صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

البلدان العربية بأنظمتها لا تساعد على التطبيق الفعلي لحقوق الإنسان

حاورته- انشراح سعدي:

أقر الدكتور محمد أمين الميداني رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي وحقوق الإنسان بفرنسا بتقاعس العرب عن التعريف بالرسول (محمد صلى الله عليه وسلم) وسيرته العطرة فكان التطاول عليه، كما أكد على أن بعض البلدان العربية بأنظمتها لا تساعد على أن يكون هناك تطبيق فعلي لحقوق الإنسان، كما أشاد بحقوق الإنسان في العالم المتقدم والسبل التي اختارتها لتطبيق الحرية والديمقراطية في بداية الألفية الثالثة، وهذا ما يأتي تفصيله في الحوار التالي:
؟ ما تعليقكم على صور النبي الكريم - عليه صلاة الله وسلامه - التي أثارت ضجة في العالم العربي ؟
؟؟ أعتقد أن نشر هذه الصور كان استخفافاً بالمسلمين وإهانة لرسولهم الكريم ورسالته السمحاء وجهلاً بحقيقة هذه الرسالة، وبخاصة عندما أظهرت بعض الصور الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكأنه يحرض على الإرهاب· ولكن الضجة التي ثارت حول هذا الموضوع تجاوزت في بعض الأحيان المقبول والمتعارف عليه من حق التظاهر والاحتجاج والاعتراض، وهو ما تبدى من حرق لسفارات ومكاتب دولية في بعض العواصم العربية، وهو ما تدينه رسالة الإسلام التي تحترم الآخر وتدعو الى صيانة حياته وعرضه وماله بغض النظر عن جنسه ودينه وأصله·
؟ هل المقاطعة سبيل حسن لردع التطاول أم أنكم كمسؤول عن هيئة تعبر عن حقوق الإنسان ترون سبيلاً آخر ؟
؟؟ المقاطعة سلاح ذو حدين لذلك يجب أن ننتبه حين نستعمل هذا السلاح بأنه لا يعود علينا بالضرر لا في المدى القريب ولا على المدى البعيد· نجحت مقاطعة البضائع الدانماركية بهز ضمير الشعب الدنماركي وتنبيهه، ولفت نظر الشعوب الأوروبية الأخرى إلى ضرورة حسن التعامل مع معتقدات الشعوب الإسلامية وتجنب الاستخفاف بهذه المعتقدات، ولكن يجب أن نعرف متى نوقف المقاطعة وأن نستمر بالتعبير، ولكن بأساليب أخرى، عن ضرورة احترام كل المعتقدات والديانات· ولعل المنظمات العربية والإسلامية في أوروبا خاصة يقع عليها واجب متابعة المسيرة من خلال عقد المؤتمرات والقيام بنشاطات تعرف بتعاليم التسامح والتعاون في الإسلام وتعرف برسوله الكريم الذي أعتقد بأننا تقاعسنا عن التعريف به وإظهار شمائله الكريمة وأخلاقه السامية وسيرته العطرة فتم التطاول عليه وعلى سيرته·
؟ كيف تقرأون مسار الحريات في الوطن العربي؟
؟؟ يحتاج الجواب على هذا السؤال الهام والحساس إلى مقابلة لوحدها، وحسبي أن أقول بأن هذا المسار متقلب كتقلب الأحوال الجوية· فالأخبار تطالعنا بممارسات جيدة للحريات واحترام مقبول لها في بعض البلدان العربية، ونصطدم بأخبار القمع والتوقيف والاعتقالات في بلدان عربية أخرى، ويكفي أن نقرأ تقارير مختلف المنظمات العربية والدولية غير الحكومية لنقف على حقيقة هذه التقلبات حيناً والتناقضات أحياناً أخرى· ولكن أود أن أسجل هنا التحسن النسبي في ممارسة عدد من الحريات والحقوق للمرأة مثلاً في بعض البلدان العربية، ودخول هذه المرأة لمجالات كانت مقتصرة فقط على الرجال، بل ونجاحها بإثبات وجودها وقدرتها ومهارتها في عدة أماكن· بالطبع المسيرة لاتزال طويلة، ولا أقول بأنه بدأت بخطوة واحدة بل قطعت شوطاً لابأس به، ولماذا لا نكون من المتفائلين أولاً وأخيراً·
؟ بالنسبة لوضعية حقوق الإنسان في الوطن العربي ؟
؟؟ حقيقة لا نستطيع أن نعطي أو نصف حقوق الإنسان في الوطن العربي بنفس الصفة ،بمعنى أن هناك تعاوناً بين البلدان العربية سواء في مجال الاعتراف بحقوق الإنسان والتصديق على الاتفاقيات الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان أو على صعيد تطبيق حقوق الإنسان واحترامه، فمن ناحية اعتماد وتصديق الاتفاقيات الدولية يوجد عدد لابأس به من الدول العربية التي صادقت عليها مع كثير من التحفظات، وتأتي عملية التطبيق مختلفة نوعاً ما، فبعض الدول تلتزم بشكل فعلي بما تنص عليه هذه الاتفاقيات، ودول أخرى تحاول بشكل أو بآخر أن تتنصل من التزامها، وهذا ينعكس على احترام حقوق الإنسان وعلى المواطنين بالدرجة الأولى، ولا نستطيع أيضاً أن نتحدث عن حقوق الإنسان في الوطن العربي دون الحديث عن حركة حقوق الإنسان والمنظمات العربية غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان· إذ أن هناك تفاوتاً كبيراً جداً في هذا المجال، فإلى الآن هناك دول لا تجيز تأسيس منظمات غير حكومية لتشجيع حقوق الإنسان أو حمايتها، في حين أن هناك دولاً عربية أخرى يوجد بها عدد كبير من المنظمات العربية غير الحكومية، وليس هناك أيضاً توازن على مستوى المؤسسات المدنية ومؤسسات المجتمع المدني في مجال تشجيع حقوق الإنسان واحترامه والعمل أيضاً على صد الانتهاكات أو التنبيه على الخروقات والمخالفات·
؟ الغرب الذي يُعتبر منبراً لحماية حقوق الإنسان لا يتدخل في العالم الثالث إلا إذا تعلق الأمر بمواضيع معينة· لماذا ؟ وهل يطبق هذا الغرب حقوق الإنسان بصفة حقيقية ؟
؟؟ لا أريد أن أكرر الجملة التي قيلت أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة ''جملة الكيل بمكيالين'' ولكن أيضاً الغرب في مجال حقوق الإنسان بشكل عام له مواقف تختلف باختلاف مصالحه ومدى تطبيق سياسته في العالم الثالث والدول النامية من بينها الدول العربية، ولكن هنا أريد أن أنوه بأننا لا نستطيع أن نقول إن هناك حماية فعلية مائة بالمائة لحقوق الإنسان حتى في الغرب· الولايات المتحدة الأميركية التي لها تاريخ عريق لا يمكن إنكاره في مجال الحريات والديمقراطية تتنكر في بداية الألفية الثالثة لتراثها التاريخي والفكري والحضاري، من خلال هذا التميز والمعاملة غير المنصفة سواء للمهاجرين الموجودين أو المشتبه بهم· فتطبيق حقوق الإنسان داخل الدول الغربية عليه عدة علامات استفهام، هذا إذا تحدثنا عن الولايات المتحدة الأميركية وأيضاً الدول الأوروبية الأخرى، لوجدنا أن تطبيق حقوق الإنسان موضوع نسبي، وهذا أيضاً في دول العالم الثالث، فالمطالبة باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية أيضاً يوضع بين قوسين أو يعلق في بعض الأحيان إذا كانت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية أو الحيوية لدولة عربية معينة تستدعي أن تقيم علاقاتها مع أنظمة تعتبر ديكتاتورية، إذ لا نستطيع أن نقول إن الغرب مخلص وصادق في معالجته لحقوق الإنسان اتجاه دول العالم الثالث والدول العربية، ولكن هذه المعالجة مرهونة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية والحيوية، وفي نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر بأن بلداننا العربية بأنظمتها لا تساعد على أن يكون هناك تطبيق فعلي لحقوق الإنسان واحترام هذه الحقوق·
؟ نعود إلى السؤال الذي يتعلق بالمجتمع المدني، كيف ترى العلاقة بين التطور في حقوق الإنسان وبين هذا المجتمع الذي لم يؤسس بعد في الوطن العربي استناداً على المقاييس العامة ؟
؟؟ كما قلت قبل قليل هناك منظمات عربية حكومية وغير حكومية فعالة ونشيطة في بعض الأحيان وليست في كلها، وهناك بلدان عربية تفتقد إلى المنظمات، فلا نستطيع أن نقول إن هناك وزناً كبيراً في مؤسسات المجتمع المدني في غالبية البلدان العربية، ولكن أنا أتفاءل بالمستقبل، إني أتوقع أن تلعب هذه المؤسسات مستقبلاً دورها العام كالدور الذي تلعبه المؤسسات غير الحكومية في أوروبا والتي يعود لها الفضل في تحسين أوضاع عدد كبير من ابناء الجالية العربية الموجودة في أوروبا والدفاع عن حقوقهم، فأوضاع مؤسسات المجتمع المدني غير مشجعة في معظم البلدان العربية، لكن هذا لا ينفي بأن هناك مجموعة من هذه المؤسسات تعمل بإخلاص ومصداقية لتحقيق أهداف تخدم في نهاية المطاف حقوق الإنسان والدفاع عنها·
؟ هل هناك تعاون بين المؤسسات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية ؟
؟؟ حسب إطلاعي وتجربتي لا أستطيع أن أقول إن هناك تعاوناً مستمراً، وهذا طبعاً في البلدان العربية التي تسمح بتأسيس منظمات غير حكومية، فتعاون هذه مع اللجان أحياناً يكون مثمراً وأحياناً أخرى يشوبه نوع من الحذر في التعامل، وليس هناك استمرارية، ولا اعتقد أن الوضع الآن مشرف بل هو أقرب منه إلى اللون الأسود من الأبيض، وهذا لا يعني أن الوضع سيستمر هكذا وأعتقد أن الوقت كفيل وخاصة إذا استمرينا في عملية التربية على حقوق الإنسان·
؟ لو نتحدث قليلاً عن المؤتمرات التي عقدت في البلدان العربية والأوروبية، هل تجدون لها صدى أم أنها مجرد بيانات تقرأ في آخر المؤتمر وتطوى كطي الكتاب ؟
؟؟ ما لا شك فيه أن هناك تتابعاً في هذه الاجتماعات بمعنى أن الاجتماعات كلها تندرج في هدف واحد وهو التربية على حقوق الإنسان، لكن أعتقد انه ليست هناك استراتيجية واحدة كاملة في هذا المجال، بمعنى هذه الاجتماعات التي تمت سابقاً، تمت إما بناء على استراتيجية بعض المنظمات غير الحكومية أو المراكز البحثية أو أنها تمت بناء على اقتراحات قدمت في هذا المجال، وكنت أتمنى لو أن هناك استراتيجية واحدة كاملة كالاستراتيجية التي وضعتها الأمم المتحدة في مجال التثقيف على حقوق الإنسان، وهذا يعود بنا للسؤال الذي طرح حول التعاون بين المنظمات لاعتماد استراتيجية واحدة خاصة بالمؤتمرات أو بالملتقيات، ففي ورقة قدمتها في مؤتمر الجزائر رصدت على الأقل أربعة مؤتمرات دولية تمت في الفترة مابين 1993 و2000 الخاصة بالتربية على حقوق الإنسان، فكان هناك خمسة مؤتمرات دولية أقيمت في عواصم عربية وغربية تدور بشكل أو بآخر حول التربية على حقوق الإنسان وتصب كلها في مصب واحد يهدف إلى الدفع بالتربية على حقوق الإنسان الى الأمام، ولكن مرة ثانية لا اعتقد أن هناك استراتيجية موحدة للمنظمات العربية الحكومية وغير الحكومية في هذا المجال، وجود استراتيجية جديدة مما لا شك فيه سيساعد على توحيد جهودها والوصول إلى توصيات ونتائج عملية منشورة على نطاق واسع·
؟ هناك من يعلق انتهاك حقوق الإنسان في العالم العربي كله وعلى وجه الخصوص على مشجب التيارات الدينية ما رأيكم في ذلك ؟
؟؟ في الحقيقة لا نستطيع أن ننكر أن بعض التيارات الدينية التي تتعامل مع موضوع حقوق الإنسان بعقلانية وبشكل منصف وفقط، تعاود ترتيل بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وبعض الاجتهادات الفقهية التي قبلت في وقت من الأوقات وفي ظروف معينة، وهنا أريد أن أركز، كرأي شخصي، ولأني باحث في مجال حقوق الإنسان لم أجد في تعاليم ديننا الإسلامي أي شيء يمكن أن يتعارض مع حقوق الإنسان وحمايتها، لكني وجدت أن هناك مجموعة من الاجتهادات الفقهية التي لا تلزمنا بقدر ما كانت صدرت كما قلت في ظروف وأوضاع سياسية وتاريخية واجتماعية معينة هذه الاجتهادات الفقهية وضعت إشارات استفهام حول مواضيع لها علاقات في حقوق الإنسان، ولقد تطرقت لهذا الموضوع في محاضرات ألقيتها في أوروبا نشرت بلغات مختلفة· والتيارات الدينية تتعامل مع هذا الموضوع بجهل وعدم تفهم، فهناك نوع من التعصب والتطرف في هذه المسألة· في حين تعاملت تيارات إسلامية متفتحة بكل إنصاف ووعي·