الاتحاد

دنيا

نهاية أسطورة هولاكو

أحمد محمد (القاهرة) - لا يكف الصبي «حامد» عن الشجار مع أبناء الجيران ويعشق المشاكل ويستمتع بالخلافات، لا يعرف كيف يهدأ ورغم صغر سنه فإن الكبار والصغار يحاولون تجنب التعامل معه أو الاحتكاك به ولم يكن قد تخطى الثانية عشرة من عمره بعد، بالطبع لم يتوجه يوماً إلى المدرسة ولا يعرف الطريق إليها إلا عندما يكون ذاهباً إلى هدف آخر وفي الغالب لا تكون النية خيراً.
منذ جاء إلى الدنيا وجد نفسه يقيم مع جدته العجوز، كانا وحيدين في مسكن هو أقرب إلى الكوخ أو حظيرة الحيوانات، بعد أن تم الطلاق بين أبيه وأمه وتركاه، ألقاه كل منهما خارج حساباته، فالأم تزوجت وانتقلت مع زوجها الجديد إلى منطقة بعيدة قد لا تلتقي بهذا الذي من المفترض أنه ابنها إلا مصادفة ربما مرة كل عام، ترى أنها ليست مسؤولة عنه، وإنما على أبيه أن يتحمل ويتولى كل شؤونه، ولم يكن موقف الأب أحسن حالا، وقد تزوج هو الآخر ويقيم على بعد أمتار عدة منه، غير أنه تنصل من الواجب الحتمي عليه كأب ونسي أن له ابناً، فلا يعرف أين هو ولا ماذا يأكل أو يلبس، ولا كيف يعيش حياته وهو صغير لا يستطيع أن يتكسب قوت يومه.
الجدة كانت مغلوبة على أمرها امرأة ضعيفة غير قادرة على متابعة الولد المتمرد، وقد أقعدها المرض والكبر ووهن العظم منها ولا أحد يمكن أن يوجه إليها اللوم فهي لم تكن مهملة في تربيته وإنما عاجزة عن فعل أي شيء، حتى عندما كانت تبعث لأبيه بعض الأشخاص ليتدخل لا تجد إلا وعودا لم يتحقق واحد منها، واستسلمت خاصة بعد أن شب الصغير وأصبح يقضي معظم الليالي خارج البيت ولا يمكنها محاسبته أو تقويمه.
استمرأ الصبي هذا الوضع واستمتع بالحرية غير المسؤولة، فقد كانت مطلقة بلا حدود ولا أحد يراقب أو يحاسب، يرى أن تلك مميزات يفتقدها الأطفال والصبية من أقرانه، بل يتوهم أنهم يعيشون في قهر وأوامر من أهليهم ويفتقدون التحرر والانطلاق، فالانضباط عنده قيود، والالتزام سجن، الموازين في حساباته مقلوبة ربما من دون أن يدري.
لم يكن حامد قوي البنية، وإنما كان ضعيفاً هزيلًا بسبب سوء التغذية والتشرد وعدم الاهتمام، لم يبحث عن عمل ليقتات منه، وإنما اتجه مباشرة إلى طريق الانحراف وعالم الجريمة، دخله من أوسع أبوابه، بدأه بسرقة التيوس والخراف والحمير، كلما حانت له فرصة ووجد أحدها قد خرج عن السرب أو ابتعد عن بيت صاحبه استولى عليه وتخلص منه في أقرب سوق أو باعه لأحد التجار الذين أصبحوا يعرفونه وهم ممن على شاكلته فقد عرفوا انهم يتعاملون مع مسروقات، لكن لم يتورعوا ولم يترددوا وكانوا يحصلون عليها منه بأبخس الاثمان، ولم لا وهؤلاء أصلاً من تجار الحيوانات المريضة وربما أحياناً النافقة، وكان هؤلاء هم أول أناس تربطه بهم صداقة ويتعرف من خلالهم على أفراد آخرين ونوعيات من محترفي الأجرام تجمعهم الليالي لعقد الصفقات المحرمة.
عرف حامد طريق تدخين السجائر مبكراً خاصة بعد أن جرت الأموال سهلة بين يديه وبسرعة شديدة تحول إلى تعاطي المخدرات بكل أنواعها مع شلة الأنس التي كان من بينها تجار مخدرات يستدرجون ضحاياهم بنوع من الكرم المزيف ويغدقون عليهم بها إلى أن يقعوا في الفخ ويضطروا للشراء، وهو يحاول أن يكون كبيراً بينهم ولا مجال له كي يحقق ذلك إلا بالقوة والمال وهو يفتقد الاثنين معاً.
سرقة الحيوانات الشاردة لم تكن كافية لمتطلبات وضعه بين هؤلاء، وهو يريد أن يثبت وجوده ويحقق المزيد من الخطوات على الأرض ليكسب المعركة ليس في الإنجار أو التقدم وإنما في عالم الانحراف، ولا يعرف نشاطاً أو عملاً آخر غير تلك السرقات، لكنه غير أسلوبه، فبدلاً من أن ينتظر الشارد من الحيوانات قرر أن يقتحم الحظائر ليلاً أو نهاراً ويستولى على ما بها في غيبة أصحابها، وقد جاءت تلك الفكرة بالكثير من الأموال، لكن ليس كل مرة تسلم الجرة، فقد تم الإمساك به في إحدى المرات ولقنه صاحبها درساً قاسياً لم يكن قادراً على نسيانه مهما طالت به الحياة، فقد أسقط له اثنتين من أسنانه في مقدمة فمه مما جعله خالياً، وعلامة مميزة وأمارة سيئة، لكنه أسرها في نفسه لأنه غير قادر الآن على المواجهة حتى وان عيروه بها.
بعض الخبثاء أطلقوا على حامد ألقاباً كلها من باب الاستهزاء، وبالطبع كان ذلك من وراء ظهره تجنبا للمشاكل معه، إذ رغم ضعفه فإنه لا يتورع عن أن يختلق المشاكل مع من هم أكثر منه مالاً وولدا حتى لو أوسعوه ضرباً، وبعضهم يحاول الابتعاد عنه ليس خوفاً منه وإنما حتى لا يلاموا على انهم تعاملوا معه.
تخطى الصبي الثامنة عشرة وقد بلغ مبلغ الرجال وظهر شاربه الخفيف الذي يكاد الناظر إليه يعتقد انه قادر على إحصاء شعيراته التي كانت صفراء ضعيفة، فمن لا يعرفه يستهين به من شدة ضعفه وجسده النحيل، فرغم أنه الآن يتغذى جيداً إلى حد ما لكن النحافة لم تفارقه وهذا يجعله مطمعا لمن يتعامل معه لأول مرة، لكنه لا يعرف شيئا اسمه الخوف ويلقي بنفسه إلى التهلكة بلا حسابات أو قراءة للعواقب، وهذا ما جعل الناس يخشون التعامل معه حتى لا يقع فيهم أو يقعوا فيه ويصل الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا نفسه الذي جعله هو يطمع في الناس وتمادي في غيه.
تطورت جرائمه من السرقة التي اعتبرها «لعب عيال» ولا بد أن ينتقل إلى ما هو أكبر وما يناسبه، وخاصة انه يجد على ذلك أعوانا، اشترك معهم في تجارة المخدرات ودخل صفقات لكن ليس مثلهم وإنما يعامل كمبتدئ في المجال وهذا لا يرضي غروره ويطالب بنصيب مثلهم ودخل ببعض الأموال «ليستثمرها» وقد درت عليه الربح الكثير بجانب ما يحصل عليه مقابل مجهوده في النقل والحراسة.
هذا العالم لا يخلو من المعارك والخلافات والمطامع ولابد من الحماية بالسلاح وإظهار المزيد من القوة وقد وجد في حمل بندقية إكمالاً لشخصيته التي يحاول أن يفرضها بالأمر بالواقع، وقد مرت بهم لحظات صعبة ومواجهات واقتتال، لكن قلوبهم ميتة لا يفكرون في التوبة، تربطهم دنيا الانحراف وعالم الليل والتخفي، أصبحوا مثل الوطاويط يعشقون الظلام.
كأنه لم يكن راغبا في الحياة ولا يهتم بها، مع مطامعه الكبرى المليئة بالأحقاد، لا يتورع عن أن يرتكب كل الموبقات ويحرق الأخضر واليابس من أجل المال والسطوة، تزوج إحدى بنات واحد من شركائه ليست أفضل حالاً من أي منهم فقد تربت هي الأخرى في تلك الأجواء الموبوءة، وانطلق يشاركهم عمليات السطو والقتل والخطف وتجارة المخدرات ولا مانع من السرقات، فهي لا تضر، أصبحوا عصابة فرض عليها حامد كلمته رغم انه ليس الاكبر سنا، أصبحوا معروفين في المنطقة كلها ولأنهم جماعة فلا أحد يستطيع مواجهتهم أو الوقوف في وجوههم.
أطلق عليه أصدقاؤه لقباً جديداً سموه «هولاكو» من شدة قسوته وميوله للتخريب والإجرام، وفي الحقيقة لم يكن لهم الفضل في تلك الكنية، ولا يعرفون معناها وإنما أخذوها من الألقاب التي أُطلقت عليه من قبل، فهؤلاء لا يعرفون شيئا عن التاريخ ولا الأشخاص لكنهم عندما سألوا وعلموا ان هولاكو من التتار الذين يدمرون ويأكلون الأخضر واليابس ويقتلون وجدوا في وصفهم له باسمه ميزة ربما تزيدهم قوة وهيبة، وتخيف الآخرين منهم وبالفعل جاءت النتائج كذلك.
نسي الناس جميعاً اسمه الحقيقي ولا يتعاملون معه إلا بهذا الاسم الجديد، والى هنا لم يكن السجل الإجرامي لهولاكو خالياً، بل تم اتهامه في العديد من القضايا بعضها يفتقد الدليل والبعض الآخر تم حبسه على ذمتها لعدة أشهر وأخلي سبيله لحين المحاكمة، ومازال عدد منها قيد التحقيق، لكن هذا كله لا يغير من حساباته حتى بعد أن اصبح رأسه مطلوبا للعدالة ولبعض الغرماء، خاصة عائلة ذلك الرجل صاحب الحظيرة الذي أسقط له أسنانه فقد قام هولاكو بقتله انتقاما منه وأعلن ذلك على الملأ ولم تتهمه العائلة حتى لا يسجن ويظل على قيد الحياة وقيدت القضية مثل الكثير غيرها ضد مجهول لحين أن يتمكنوا من الثأر.
توجهت قوة من الشرطة للقبض على هولاكو عند الفجر وهو بين زوجته وطفليه، وبمجرد أن شعر بهم خرج إلى الزراعات وأطلق النيران عليهم ولأن الظلام لم ينقشع بعد تمكن من الهرب وباءت العملية بالفشل، بل الأدهى والأمر انه أصاب أحد رجال الشرطة وكاد يموت لخطورة إصابته، الأمر اشتد وازداد خطورة، ولا يمكن الانتظار على هذا المجرم الكبير، وتم التربص له ووضع الكمائن وتضييق الخناق عليه والتعامل معه بحذر؛ لأنه يعرف أن السقوط معناه النهاية بكل الاحتمالات فالإعدام في انتظاره لا محالة، لذلك عندما توجهت قوة أخرى لضبطه استمات في الدفاع والمقاومة.
النتيجة الحتمية أن بادلته القوات إطلاق النيران ولقي مصرعه، وعندما انتشر الخبر انطلقت الزغاريد فرحاً بمقتله، وانتهت أسطورة هولاكو.!

اقرأ أيضا