الاتحاد

دنيا

مقالب الكاميرا الخفية·· للأمراض الصعبة!


صلاح الحفناوي:
تخيل هذا الموقف الغريب وحاول أن تستنج رد فعلك·· في عيادة الطبيب الكبير وبعد فحوص دقيقة وفي لحظة الترقب التي تنتظر فيها معرفة سبب آلامك التي لا تحتمل ومتاعبك الصحية·· يسألك الطبيب فجأة فيما ابتسامة واسعة تطغى على كل ملامح وجهه: هل سمعت آخر نكته؟·
لحظة من فضلك·· قبل أن تتسرع في تقييم الموقف، هذا الطبيب يطبق أحدث ما توصل إليه العلم وينفذ أهم توصيات طب العواطف·· فالأبحاث العلمية الحديثة أثبتت صحة المقولات الشعبية القديمة·· وفي مقدمتها ' اضحك تضحك لك الدنيا'·· وهو ما تحول من توصيات معملية أو تطبيقات عملية·· ففي العديد من مستشفيات الأطفال بأوروبا وأميركا·· أصبح المهرج أو البلياتشو عضوا أساسيا في فريق الرعاية الطبية وأصبح يمارس مهمة المرور اليومي على الأقسام الداخلية لمرضى الحالات الصعبة مثل السرطان والسكري·· بل أن الضحك أصبح يتصدر وصفات علاج مرضى القلب·· ولم يعد غريبا أن يقدم الطبيب المعالج قرصا مدمجا يحتوي على فيلم كوميدي أو مشاهد ضاحكة من الكاميرا الخفية·· لان الضحك ـ ومعه مشاعر التواصل الحميمة ـ يقوي المناعة وينشط القلب ويقلل إفراز هرمونات التوتر التي ترفع الضغط وتجهد معظم أجهزة الجسم والاهم من ذلك يضاعف تأثير الأدوية المستخدمة لعلاج الأمراض الصعبة والمستعصية ويسرع الشفاء ويقلل إقامة المرضى في الأقسام الداخلية بالمستشفيات إلى النصف في الكثير من الحالات·
ونبدأ بالمشاعر الحميمة·· فقد انتهت دراسة مسحية أجرتها مؤسسة بريطانية خيرية للصحة العقلية إلى أن معانقة شخص نحبه أو التحدث إليه عن قرب لفترة طويلة يساعد على التخلص من المزاج السوداوي أو الكآبة التي يؤثر تكرارها على مجمل وظائف الجسم· وكشف المسح أن خيار التحدث إلى شخص جاء في المرتبة الأولى كأفضل خيار للتخلص من الكآبة· كما كشف أيضا عن اختلاف بين الرجال والنساء في هذا الأمر، حيث اختارت 83 بالمائة من النساء اللائي شملهن المسح التحدث إلى شخص كأفضل السبل للخروج من حالة الكآبة، مقارنة بـ 68 بالمائة من الرجال·· واحتلت المعانقة المرتبة الثانية عند الرجال والنساء، حيث اختارها 45 بالمائة من الرجال و57 بالمائة من النساء·
وقال الدكتور أندرو ماكلوتش المدير التنفيذي لمؤسسة الصحة العقلية إن الهدف من هذا المسح هو الحيلولة دون تجاهل الأشخاص لصحتهم العقلية·· وبرغم طرافة البحث إلا أنه يحمل رسالة جادة جدا· وأضاف المسح أن ممارسة التمرينات تعد أحد آليات الخروج من حالة الحزن في لندن بنسبة 54 بالمائة وفي أيرلندا الشمالية بنسبة 37 بالمائة وفي الجنوب الشرقي والجنوب الغربي بنسبة 20 بالمائة· وفي مناطق الشمال الغربي فمن المحتمل أن يشعر الناس هناك بأنهم أفضل حالا إذا ما قضوا بعض الوقت مع العائلة· واختار سكان الشمال الشرقي ممارسة العلاقة الزوجية الحميمة كآلية للتخلص من الكآبة·
القلب الضاحك
وأعلن فريق من العلماء أن الضحك على مواقف الحياة هو أفضل طريقة لضمان حياة طويلة وقلب قوي· ووجد باحثون في قسم الوقاية من أمراض القلب في جامعة ميريلاند في ولاية بالتيمور الأميركية أن الأشخاص الذين يضحكون كثيرا وبصوت عال وينظرون دوما إلى الجانب المضحك في المواقف الحياتية الصعبة هم اقل عرضة للإصابة بأمراض القلب من الأشخاص الذين لا يملكون روح الفكاهة· وقام الباحثون بدراسة روح النكتة عند 150 شخصا من مرضى القلب الذين تعرضوا لأزمات قلبية أو لا يزالون يتلقون العلاج من انسداد شرايين القلب· وقارن الباحثون المجموعة المريضة مع مجموعة مماثلة تتضمن أشخاصا أصحاء·· فوجدوا أن مرضى القلب كانوا اقل استعدادا للضحك من الأصحاء بنسبة تصل إلى أربعين بالمائة· وقال رئيس فريق الباحثين في جامعة ميريلاند، مايكل ميلر أن المقولة بأن الضحك أفضل دواء، صحيحة أيضا في تقوية شرايين القلب·
وتعتبر هذه الدراسة، أول دراسة تثبت بطريقة علمية العلاقة بين الضحك وروح النكتة وأمراض القلب·· وتضمنت أسئلة للمشاركين ليختاروا البديل الصحيح من عدد من الإجابات حول تحديد المواقف المضحكة والمفاجئة في الحياة اليومية·· فوجد الباحثون أن الأشخاص الذين حصلوا على أعلى النقاط كانوا المرحين الذين لا يعانون من أمراض القلب، بينما كان مرضى القلب اقل استعدادا للضحك حتى عند المواقف الإيجابية·
وقال ميلر إن العلماء لا يعرفون بعد سبب قيام الضحك، وبالأخص الضحك القوي الذي تهتز له البطون، بحماية القلب، ولكنهم يعرفون أن الإجهاد العقلي يضعف الأنسجة التي تبطن جدران الأوعية الدموية، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى التهابات تحفز تراكم الدهون والكولسترول في شرايين القلب وبالتالي تؤدي إلى أزمة قلبية·
وينصح ميلر بعمل تمارين شبيهة بالتمارين الجسدية لتقوية روح الفكاهة والبقاء أصحاء، مثل قراءة كتب أو مشاهد أفلام فكاهية تبعث على الضحك·· وينصحنا بأن نكون اقل جدية وأكثر مرحا في مواجهة الحياة··!·
المرضى الصغار
وأظهرت دراسة أخرى أن الضحك له تأثير ساحر على الاستجابة العلاجية والحالة الصحية العامة للأطفال المصابين بأمراض صعبة والمنومين في المستشفيات·· واكتشف فريق من خبراء الصحة الأميركيين أن الضحك يريح أعصاب الأطفال ويقلل كثيرا من توترهم العصبي، وهو ما له تأثير فعال وملموس على كيفية تقبلهم للألم والتعامل معه وتحمله·· وأن القوة العلاجية للفكاهة والضحك يمكن لها أن تقلص من درجات الألم، وتحسن أداء جهاز المناعة خصوصا عند الأطفال الذين يعانون من أمراض خطيرة مثل السرطان أو الإيدز أو السكري، وأولئك المعرضين لعمليات زرع أعضاء أو نخاع عظام وغيرها من الحالات المماثلة· وتدعم نتائج الدراسة الأخيرة ما هو معروف ومطبق في العديد من أساليب المعالجات الطبية في الثقافات البشرية المختلفة، قديمها وجديدها، كما تظهر أهمية الفكاهة والضحك كوسيلة مهمة في العلاج النفسي الذي يؤثر بدوره على علاج البدن·
وتقول الدكتورة مارجريت ستوبر رئيسة فريق الخبراء الأميركيين والمشرفة على الدراسة أن الضحك يمكن أن يكون أداة مساعدة مهمة لجعل الأطفال المعرضين لعمليات أو إجراءات طبية تصاحبها آلام موجعة أكثر تحملا وتقبلا لها، والتقليل من درجة القلق والهلع التي تنتابهم·· مشيرة إلى أن المستقبل غير البعيد سيشهد استخدام أشرطة الفيديو الفكاهية كجزء لا يتجزأ من عدد من الإجراءات والعمليات الطبية الرئيسية·
وتوضح الدكتورة ستوبر أن هدف تخفيف الآلام عن الأطفال المرضى يجب أن يدخل في أولويات الإجراءات الطبية التي تصاحبها الأوجاع، حتى تكون التجربة على الطفل المريض أقل وطأة·· وتذهب إلى القول بأنه في بعض الحالات يمكن للضحك أن يقلص من كمية المخدر المطلوبة للإجراء الطبي أو العملية الجراحية·
وقد بدأ العديد من المستشفيات في الدول الغربية، ومنها بريطانيا، بالفعل في إدراك أهمية وقوة وتأثير الضحك والفكاهة على الأطفال المرضى وهو ما دفعها إلى الطلب من بعض الأطباء 'غير الحقيقيين' أن يتقمصوا شخصية البلياتشو أو المهرج المثيرة للضحك عند الأطفال مع ارتداء البالطو الأبيض الذي يمثل الزي الموحد لجميع أطباء العالم بحيث يرتبط دور الطبيب في أذهانهم بالمرح والفرح ومشاعر البهجة·· وهكذا أصبح الطبيب المهرج أو المهرج الطبيب جزءا لا يتجزأ من الخدمات الصحية الخاصة التي يقدمها عدد كبير من مستشفيات الأطفال في أوربا لنزلائها·· وهؤلاء ليسوا أطباء فعليين، وليسوا معالجين نفسيين، بل هم مجموعة من الفنانين الكوميديين المحترفين الذين يعلمون جيدا ماذا يفعلون، وكيف يتصرفون من أجل ينتزعون الابتسامة من شفاه الأطفال المرضى·· وتعد الدكتورة دوبيت واسمها الحقيقي هيلاري داي اشهر من يمارس هذه المهمة في المستشفيات البريطانية وبالتحديد في مستشفى ساوث هامبتون العام·· وتقوم الدكتورة دوبيت بجولات في عنابر الأطفال لكنها لا تحمل سماعة الطبيب بل بالونات وألعابا وتقوم ببعض الألعاب السحرية حيث تعد الدكتورة دوبيت 'مهرجة' مقيمة بالمستشفى، وتعمل في ثلاث ورديات بعد الظهر بالمستشفى وتبدأ عملها باجتماع مع الطاقم الطبي لمعرفة المرضى الذين يرغب الأطباء في التركيز عليهم·
ويؤكد العلماء أن الضحك يحفز مراكز المتعة في الدماغ على إفراز المزيد من المورفينات الداخلية 'انضو مورفين' مما يساعد على تقليل الشعور بالألم ويخفف إلى حد كبير من الأعراض العضوية للمرض ويحسن الحالة المزاجية ما يساعد على إطلاق قدرات الشفاء الذاتي في الجسم·· فالضحك أو المرح أو روح الدعابة يجب أن يكون جزءا مهما في وصفة علاج كل الأمراض الحادة والمزمنة·· البسيطة والمستعصية·

اقرأ أيضا