الاتحاد

دنيا

عقلك تحت أمرك

قل لي ما هي هواجسك وسأقدم لك تقريراً يثبت لك أن ما تفكّر به لم يأتِ من فراغ، وفي المقابل، أستطيع أن أعرض عليك تقريراً آخر ينقض التقرير الأول، كل ما عليك فعله هو أن تأمر يا غالي.. والآن: هل تريد تقرير تأكيد الهواجس أم تقرير نفيها؟
سأبدأ مع التقرير الأول، فأنت تقول إن زوجتك المصون تشكّ في تصرفاتك رغم أنك زوج مخلص، وتميل إلى الاعتقاد بأنها استعانت بخدمات شركة غير مرخصة مهمتها مراقبة الأزواج وكتابة تقارير عنهم. للأسف، هواجسك دقيقة بنسبة 100 بالمئة، وإليك التفاصيل:
(1) قبل سنة، وبينما كنت تتصفّح الجريدة مساء بعد أن قرأته زوجتك صباحاً، لاحظت تأشيرة بالقلم الأحمر حول خبر طريف عن زوجة كشفت زوجها من خلال شركة تجسّس زوجية.
ورغم أن الحدث وقع في دولة أوروبية، فقد كان المفتاح الذي فتح قفل الثقة بك، ودخلت زوجتك الشك من أوسع أبوابه.
(2) لاحظت في الآونة الأخيرة أن الرسائل التي تخص زوجتك بدأت تتناقص، فلم تعد تصل فواتير هاتفها المتحرك، ولا المنشورات الدعائية، والسبب في ذلك أنها فتحت صندوق بريد آخر باسمها، كي تتمكن من استلام التقارير الأسبوعية من الشركة اللعينة التي تراقبك.
(3) تشعر بالضيق هذه الأيام من بطء الإنترنت في البيت، ولأنك لست ضليعاً بالتقنية فأنت تجهل أن هناك برنامجاً للتجسّس قامت تلك الشركة بتركيبه على جهازك، وأن كل الصفحات التي تستعرضها تمر عبر ذلك البرنامج، وهو ما يُسبب بُطء الشبكة.
(4) بعد زواج استمر عشرة سنوات لم تكن تسألك خلالها زوجتك عن تفاصيل عملك، ولا عن مشاركاتك في مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها بدأت منذ فترة في السؤال، ولا يمكن أن يكون هذا التغيير منبت الصلة بمسألة التجسس، ومن المؤكد أن خبير التجسس هو الذي طلب منها أن تلف الأسئلة حول عنقك لتدور الإجابات على لسانك.
(5) فجأة طلبت منك زوجتك رفع سقف المبلغ المحدد للمصروفات المنزلية، وهذا طبيعي، فهي كانت تساهم في المصروفات براتبها،.
وبما أن تكاليف الاستعانة بالجواسيس باهظة، فإنها فكّرت هكذا: دفع مبالغ للحيلولة دون انهيار البيت أهم من المساهمة في مصروفات بيت آيل للهدم.
(6) وغني عن البيان كما يقولون أنك تلاحظ السيارات التي تسير خلفك لمسافات طويلة بين الحين والآخر، ولعلك لاحظت السيارة السوداء التي تشبه الخنفساء وقد لحقت بك حين انعطفت فجأة في طريق ترابي تفادياً للازدحام، ورحت تسير في طرقات متعرجة بين المنازل السكنية إلى أن دخلت في زقاق مغلق، فاضطررت إلى العودة من حيث أتيت، وتلك الخنفساء الغبية قطعت كل ذلك المشوار خلفك وإطارها على إطارك، ومن باب «رجلي على رجلك».
لقد قطعت الآن حبال الشك بسكين اليقين، فهل تريد أن أطلعك على التقرير الآخر؟ يبدو أنك ترغب في ذلك، فإليك التفاصيل:
(1) الخبر الذي وضعت زوجتك دائرة بالخط الأحمر حوله، كان في حقيقة الأمر دعابة أرادت زوجتك إرسالها لصديقة لها مصابة بمرض الشك، فالتقطت صورة للخبر بهاتفها وأرسلتها لصديقتها المجنونة.
(2) فواتير هاتف زوجتك اختفت من صندوق البريد لأن شركة الاتصالات أدخلت نظاماً جديداً للعنونة، والموظف المختص أدخل رقم صندوق بريدك بشكل خاطئ، فلم تعد تصل الرسائل، وهي لم تهتم للأمر لأنها تدفع فواتيرها من خلال الإنترنت. كما أن شركات ترويج المنتجات أسقطت اسم زوجتك ضمن قائمة المرسل إليهم.
(3) بطء شبكة الإنترنت في بيتك سببه الجيران الجدد، إذ زادت الأحمال على الكابيلات القديمة ولم تعد تتحمل مشتركين إضافيين.
وتوزّعت السرعة السابقة على الجميع، وأصبح الإنترنت بطيئاً لديك، مثل سيارة كانت تحمل أربعة أشخاص، فصعد إليها أربعون شخصاً آخر.
(4) زوجتك بدأت تسألك عن أحوالك بسبب برنامج أسري تحدث فيه خبير العواطف عن أهمية مشاركة الزوجة زوجها همومه ومشكلاته، ومحاولتها التخفيف عنه.
(5) ربما لم تلاحظ أن المقاول الذي كان يبني بيت شقيقة زوجك فرّ هارباً، وأن المسكينة تحاول استكمال بناء البيت، وأنت لا تدري أن زوجتك قررت مساعدة شقيقتها من مالها.
وهو حق لها بطبيعة الحال. كما أن شقيقها على وشك الزواج، وراتبه قليل لا يكفي، فكان من الطبيعي أن تعتمد عليك كلياً في هذه الفترة.
(6) أنت لم تلاحظ أي حركة مشبوهة خلفك وأنت تقود السيارة، بل أنت افترضت أنك مراقب، وقررت بنفسك تحويل هذا الافتراض إلى حقيقة، ولم تكن السيارة التي تشبه الخنفساء تطاردك، كل ما في الأمر أن صاحبها غريب عن تلك المنطقة، ووضع ثقته في معرفتك بالشوارع الخلفية، فمشى خلفك كل تلك المسافة حتى أعدته إلى الشارع نفسه من جديد، علماً بأنه أخذ في شتمك طوال طريق العودة.
قل لي يا صاحبــي بأي شــيء تريـد أن تقنع نفسك: هل تريد أن أثــبت لك أنك شخص مهم وأن الماسونية تبحث عنك للتخلص منك، أم أثبت لك أنك لا شـيء؟ هل تريد أن أقنعك بأن قرار المدير الـــعام بنقلك ما كان إلا بمؤامرة من رئيس قسمك، أم تريد أن أقنعك بأن رئيس قسمك فوجئ بالقرار مثلك، وأن المدير اتخذ قرار نقلك بناء على هيكل جديد للوظائف؟
قل لي يا صديقي، فأنا عقلك، وتحت أمرك.

أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا