انه: «لا مجال لتحويل اللاجئ إلى مقيم دائم ومستقر في الدول الأوروبية أو توطينه فيها».... هل كان ساركوزي يخشى أن يزايد عليه أحد بخصوص القضية عينها؟
حكماً إنما كان يفعل ذلك حتى لا يترك فرصة لمنافسته الأشرس «ماريان لوبان»، زعيمة الجبهة اليمينية صاحبة الموقف الأكثر أصولية تجاه المهاجرين، القديم منهم والجديد، ولعل سبب قلق ساركوزي، هو أن استطلاعات الرأي التي جرت مؤخراً توضح أن ماريان لوبان يمكنها أن تفوز عليه في الانتخابات المقبلة وبنسبة تتجاوز 32%.
ولعل المعضلة الرئيسية في طروحات «ماريان لوبان» هي انها باتت تجد لها صدى عند شريحة واسعة من الفرنسيين فشباب الجبهة الوطنية الفرنسية – مثلاً – لم يعودوا في عيون الفرنسيين متطرفين، بل باتوا يعيدون تقديم خطاب المواقف القومية في صورة خطاب معتدل... ما يعني في كل الأحوال تقليص فرص التعايش أو الاندماج مع اللاجئين من دول الشرق الأوسط الإسلامي بنوع خاص... هل كلمة الإسلام هذه بدورها تقودنا إلى جانب آخر من جوانب أزمة المهاجرين، يتصل بالرؤى العقائدية والدوغمائية وكيف أنها اليوم تلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً في أزمة أوروبا المعاصرة تجاه اللاجئين والتي يراها البعض هناك أخطر من سقوط سور برلين، وتفكك عقد دول أوروبا الشرقية غداة انفصالها عن فلك الاتحاد السوفييتي، أوائل تسعينيات القرن المنصرم؟

الغزو الإسلامي المزعوم
يتساءل البعض في الداخل الأوروبي من دون أدنى حسن نية اليوم عما يجري وهل الأمر معد ومرتب له لكي يكون بمثابة غزو إسلامي لأوروبا ذات التقاليد والجذور المسيحية والتي عرفت ذات مرة فتحاً إسلامياً للأندلس دام مئات السنين ووصل إلى أبواب فرنسا، كما أن روما القديمة لها ذكريات معارك مع الدولة العثمانية، وهناك من يعمل على إحياء آمال الخلافة الإسلامية، كما تفعل داعش مؤخراً؟
كان أول من فجر هذا الجدل غير المحمود «فيكتور أوربان»، رئيس الوزراء المجري الذي رفض السماح للمهاجرين بالعبور إلى ألمانيا عبر بلاده دون تسجيل أنفسهم حسبما تنص عليه اتفاقية «دبلن»، مشيراً إلى أن «غالبية هؤلاء اللاجئين من غير المسيحيين يمثلون ثقافة مختلفة في العمق، وهي مسألة تمس جذور الهوية الأوروبية». لم يتوقف حديث «أوربان» عند هذا الشأن بل تخطاه للتنظير الديني، إذ يكمل قائلاً: «أليس من المقلق أن الثقافة المسيحية في أوروبا لم تعد قادرة على إبقاء أوروبا في نظام القيم المسيحية أصلاً»، وكأن لسان حاله يتساءل: «كيف سيكون الأمر حال استقبال مئات الآلاف الجدد من المسلمين العرب والشرق أوسطيين، حيث الأصوليات المتصاعدة والراديكاليات المتناحرة؟».
بعض القراءات الأوروبية الحديثة تثير مخاوف الأوروبيين في هذا الشأن وفي المقدمة منها رؤى «كريستوفر كالدويل» مؤلف كتاب «خواطر حول الثورة في أوروبا: الهجرة والإسلام والغرب»، وعنده أن الأجيال الجديدة من المهاجرين قد تكون أكثر تمسكاً بدينها وتراثها، بل وأيضاً أكثر قوة وتماسكاً بالنظر للتهميش الاجتماعي وهبوط معدلات المواليد الأوروبية.
تحمل بضعة سطور من الكتاب فلسفة السم في العسل يقول: «لا يمكننا الخلط بين المسلمين والإرهابيين، ولكن من الواضح أن المسلمين لا يملكون الوسائل، ولا الدافع، ولا الشجاعة، للوقوف بوجه تلك الشريحة الصغيرة من الإرهابيين، ونحن نرى بين الحين والآخر في الحقيقة نوعا من الفخر بأفعالهم، كما حدث مثلا عام 2012، حين قتلت الشرطة مسلماً في مدينة تولوز الفرنسية، بعد أن هدد ضباطا فرنسيين وطلاباً يهوداً بالسلاح، ليخرج علينا أخوه ويقول إنه فخور به»... من يرحب اذن بالمسلمين في أوروبا بعد التلويح بفزاعة البرابرة الجدد كما يقول الفيلسوف البلغاري الأصل الفرنسي الجنسية تزفيتان تودروف؟
هل بدأت «المكارثية الأوروبية» من اللاجئين والمهاجرين تؤتي أكلها على الأرض في قارة كانط وهيجل وزولا وهوغو وديكارت وفولتير وروسو وغيرهم من رموز الإشراق والتنوير الأوروبي؟
من أسف شديد، أن الأمر هو حقاً على هذا النحو، فقد جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية في بولندا كأول ردة فعل على «الديالكتيك الجدلى»، غير البناء، الذي يسود أوروبا اليوم حول «المهاجرين الجدد»، فقد فاز حزب «القانون والعدالة» بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية. وقد لعب «ياروسلاف كاتشينسكي»، زعيم الحزب، على وتر خوف المجتمع البولندي الكاثوليكي المحافظ من المسلمين، وصرح مراراً بأن المهاجرين المسلمين «يحملون الأمراض ويجلبونها إلى أوروبا»، وقال في إحدى المناظرات التليفزيونية: «إن الكوليرا والزهار وأنواعا أخرى من الطفيليات، التي لا تشكل خطراً على أجسام هؤلاء الأشخاص قد تكون خطراً هنا في بولندا».
إذا كان هذا حال دولة في بلد ليس مقصداً للاجئين والمهاجرين مثل بولندا، فكيف يكون الحال في انتخابات المانيا والنمسا والسويد وفرنسا وغيرها والتي تعد مقصداً للاجئ شريد متألم؟ هل سنرى ثورة طائفية عقائدية تدار ضد هؤلاء المساكين أم أن في أوروبا أصواتاً لا تزال ترفض الركوع لنزعة الكراهية وتمجُّ روح العنصرية؟

سياسيون يرفضون العنصرية
هل ظهر بين الأوروبيين من وقف رافضاً لدعوات إحياء النعرات الدينية القديمة التي لم تجر على العالم إلا ويلات الصدامات والحروب، وهو ما يمكن أن تصنعه مستقبلاً بنفس الدرجة وأقسى؟
ينقسم الحديث هنا إلى قسمين: أحدهما سياسي والآخر ديني، أما عن السياسي وفي مواجهة أصولية «فيكتور أوربان» رئيس وزراء المجر الحالي، فقد ارتفع صوت رئيس وزراء المجر السابق «فرانس جورتشاني» بالقول: إن مخاوف الحكومة الحالية غير مبررة، والحديث عن آثار اللجوء على النقاء المسيحي لأوروبا مبالغة تهدف إلى الحصول على أصوات الناخبين والتهرب من المشكلات الاقتصادية التي تعيشها «هنغاريا». أما رئيس المجلس الأوروبي «دونالد توسك» فقد رد بدوره على أوربان قائلاً: «بالنسبة إلى أن يكون المرء مسيحياً في الحياة العامة والحياة الاجتماعية، يعني أن يقوم بواجبه حيال إخوته المحتاجين»، وأضاف: «أن يكون المرء مسيحياً يعني أنه مستعد للتضامن، وبالنسبة لأي مسيحي يجب ألا يكون الأمر متعلقاً بالعرق أو الديانة».
بدوره رفض كل من رئيس المفوضية الأوروبية «جان كلود يونكر»، ورئيس وزراء فرنسا «مانويل فالس» كافة التصريحات التي سعت لصبغ الإشكالية بصبغة عقائدية مسيحية، وفي إشارة إلى روح أوروبا العلمانية، والتي لا ترفض في ذات الوقت أن يمارس الفرد شعائر مذهبه الديني بحرية كيفما يشاء.
لم يتوقف المشهد الإنساني الإيجابي عند المسؤولين، بل امتد إلى العديد من المواطنين الألمان الذين أبدعوا طرقاً جديدة لمد يد العون للاجئين، كما ذكرت صحيفة الواشنطن بوست الأميركية في تقرير لها كتبه «ريك نوالك»، والذي يشير إلى لحظات تنوير إنسانية تجلت في ألمانيا عبر عدة ملامح منها على سبيل المثال: مشاركة الألمان للاجئين في إعداد الطعام وتوزيعه على المحتاجين والملهوفين، ثم استخدام وسائط الاتصال الاجتماعى لتهيئة ظروف معيشية أفضل للمهاجرين، واستخدام الهواتف الذكية في الترحيب باللاجئين وتسهيل شؤون معيشتهم، عطفاً على تسهيل التحاق اللاجئين لاسيما الشباب وصغار السن بالجامعات الألمانية بشكل مجاني.... وقيام بعض الألمان باستقبال اللاجئين في بيوتهم، هل يعني ذلك أن قضية اللاجئين ربما أحيت في أوروبا أنساقاً أخلاقية كادت تموت، بمعنى أنه من عمق المحنة خرجت النعمة؟

الكنيسة الأرثوذكسية..
وجه أوروبا المضيء
أما على المستوى الديني فتظهر الأحداث أنه ليس رجالات السياسة فحسب الذين تحركت ضمائرهم لإنقاذ اللاجئين والمهاجرين من نيران الكراهية والأصولية اليمينية في أوروبا، إذ رأينا البابا فرانسيس الأول، بابا روما، ورأس أكبر كنيسة في العالم، الكنيسة الكاثوليكية، التي يتبعها نحو مليار وثلاثمئة مليون مسيحي حول العالم، يأخذ مواقف جريئة تنبع من فهم واع، حقيقي، صحيح، للإيمان المسيحي، لا وجهاً مغشوشاً يلعب على أوتار الدين ليدغدغ مشاعر الناس ويوجههم لخدمة مآربه السياسية.
لم تكن مواقف البابا فرانسيس جديدة بالنسبة للاجئين، ففي يوليو 2013، وقبل أن تطفو على السطح إشكالية مهاجرى الشرق الأوسط، كانت القوارب الآتية من شمال أفريقيا، تلقي بصورة شبة يومية بمئات اللاجئين الأفارقة على سواحل إيطاليا، وكثير منهم كان يلقى حتفه غرقاً في المياه، في ذلك الوقت ذهب البابا فرانسيس إلى جزيرة «لامبيدوسا» وهناك قال: «لقد جئت لإيقاظ الضمائر»، وأكمل: «إن ثقافة الرفاهية تجعلنا نفكر في أنفسنا وتجعلنا لا نشعر بألم الآخرين»، وهناك دعا إلى (المسؤولية الأخوية)، وإلى إدانة (عولمة اللامبالاة).
ومع تفاقم الأزمة في سبتمبر المنصرم، كان البابا يدعو كافة أساقفة أوروبا لاستقبال اللاجئين، وقال: «يجب على كل أسقفية وجماعة دينية ودير وملجأ في أوروبا أن تؤوى أسرة واحدة من أسر اللاجئين».
لم تكن دعوة البابا حديثاً مرسلاً؛ فقد استضاف في الفاتيكان، حيث مقر سكن البابا أسرتين من أسر اللاجئين السوريين ليضحى فعله مطابقاً لقوله... هل من رسالة أدبية خلاقة تنبع من عمق مسيحي صالح نشرها البابا في أوروبا؟
تحدث أسقف روما غير مرة في الأيام الماضية عن إشكالية المهاجرين ومما قاله: «في مواجهة مأساة عشرات الآلاف من طالبي اللجوء الهاربين من الموت، والباحثين عن رجاء في الحياة، فإن الإنجيل ينادينا ويطلب منا أن نكون أقرباء للصغار والمتروكين ومنحهم رجاء ملموساً».
ولا يتوقف حديث بابا روما عند التشجيع النظري بل يسأل مسيحيي أوروبا، نوعاً من الرجاء المسيحي المناضل الساعي لاحتضان هؤلاء المهانين والمجروحين، رجاء ينهضنا وينهض شعوب أوروبا من الصمم والإنسانية، رجاء يدعو للانفتاح الخلاق، فالزوجان المنغلقان على نفسيهما، والعائلة المنغلقة والمجموعة المنغلقة، والرعية المنغلقة، والوطن المنغلق كل هذا نابع منا، وهذا لا يمت إلى الله بصلة. ماذا بعد هذه الأحاديث التي يفترض فيها أن تذيب صخور القلوب الأوروبية القاسية؟
هل تتوقف معاناه اللاجئين أم أن وراء أبواب أوروبا خطايا رابضة تشتهي أن تمرمر حياة هؤلاء من فاقدي الأوطان، والذين حولتهم الحياة إلى أشباه بشر؟

مصير مفزع
رغم ذلك، لا يبدو أن مستقبل الواقفين على أبواب أوروبا أو الساكنين في خيامها ومعسكرات الإيواء يبشر بخير كثير، فألمانيا على سبيل المثال تؤكد أن آلاف اللاجئين سيضطرون إلى مغادرة البلاد عما قريب، وتبقى الوجهة بعد ذلك مجهولة، وكافة احتمالات الألم والضياع واردة.
على أن الأسوأ في المشهد يتصل بتصاعد حركة (بيغيدا) المعادية للإسلام في ألمانيا، والتي قد تجد في اللاجئين صيداً سهلاً، لإعمال كراهيتها وعنفها، وبخاصة أن تاريخها ينصب على إيقاع الضرر البالغ بالأجانب، وقد ألمح رئيس هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارت الداخلية الألمانية) إلى أن الحركة بها «يمينيون متطرفون للغاية يستخدمون مشانق رمزية لكبار الساسة»، وهناك من يربط بين هؤلاء الساسة وبين قبولهم لأعداد اللاجئين الغفيرة التي حلت بألمانيا، مما يؤثر بالسلب على مواقف القيادة السياسية الألمانية، والتي ستعكس هذه المواقف على اللاجئين أنفسهم، وهذا ما حدث بالفعل بالنسبة لموقف المستشارة الألمانية «ميركل»، والتي يبدو أنها فقدت حماستها لاستقبال اللاجئين، بعد أن رفع أحد المتظاهرين الموالين لحركة (بيغيدا) مشنقة رمزية لميركل ونائبها، وقام مجهولون بالأمر نفسه قرب مركز لإيواء اللاجئين، بمدينة موكرن بشرق ألمانيا. في الوقت ذاته نشرت وسائل إعلام ألمانية نتائج بحث تقييمى قام به المكتب الاتحادى لمكافحة الجريمة لتقييم الوضع الداخلى في ظل تنامي الاعتداءات ضد اللاجئين، وقد حذر من تطور مأساوى للوضع قد تتعدد ضحاياه... هل من أرقام بعينها؟
الهجمات المسجلة حتى الآن والتى استهدفت مراكز اللاجئين بلغت نحو 461 حالة اعتداء في مختلف أنحاء ألمانيا بدواعي الكراهية وهى نسبة تفوق ضعف ما سجل العام الماضى، وقد رفع وزير الداخلية «توماس دى ميزير» الأرقام إلى 520 حالة استهدفت جميعها مراكز إيواء اللاجئين، فيما جرى قتل 43 شخصا الشهر الجاري فقط.
يمتد المشهد العدائي إلى سلوفينيا، حيث فتحت الشرطة السلوفينية نهار 21 أكتوبر المنصرم تحقيقا في أسباب حريق اندلع في مخيم للاجئين في سلوفينيا مما أتى على عدد كبير من الخيام في المركز الواقع بالقرب من الحدود مع أوكرانيا.
أما السويد بلد الرفاهية الاجتماعية، فقد قررت دائرة الهجرة السويدية، إضفاء السرية على عناوين مراكز الإيواء في البلاد، وذلك بعد سلسلة هجمات استهدفت العديد من هذه المراكز في المدة الأخيرة، وفي وقت سابق وضعت القوات الأمنية حراسة مشددة على مركز الإيواء، ولم تتمكن الشرطة السويدية حتى الآن من تحقيق أي تقدم في التحقيقات بعمليات إضرام النيران في العديد من مراكز الإيواء، نظراً لعدم وجود شهود عيان في القضية على الإطلاق، وان كان الجميع يعرف من هو الجاني في نهاية الأمر بشكل عام وليس بصورة فردية.

من يوقظ ذاكرة الأوروبيّين؟
يحق لنا أن نتساءل: هل لابد من قرع نواقيس «التذكير والتذكر» للأوروبيين إن جاز التعبير، كي تنفتح آذان قلوبهم وعيونهم على الحاضر عبر استرجاع صور وذكريات الماضي؟
في الواقع تبقى هذه مهمة المفكرين والمثقفين في العالمين العربي والإسلامي، والاستعانة بالأصدقاء من الأوروبيين والغربيين، الأمناء للتاريخ... لكن ماذا عن تلك المهمة؟
في الماضي القريب وغداة الحرب العالمية الثانية، عرفت أوروبا موجات عديدة من الفارين من نيران الحرب، وقد كانت دول شمال أفريقيا، بما فيها من العالم العربي خاصة خير ملجأ، ومن بين هؤلاء كان يهود أوروبا بنوع خاص، ففي الوقت الذي كانت تقام المذابح وتوقد أفران الغاز لإهلاكهم في مشهد مأساوي ترفضه أي نفس إنسانية سوية، عربية أم غربية، مسيحية أم إسلامية، كان يهود أوروبا يجدون في بلاد العرب خير ملجأ وكانت تجارتهم تزداد ازدهاراً، وحياتهم تمضي على أفضل حال... وحال ارتحلنا إلى القرون الوسطى ربما نجد حالة من التسامح والتعددية الدينية في العالم العربي والإسلامي، أفضل بكثير مما هو حادث الآن في أوروبا، ففي أوج ازدهار الدولة العباسية، وفي مجد الحضارة العربية نجد المسيحين العرب في أرفع الأماكن شأناً في دار الخلافة.
خذ على سبيل المثال ما كتبه الجاحظ واصفاً أحوال المسيحيين في العصر العباسي، يقول: «إن النصارى متكلمون وأطباء ومنجمون وعندهم العقلاء والفلاسفة والحكماء، ومنهم كتاب السلاطين، وفراشو الملوك وأطباء الإشراف والعطارون والصيارفة. واتخذوا الخدم والشاكرية والمستخدمين (وكلاهما يعني الإجراء) وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية».
هل على الأوروبيين أن يعقدوا مقاربات تاريخية مع حال المهاجرين المسلمين اليوم في أوروبا وحال المسيحيين في العالم العربي في القرون الوسطى؟
لا يجب بحال من الأحوال أن تكون داعش والقاعدة والأصوليات الإسلامية وتعاطيها مع المسيحيين العرب اليوم هي صورة الإسلام، فهذه جميعها جملة اعتراضية حتماً ستزول وسيبقى للإسلام الوسطي صورته السمحة المعتدلة.
أوروبا في اختبار إيماني وأخلاقي ومسيحي حقيقي ربما يرفع الغطاء عن كثير من الموروثات القبلية والعصبية، القومية والعنصرية ليعيد إليها روحها النقية الخلاقة، والتي تظهر المسيحية الحقيقية في صورة خدمة اللاجئين لا في مطاردتهم.
نجاح أوروبا في هذا الاختبار سيكفل لها جولة جديدة من الريادة والسيادة الفكرية والتنويرية حول العالم، وإخفاقها يعني أن أوروبا قد سقطت في فخ لا مخرج منه بعد عقود، وستكون هي أول من يدفع أكلافه الباهظة في الحال والاستقبال.

تضامن فعلي
أفضل مثال ضربه مسؤول سياسي أوروبي، فتح قلبه وعقله للمهاجرين، جاء من فنلندا، حيث أعلن رئيس وزرائها الشاب «يوها سيبيلا»، أنه سيعرض منزله الواقع في منطقة كيمبيلي بشمال فنلندا، على طالبي اللجوء، وأنه مرحب باستضافة لاجئين في داره، كنوع من أنواع التضامن مع الباحثين عن أوطان بديله لتلك التي دمرتها الحروب، وقبل يوم من تصريحاته كانت حكومة فنلندا قد ضاعفت تقديراتها لعدد طالبي اللجوء إليها هذا العام إلى نحو 30 ألف شخص، بعد تدفق اللاجئين في غضون الأسابيع الفائتة.

أوروبا في اختبار إيماني وأخلاقي حقيقي وإخفاقها يعني السقوط في فخ لا مخرج منه

مشانق رمزية
الأسوأ في المشهد يتصل بتصاعد حركة (بيغيدا) المعروفة بنهجها المعادي للإسلام في ألمانيا، وفيها يمينيون متطرفون للغاية يستخدمون مشانق رمزية لكبار الساسة، ما يؤثر بالسلب على مواقف القيادة السياسية الألمانية تجاه اللاجئين، وهذا ما حدث بالفعل بالنسبة لموقف المستشارة الألمانية ميركل التي يبدو أنها فقدت حماستها لاستقبال اللاجئين، بعد أن رفع أحد المتظاهرين الموالين للحركة مشنقة رمزية لها ولنائبها. في الوقت ذاته، نشرت وسائل إعلام ألمانية نتائج بحث تقييمي قام به المكتب الاتحادي لمكافحة الجريمة في ظل تنامي الاعتداءات ضد اللاجئين، وقد حذر من تطور مأساوي للوضع، فقد سجلت 461 حالة اعتداء في مختلف أنحاء ألمانيا بدواعي الكراهية، وهي نسبة تفوق ضعف ما سجل العام الماضي، وقد رفع وزير الداخلية «توماس دي ميزير» الأرقام إلى 520 حالة استهدفت جميعها مراكز إيواء اللاجئين.

أنجيلا ميركل اضطرت للتخلي عن موقفها أمام ضغط المتطرفين الألمان (أرشيفية)