صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الركود يضرب أسواق الذهب المحلية

تحقيق - ريم البريكي:

دعا فرديناند ليبس أحد أكثر خبراء الذهب شهرة في العالم منذ عامين دول الخليج إلى تنويع احتياطياتها النقدية والاعتماد أكثر على الذهب بدلاً من الأوراق النقدية مثل الدولار واليورو، وقتها تناقلت الصحف العربية والعالمية تلك المقولة بتفاصيلها، إلا أن عامل الزمان كان كفيلاً بإثبات تلك الحقيقة من واقع تحركات وأنشطة السوق، فلم تعد مقولة ''ليبس'' مجرد ''كلام للفرقعة الإعلامية'' بل أصبحت ''نصيحة من ذهب''·
وأكثر ما يميز الذهب هو القيمة التي يحملها هذا المعدن والتي لم تقل مع مر العصور حيث كان الذهب ومازال السلعة الأول بين السلع الأساسية، ورغم ارتفاع قيمة المعدن الأصفر إلا أن حجم الإقبال على شرائه في الفترة الأخيرة قل وبشكل ملحوظ، مما أدى إلى وجود حالة من الركود بين محال بيت الذهب المحلية، حيث تراجعت نسبة المبيعات خلال العامين الماضيين بنحو 80% مقارنة بمستوياتها المسجلة عام ··2004 هذا التراجع طرح العديد من التساؤلات، حول أسباب تراجع الإقبال على شراء الذهب، ليس في أسواق الإمارات بل في أسواق العالم تقريباً، وهل غير العالم نظرته إلى عملة الملاذ الآمن؟·· وهل هناك بدائل جذبت البساط من تحت الذهب ؟
يؤكد معاذ بركات المدير التنفيذي لمجلس الذهب العالمي بالشرق الأوسط أن سعر الذهب شهد ارتفاعاً كبيراً منذ عام 2002 حيث بلغ سعره 265 دولاراً للأونصة، ثم بدأ في الارتفاع بشكل أكبر فبلغ 745 دولاراً للأونصة في مايو ،2006 وهو أعلى ارتفاع سجله منذ أكثر 26 سنة، ولكنه اليوم يشهد انخفاضاً في سعره حيث يدور حالياً حول 655 دولاراً للأونصة·
ويشير بركات إلى أن هناك عوامل وأسباباً تتدخل في تحديد سعر الذهب، منها عوامل اقتصادية وأخرى سياسية، تأتي في مقدمتها حجم الطلب على الذهب، وضعف الدولار، وارتفاع أسعار النفط، والبيانات والإحصاءات المالية الأميركية، بالإضافة لإطلاق أسهم مقومة بالذهب في بورصة نيويورك وجوهانسبرج ولندن وسيدني وسنغافورة وهو الذي أدى إلى زيادة الطلب على الذهب، بالإضافة الى بيع البنوك المركزية لأقل من حصصها المخصصة وزيادة قيمة الاحتياطيات الذهبية في مصارفها، والبيع بأقل من 500 طن في السنة وهي النسبة المخصصة لاحتياطيات الذهب بالبنوك المركزية·
وأرجع بركات الارتفاع إلى نقص الإنتاج وحدوث أزمات واضطرابات دولية تؤثر على أداء الاقتصاد العالمي، كأزمة الملف النووي الإيراني والأوضاع بالعراق، والعجز الكبير في الميزان التجاري الأميركي، فكلما اتسعت بؤرة الصراعات بالعالم كلما أثر ذلك سلباً على أداء السوق، وكلما كانت الأوضاع هادئة كلما كان التأثير إيجابياً·
مدخرات ذهبية
ويرى بركات أن العوامل تشمل كذلك انخفاض أسعار الفائدة، وهو ما يؤدي لتحويل المدخرات النقدية إلى ذهب وبالتالي يزداد الطلب عليه فترتفع أسعاره، ويزداد الطلب على شراء السبائك الذهبية، ويضيف: خلال الفترة من 2005 إلى 2006 زاد الطلب على شراء الذهب، وبالرغم من ارتفاع السعر عوضه التراجع الذي لحق بالدولار أمام العملات الرئيسية في العالم، وهو مازاد الطلب على سبائك الذهب، باعتباره الملاذ الآمن في الأزمات·
وحول حجم الإقبال على نسبة الطلب على الذهب بالإمارات يؤكد بركات أن حجم الطلب على الذهب هبط خلال العام الماضي من 6 إلى 7% ولكن كقيمة شرائية شكل زيادة بحوالي 26%، ونصح بركات المستثمرين بضرورة تنويع محافظهم الاستثمارية، على أن تحتوي على أقل تقدير على ما نسبته 10% من الذهب، حيث إن الذهب يتفاعل مقابل أي تقلبات للعملات·

ركود بالأسواق

وإذا كانت هذه آراء أصحاب المحلات الكبرى فما هي الأسباب التي يراها أصحاب المحلات الصغيرة لارتفاع أسعار المعدن الأصفر، ويؤكد حمدان آل علي صاحب محل ذهب أن التذبذب الحاد في أسعار المعدن الأصفر حد من عمليات شراء الذهب كما كان من ذي قبل، فغالبية من يرتادون محلات الذهب ينتظرون حالياً تراجع الأسعار للتوجه للشراء، وهو ما يؤثر على مبيعات محلات الذهب الصغيرة نسبياً، فهذا الأمر يعني وجود حالة من الركود في تعاملات السوق، ومن ثم يؤثر على مبيعات المحلات وأرباحها السنوية· ويؤكد حمدان أن محال الذهب الصغيرة تشهد ركوداً حيث تراجعت مبيعات الذهب بنسبة 80% خلال العامين الماضيين بسبب ارتفاع الأسعار بالأسواق العالمية·
وأشار نعمان علي أحد العاملين في محلات بيع وشراء الذهب، الى أن حالة الركود تخيم على سوق الذهب المحلي بسبب عدم ثبات أسعار الذهب عالمياً، مؤكداً أن الضرر لحق بأصحاب المشاغل الذين يعانون مشكلة أخرى تتمثل في إقبال التجار على استيراد الذهب المصنع من الخارج، وأضاف أن محلات الصاغة تشهد تراجعاً في إقبال المواطنين والمقيمين على الشراء نتيجة لارتفاع سعر المعدن الأصفر في الأسواق العالمية، مؤكداً أن حالة الركود لا تتوقف على ضعف الشراء بل تتعداها لضعف إقبالهم على بيع ما لديهم من مقتنيات·

طلب وعرض

ويرى نجيب مكنا مدير مجوهرات سالم الشعيبي بأبوظبي أن هناك أسباباً محلية وراء تحركات أسعار الذهب، ويقول: العامل المؤثر في ارتفاع أو انخفاض أية سلعة بالسوق يكمن في حجم الطلب والعرض، ولا يتعلق الأمر بدولة معينة وارتفاع الأسعار بها·
وحول أفضل المواسم التي يرتفع فيها الذهب يقول مكنا: ''طبيعي أن تكون المناسبات والاحتفالات هي المواسم التي يكون فيها الإقبال متزايداً لاقتناء الذهب، وخاصة منذ بداية العام الذي يشهد حدوث مناسبات مثل رأس السنة، وعيد الحب، نهاية بالأعياد مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، ومواسم الأعراس التي يزداد فيها الشراء بكميات كبيرة من الذهب خاصة من قبل المواطنين، بينما يقبل الوافدون على شرائه في موسم الأجازات والسفر حيث يفضلون حمل الذهب كهدايا للأهل·
ويضيف مكنا: يزداد الطلب على الذهب وبكميات كبيرة في المشاريع العلمية، وتتطلب تلك المشاريع كميات كبيرة من الذهب، مما يزيد من ارتفاع سعر الذهب بالشكل الذي يلاحظه العملاء، ولا يقتصر الإقبال على الذهب من قبل الأفراد فالمؤسسات تشارك في هذا الإقبال وبكميات هائلة، بالإضافة إلى ظهور أسواق جديدة مثل الصين والهند وأصبح الذهب سلعة متداولة في أسواقهما بشكل كبير، وهو ما يعود للمستوى المعيشي الذي بدأ يرتفع في هذه الدول، وفي حالة كان حجم العرض أكبر من حجم الطلب فإن النتيجة الحتمية هي انخفاض سعر الذهب· وعن أكثر الدول تميزاً في صناعة الذهب قال نجيب: هناك العديد من دول العالم تشتهر بصناعة الذهب، إلا أن هناك فروقات تميز دولة عن أخرى، فهناك من يتميز بالدقة العالية في التصنيع، وهناك من يشتهر بنوعية الذهب ودرجة النقاء، وأمور فنية أخرى كثيرة، وتعد الصناعة الإماراتية والبحرينية والسعودية والإيطالية في مقدمة صناعات الذهب وتشهد إقبالاً واسعاً على شرائها، وهناك دول بالشرق الأوسط مثل سوريا وتركيا ولبنان ودول أوروبية مثل إسبانيا سويسرا وبلجيكا، ويظل الذوق الإيطالي الأفضل عالمياً، حيث يتناسب مع الذوق العربي والخليجي بالتحديد، والإيطاليون متمرسون في هذا المجال حيث جمعت الصناعة الإيطالية للذهب من خلال تصميماتها كافة الأذواق·

ضمان آمن

أشار مكنا إلى أن الناس تعتبر الذهب ضماناً آمناً ضد التقلبات، ويضيف ''يعد الذهب إلى جانب هذه الميزة حافزاً استثمارياً بالإضافة لاستخدامه في الزينة فهو يحتفظ بقيمته المادية''·· وحول أكثر الجنسيات شراءً للذهب يؤكد مكنا أن المواطنين يأتون بالمرتبة الأولى وبعد ذلك الهنود، ويميل المواطنون الى شراء القطع كبيرة الحجم وبكميات كثيرة، خاصة وأن يستخدم ضمن ''زهبة العروس''، وتجهيزات الأعراس· وحول أي العيارات عليها إقبال أكثر يقول مكنا: ''يفضل العملاء اقتناء عيارات الذهب حسب ثقافتهم وأفضليتها بدولهم فالأجانب يفضلون عيار ،18 ويفضل العرب عيار 18 و،21 بينما يفضل المواطنون عيار 12 و··''22 ويشير مكنا إلى تغير المفهوم العام للأسعار والغلاء، فاليوم يشتري كثير من الناس الذهب وفقاً لاحتياجاتهم، وحين يرتفع مؤشر أسعار الذهب لا يعني الأمر أنه سيكون هناك إحجام عن شراء الذهب، فالعملية تخضع إلى الخيار والرغبة في الشراء· وتوقع مكنا ارتفاع أسعار الذهب خلال الأشهر القليلة المقبلة، حيث يصل السعر حاليا إلى 670 دولاراً للأونصة، وهو سعر عال مقارنة بالسنوات الماضية، ولكن هذا السعر يعد معتدلاً مقارنة بالقيمة الشرائية للدولار حالياً·