صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

تركيا وشمال العراق·· وماذا بعد ؟



أنقرة: سيد عبد المجيد:

حذر وتشدد وترقب· تلك هي العناوين الفرعية السائدة الآن على الساحة السياسية التركية، أما العنوان الرئيس فينحصر في الجدل الدائر بشأن تعامل أنقرة مع التردي الحاصل على الساحة العراقية بشكل عام وإشكاليات الملف الكردي بشكل خاص· لا أحد يعرف بطبيعة الحال ما دار قبل أسابيع في الجلسة السرية داخل البرلمان التركي والتي اقتصرت على موضوع واحد، ألا وهو تطورات شمال العراق وخيارات تركيا في هذا الصدد، بيد أن ما دار لن يعرف قبل عقد من الزمان بنص القانون·
صحيح أن الساسة الأتراك مع العسكريين توصلوا في مجلسهم الأمني الذي عقد نهاية الشهر المنصرم إلى اعتماد اللغة الدبلوماسية مع العراق عموما والحوار مع القادة في شماله الذي قد ينهي الأمر إلى وأد شوكة العناصر الانفصالية التابعة لحزب العمال الكردستاني، وفي نفس الوقت إلى وضع صياغة عادلة لإقليم كركوك الغني بالنفط (10 مليارات برميل نفط) على الأقل من جانب، وغالبيته التركمانية من جانب ثان، إلا أن العراق ومنذ عقود -ولازال - يعتبر معضلة أمنية بدأت تتفاقم مع الحصار الذي ضرب حول نظام صدام حسين السابق في مطلع عقد التسعينيات، مما يجعل من الطبيعي أن تولي النخب التركية، مدنية وعسكرية، على السواء أهمية كبرى لكل المبادرات التي استهدفت -ولازالت- استقرار هذا الجزء الحيوي المتاخم للأناضول، ومنع تقسيمه، والشهر القادم سوف تشهد اسطنبول جولة جديدة من الحوار مع دول الجوار لنفس الهدف·
غير ان الإشكالية هنا أنه لا يوجد في الأفق ما يوحي بأن الهواجس التركية ستجد قريبا مرفأ لها، بل العكس هو الصحيح· فالجنود الأتراك يتساقطون في معارك ضد حرب العصابات التي تشنها العناصر الانفصالية في عدد من مناطق جنوب شرق تركيا، بالإضافة إلى الحوادث الإرهابية التي تقع بين الحين والآخر، كانفجار قنبلة بمقر حزب العدالة الحاكم بمنطقة ''كارتل'' بالجانب الآسيوي باسطنبول وبالتزامن وقع انفجار آخر في مرسيين السياحية، وفي ''انطاليا'' الساحلية المطلة على البحر المتوسط لقي ثلاثة مصرعهم منهم أثنان من السياح الأجانب، وأعلنت منظمة ''صقور حرية كردستان الكردية'' كل هذا في أغسطس أهم شهور الصيف في تلك المدينة وقبلها بقليل وقعت تفجيرات بأحد المنتجعات أسفر عن مقتل أربعة اسخاص بتوقيع صقور حرية كردستان· هناك قناعة تركية موثقة في وجود دعم لوجستي للفصائل الانفصالية، وأن هذا الدعم ينطلق من شمال العراق ليس ذلك فحسب بل هناك معسكرات تدريب في التخوم المشتركة بين الأناضول والعراق·
الحاضر لم يعد مثل الماضي
كان طبيعيا أمام هذا الوضع المتأزم، أن يطرح التساؤل المركزي التالي: متى ستتدخل أنقرة؟ وبخاصة مع وجود مؤشرات تصور معها المراقبون أنها بمثابة تمهيد لعملية عسكرية كبيرة، بيد أنها تمثلت في مواصلة الجيش التركي بتعزيز قواته على الحدود المتاخمة لشمال العراق: مئات من العربات المدرعة والدبابات وناقلات الجنود ووحدات ''كوماندوز'' وهو العمل المستمر منذ أغسطس الماضي حتى الآن، وعلى الصعيد السياسي هدد رئيس الحكومة طيب ''رجب اردوغان'' بتوغل القوات التركية في شمال العراق· لكن هيهات، فضبط النفس مطلوب وبشدة، فثمة واقع جديد افرزه الغزو الأميركي للعراق من جانب، وانتهاء حقبة صدام حسين من جانب ثان، والأهم من هذا وذاك لم يعد الحزبان الكرديان الرئيسيان يرغبان في تقديم الدعم للقوات المسلحة التركية كما كان يحدث في الماضي القريب نسبيا· فتركيا عندما كانت تقوم باجتياح بعض مناطق شمال العراق لم يكن يتم من تلقاء نفسها ؟
بعبارة أخرى لم يحدث وأن توغلت القوات المسلحة التركية داخل الأراضي العراقية بدون تنسيق مع الفصائل الكردية الرئيسية، وهما الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني الرئيس العراقي الآن، و''مسعود برازاني'' رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وعندما يغيب التنسيق يصبح التدخل العسكري مغامرة خاصة وأن النخب الكردية العراقية بشمال العراق باتت تحد من نشاط عناصر حزب العمال الكردستاني!!
لا فرق بين برازاني وطالباني
الأكثر إثارة أن هذه النخب رغم رفضها - الرسمي على الأقل- لفصائل حزب العمال الكردستاني، إلا أنها تتبنى نفس مطالب المنظمة الانفصالية، بيد أنها لا تهدأ عن تكرار ما يثير حفيظة مجمل الأناضول، وها هو مسعود برازاني الرجل القوي حاكم ''كردستان'' العراقية يؤكد أن الدولة الكردية واقع حي وكركوك وليست السليمانية هي العاصمة الأبدية للدولة الكردية·
قد يتصور البعض أن موقف جلال طالباني رئيس العراق -قبل الوعكة الصحية التي ألمت به- معتدل منصف لتركيا عندما قال: إن الدولة الكردية، ''حلم مستحيل'' لكن الصحيح أيضا أن هناك توزيعا للأدوار وهو أمر اعتاد عليه القادة في هذا المكان المعنون بإقليم ''كردستان'' والدليل على ذلك، هو أن الطالباني أثناء زيارته لباريس قبل أسابيع قام باستعداء الحكومة الفرنسية بحثها على مواصلة ضغطها على العاصمة أنقرة من خلال إثارة ملف مذابح الأرمن أثناء الحرب العالمية الأولى وحتى يظل هذا الملف حجر عثرة في مسعى تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهكذا يتبادل الزعيمان الكرديان مواقعهما، فهذا يتشدد والآخر يبدي اللين والمرونة والعكس صحيح، وعلى أية حال رد برازاني بعدها بأسبوعين فقط قائلا: إن ''الدولة الكردية واقع وليس حلماً'' والبشائر كثيرة في إقليم كردستان، وهو بالمناسبة ليس مثل كل الأقاليم·
أكثر من متغير يدفع
نحو التروي
واشنطن في تلك المعضلة ''حجر الزاوية''، صحيح أنها أعلنت عن عزمها القضاء على عناصر تلك المنظمة الإرهابية، وهذا ما تعهد به ''نيكولاس بيرنز'' مساعد وزيرة الخارجية للشؤون الخارجية في التاسع عشر من يناير الماضي، ثم على لسان ''جوزيف رالستون'' أثناء زيارته لأنقرة نهاية الشهر نفسه وتأكيده على السير في هذا الاتجاه، لكن ليس أكثر من ذلك· فما كان يحدث بالأمس أي التدخل العسكري في شمال العراق لم يعد صالحا، صحيح أن الجنرال ''يشار بويك آنك'' رئيس المؤسسة العسكرية التركية شدد في واشنطن أثناء زيارته الأخيرة على وحدة الأراضي التركية ومعها وحدة اللغة والقومية، إلا أنه تجنب الحديث عن الخيار العسكري وهو ما يعني أن تركيا ستتحلى بالمزيد من الصبر· خاصة وان المواقف الأوروبية حيال المنظمة الانفصالية باتت تتجه نحو تكريس توجه مغاير إلى حد ما· ولعل عزوف السفراء الأوروبيين عن المشاركة في احتفالات عيد ''النيروز''، وهو تقليد كانت السفارات الأوروبية في العاصمة أنقرة تحرص عليه· خير مثال على إصرار أوروبا على ضرورة قيام القيادات الكردية بالإعلان، وبشكل واضح بنبذ العنف، وهو ما يتسق مع التوجه الجديد ألا وهو استحالة تلاقي العنف مع السلام، وحتى يكتمل المشهد الأوروبي المغاير تراجع المجلس الأوروبي بإعادة محاكمة الانفصالي ''عبد الله أوجلان'' المحبوس بجزيرة ''إمرالي'' منذ فبراير عام ·1999 متغير آخر يدفع أنقرة إلى المزيد من الصبر، وهو هنا يتمثل في تنامي مصالح رجال الأعمال الأتراك ، فمعظم المشاريع الاقتصادية في شمال العراق يديرها رجال أعمال أتراك، حتى أكراد شمال العراق صاروا لا يرون في الجيران وتحديدا سوريا وإيران خيرا، ومن ثم اتجهوا إلى الأناضول للاستثمار وعقد الصفقات التجارية، واعتبارا من الشهر القادم ستنطلق رحلات طيران لخطوط تركية خاصة من السليمانية إلى مناطق الجنوب التركي لتشجيع السياحة من جانب وزيادة التبادل التجاري من جانب آخر بشمال العراق·· لكن ثمة سؤال·· ماذا عن الاستفتاء المقرر إجراؤه نهاية العام الحالي بشأن إقليم كركوك؟
هل يؤجل أم أن تنتظر أنقرة نتائجه التي لن تكون لصالح تركيا، وهذا سيكون محور موضوع آخر ··