الاتحاد

الملحق الثقافي

ارفع يا جسدي راياتك البيضاء

هشام أحناش

بركان يغلي في دواخلي
تتطاير شراراته الهائلة الهائجة في جوانبي وجوانحي
فتخترق كل شريان وتُحكم إغلاق منافذه بسدادات قوية
يلد كل بركان آخرَ أعتى منه
تتناسل براكيني في سجن جسدي
لكنها تظل مقموعة مكبوتة إلى أجل غير مسمى
أستدعي كل مشاعري
فأسمع صرخات نفسي تهمس ساخطة:
أما آن لهذه البراكين أن تجد طريقها إلى حيث تريد؟
أما آن لهذه الزلازل أن تخلق جُزُرها في محيط نفسي؟
فقد أطبقت علي إطباقاً فما عادت تتركني أتنفس إلا لماما!
كلا، آن الأوان لجنيّ أن يخرج من قمقمه
آن الأوان لفوهات براكيني أن تنفتح
أن تُطلق دفقات نارية تلو الدفقات
أن تزفر وتنفث ما يقبع ببواطنها
أن تَلفظ ما يكتنفها من معادن ثقيلة
من شوائب خفيفة حارقة
ومن ألسنة طائشة وجمرات باطشة
آن لزلازلي أن تتحرر من أُوار نفسي دونما ارتدادات
فهي لفرط قوتها تندفع دفعةً واحدةً
تأتي بأخضر نفسي ويابسها دونما رجعة
فتُنشئ جُزراً لم يسكنها إنس ولا جن
آن لشلالاتي أن تتدفق فتكسر صخر حبي
وتروي شغاف قلبي التي طالما عانت لأواء الظمأ
آن لقلبي وروحي ونفسي أن تتحرر
من كل ما يعكر صفو صفائها فيُخرج ضوء ضيائها
آن لحنجرتي أن تتعافى من حشرجة سكنتها طويلاً
فتُطلق أصواتاً صافيةً صائتةً
فجعبتي قنديل مملوء بالجمرات
تحرقني في طريقها للخلاص قبل أن تخرج وتلسعني
تماماً كما تلسع النحلة ضحيتها دفاعاً عن نفسها
قبل أن تُسلم روحها إلى بارئها...
لكم أتعبتني يا نفس، لكم أنهكتني يا قلب
ولكم عذبتني يا روح
سكراتك شددت وطأها عليّ فأحالتني إلى كائن هش
أحتضر في اليوم عدد دقات قلبي وعدد أنفاس شهقاتي وزفراتي...
ارفع يا جسدي راياتك البيضاء
فلا مفر لك من عواصف نفسي الجارفة
أستشعر لوعة النيران تحمر في داخلي
فيصبح لونها أسود من شدة الاحتراق
وأرى عيني الداخليتين وقد ابيضتا من شدة الكمد
وأحس بفؤادي يعتصر لحظةً لحظةً من شدة الألم
ذرات كياني تحترق قطعةً قطعةً وشذرةً شذرةً
فمتى الخلاص يا بارئ نفسي وباعثها؟
أُخرجي أيتها البراكين اللعينة فما عدت أطيق لهبك الكامن
وزمجري يا زلازل، فيكفيك ما أوقعته بي من دمار
وتدفقي يا شلالات، فقد آن لك أن تجودي بصبيبك
فتُعيدي فتح سدادات شغاف قلبي
ارحل يا جني نفسي من قمقمك ولا تعد
فقد مللت تلبية رغباتك اللامتناهية
لم تنفع معك كل ما قدمت لك من قرابين
دعني لحتمي ولقدري
ها أنذا أُعلن أمام كل العالمين عصياني العلني لك
فما عُدت عبدك ولا خائفاً من عواصفك
افعل ما شئت فقد تحررتْ رقبتي من سلاسلك
سخرْ ما بقي لك من سحر أسود وأبيض وأحمر
فما عادت ترهبني ألوان سحرك مهما اشتدت قتامتها
فحمداً لبراكيني وشُكراً لزلازلي وتباً لك شلالاتي
واللعنة عليك يا جني نفسي
فقد نذرت لقلبي وعقلي أن أكفر بك كفراً بواحاً لا يوازيه كفر
كفراً لا سابق له ولا لاحق...

اقرأ أيضا