الاتحاد

تقارير

تبعات الحرب في ليبيا... احتقان وصراع بين المناطق!

قبل عام تقريباً من الآن، وعندما كانت ليبيا تعيش على وقع حرب طاحنة لإسقاط نظام القذافي، كانت بلدة بني وليد إحدى آخر القلاع التي ظلت موالية للنظام السابق حتى آخر لحظة ولم تستسلم للثوار إلا بعد معارك ضارية سقط فيها العديد من القتلى. لكن حتى بعد سقوط النظام ودخول الثوار إلى طرابلس، ظلت بني وليد منفلتة عن السيطرة الحكومية التي فشلت في تعزيز حضورها داخل المدينة كما في مناطق أخرى من البلاد وبقيت سلطتها رمزية في أحسن الأحوال أمام تغول الميليشيات المسلحة وسيطرتها الفعلية على مقاليد الأمور.
غير أن بني وليد برزت باعتبارها المثال الأوضح على الصراعات المستمرة في ليبيا، حيث اندلعت مؤخراً أعمال قتالية شرسة بعدما شنت قوات موالية للحكومة هجوماً كاسحاً خلال شهر سبتمبر الماضي على المدينة في محاولة لتطهيرها، حسب الرواية الرسمية، من بقايا نظام القذافي المتحصنين داخل المدينة.
وفي الأسبوع الماضي، وبعد أيام من المناوشات والقصف المتواصل، أعلنت الميليشيات الموالية للحكومة، والتي تعتمد عليها في فرض الأمن، تطهيرها الكامل لبني وليد، لتُعلن السلطات على إثرها انتهاء العمليات القتالية ودخول المدينة.
وكان أن حثت الحكومة بعد انتهاء المعارك الآلاف من أهالي المدينة الذين غادروها في وقت سابق هرباً من الاقتتال، على الرجوع إلى منازلهم، لكن الميليشيات المساندة للحكومة كان لها رأي آخر، حيث رفضت العودة السريعة للأهالي، مفضلةً إقامة نقاط للتفتيش للتأكد من عدم تسلل عناصر تابعة للنظام السابق إلى داخل المدينة، وعندما بدأت أولى العائلات في الدخول وجدوا مدينةً مدمرةً بالكامل وغياباً تاماً للخدمات من ماء وكهرباء ليزيد ذلك من تعقيد الوضع على الحكومة المطالبة بتلبية احتياجات الناس الأساسية.
هذا الوضع الهش في بني وليد والمعارك التي دارت مؤخراً بعد عام تقريباً على سقوط القذافي، كل ذلك يؤشر بوضوح إلى ضعف الحكومة المركزية وعدم سيطرتها التامة على المناطق الليبية المختلفة، باستثناء تلك القريبة من العاصمة طرابلس، إذ ما زالت الحكومة تستعين بجماعات الثوار الذين أسقطوا النظام ورفضوا إلقاء السلاح في تأمين المدن. هذا ويؤشر الوضع أيضاً إلى استمرار الصراعات بين المنتصرين في الحرب والمنهزمين فيها الذين وقفوا إلى الجانب الخطأ في الحرب التي أطاحت بالقذافي.
ويرجع الخلاف الذي أشعل فتيل المعارك الأخيرة في مدينة بني وليد إلى الاتهامات التي وجهتها الميليشيات لبعض أعيان المدينة المنتمين إلى قبيلة ورفلة بإيواء بعض رموز النظام وحمايتهم، وهو الاتهام الذي ترفضه المدينة. ورغم إعلان الميليشيات في وقت سابق اعتقالها رموز النظام البائد في المدينة، مثل الناطق الرسمي باسم النظام موسى إبراهيم، وخميس نجل القذافي الذي كان يُعتقد أنه قضى في المعارك، عادت الحكومة في طرابلس لتنفي هذه الأنباء.
وفيما تبرر الحكومة هجماتها الأخيرة على بني وليد برغبتها في وضع حد لفلول النظام السابق وإخضاع المدينة للسلطة المركزية، يشتكي سكان وأهالي المدينة من التمييز الذي يعانون منه بسبب موقفهم السابق من الحرب التي أسقطت القذافي، معتبرين أن ما يجري يندرج في إطار المضايقات التي تتعرض لها قبيلة ورفلة وباقي الأطراف التي ساندت القذافي قبل سقوطه.
ويقول سكان المدينة إنه لأكثر من عشرة أشهر استفادت بني وليد من شبه حكم ذاتي بعدما سيطرت ميليشيا مسلحة على المدينة تعرف باسم لواء 28 مايو الذي تولى إدارة المدينة، لكنه سرعان ما أخلى الساحة أمام ميليشيا محلية أقوى تمكنت من بسط سيطرتها على عموم المدينة.
وما كانت الأمور لتتغير كثيراً بعد سيطرة أهالي المدينة على إدارتها لولا الحادث الذي وقع الصيف الماضي وهز ليبيا متمثلاً في ذيوع خبر وفاة عمران شبان في إحدى المستشفيات الباريسية، علماً بأنه الشخص الذي عثر على القذافي في ماسورة المياه في أكتوبر 2011 لتنتهي بذلك أسطورة القذافي.
والأخطر من ذلك أن عمران توفي متأثراً بجراح تعرض لها أثناء اختطافه في بني وليد على أيدي ميليشيا يُقال إنها كانت موالية للقذافي. هذه الحادثة دفعت الحكومة في طرابلس خلال اليوم التالي لإعلان خبر وفاة عمران إلى توجيه أوامرها بشن الهجوم على بني وليد.
ولعل ما زاد من حساسية الموضوع أن ثوار مصراتة ولواء 28 مايو كانا الجهة التي نفذت الهجوم، ثم مَنعا لاحقاً رجوع الأهالي إلى مدينتهم، في تحد واضح للسلطة المركزية، وهو ما اعترف به وزير الدفاع الليبي يوم الاثنين الماضي عندما قال إن الدولة لا تسيطر على الوضع.
هذا التشخيص يتفق معه سكان بني وليد، مثل حسن سلطان الذي فر مع عائلته من المدينة بعد اندلاع المعارك قائلاً: "لا سلطة للحكومة على الميليشيات"، وأضاف مردداً ما يتناقله العديد من أهالي بني وليد، أن الثوار يريدون الانتقام من الأطراف التي وقفت إلى جانب القذافي. وقد وصف شهود عيان دخلوا المدينة بعد انتهاء المعارك، ومن بينهم وزير العدل في الحكومة الجديدة، أن الوضع سيء للغاية بعدما تحولت المباني إلى أطلال ودُمرت جميع المرافق الحكومية مثل البلدية وغيرها.
ويرى العديد من سكان بني وليد أن ما تعرضوا له من هجوم إنما يندرج في سياق تصفية حسابات سابقة، قائلين إن المدينة شاركت بكثافة في انتخابات المؤتمر الوطني العام خلال الصيف الماضي، لكن الممثلين عن المدينة اللذين تم اختيارهما من الأهالي طردا من المجلس بعد اتهامهما بمولاة النظام البائد.
ولا يقتصر الأمر على بني وليد التي تعرضت للهجوم الأخير، بل تعاني مدن أخرى من تبعات الحرب السابقة لإسقاط النظام، ومن تلك البلدات تاورغا التي يتهم عناصر منها بارتكاب أفظع الجرائم في مصراتة وتدميرها بالكامل عندما كانت محاصرة من قبل نظام القذافي، لكن بعد سنة على سقوط النظام لا يستطيع سكان تاورغا الرجوع إلى مدينتهم، حيث اعتقل ثوار مصراتة العديد منهم وأرغموا الباقي على الانتقال إلى مناطق أخرى في ليبيا.
ورغم جهود المصالحة التي تقوم بها الحكومة لرأب الصدع وإنهاء خلافات الماضي، يصر سكان مصراتة على إبقاء تاورغا فارغة من أهلها وعدم عودتهم إليها، وهو الأمر الذي لم تجد الحكومة المركزية أمامه حلاً عدا الخضوع للأمر الواقع والقبول به.
وفي تفسيرها لاستمرار الاحتقان بين المناطق الليبية المختلفة وتفشي التوتر بين المدن التي اعتبرت موالية لنظام القذافي وتلك التي ثارت عليه منذ البداية، ترى الهيئات الحقوقية المراقبة للوضع الليبي أن غياب العقاب عن الجرائم الكثيرة التي ارتكبت وعدم تقديم المسؤولين عن القتل والاغتصاب والتدمير الذي تعرضت له البلاد أثناء الحرب مع النظام للعدالة، هو المسؤول عن الوضع الحالي.
ولو أن ليبيا توافرت على مؤسسات قضائية قوية للتعامل مع الجرائم، لما تفاقم الشعور بالمرارة ودفع الناس إلى تولي إيقاع العقاب بأيديهم، كما أن ضعف الحكومة المركزية يشجع الميليشيات المسلحة، حتى تلك الموالية لها، على تصفية حسابات سابقة مع أطراف ليبية حاربت إلى جانب القذافي.

أبيجل هوسلونر
ليبيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا