صحيفة الاتحاد

تقارير

ترامب وعودة سجال العروض العسكرية

في أحد أيام شهر يونيو من عام 1991، جلس الرئيس جورج بوش الأب على المنصّة، وكان يرتدي قميصاً صيفياً وربطة عنق، ومحوطاً بحاجز من الزجاج المضاد للرصاص وهو يتابع عرضاً عسكرياً شارك فيه 8800 جندي أميركي، إلى جانب عرض صنوف الأسلحة التي ساعدت الولايات المتحدة في الانتصار في حرب الخليج ضد صدام حسين.
وتم تنظيم الحفل في «شارع الدستور» في واشنطن بعد أشهر قليلة من انتهاء «عملية عاصفة الصحراء»، وكان يمثل جزءاً من سلسلة فعاليات وأيام احتفالية أطلق عليها البيت الأبيض اسم «الاحتفالات الوطنية بالنصر». وشاركت في العرض طائرات الهليكوبتر التي كانت تحمل الرايات الوطنية، وأرتال من دبابات «أبرامز»، ومنصات لإطلاق الأنظمة الصاروخية، وشهد احتفالاً بالألعاب النارية، واستعراضاً لكبار الرتب العسكرية كان من بينهم الجنرال نورمان شوارزكوف قائد القيادة المركزية للقوات الأميركية.
وبلغت تكاليف تنظيم العرض 8 ملايين دولار وتابعه أكثر من 200 ألف مواطن أميركي اصطفوا على جنبات الطرق، وتبعه عرض عسكري آخر أضخم تم تنظيمه أيضاً في اليوم التالي بمدينة نيويورك، واعتبر هذا العرض الثاني مختلفاً لأنه كان بمثابة الاحتفال باستعراض التاريخ العسكري وبطولات الجيش الأميركي، ويمكن اعتباره نموذجاً جيداً للعرض الذي أمر الرئيس دونالد ترامب بتنظيمه في وقت لاحق من العام الجاري.
ومن المتوقع أن يحظى اهتمام ترامب بإقامة عرض عسكري ضخم بدرجات متفاوتة من الرضى والقبول، وخاصة في أوساط أولئك الذين أعربوا عن خشيتهم من الميول القومية والعسكرية لدى الرئىس الأميركي، وما سبق أن عبر عنه من إعجاب شديد ببعض القادة العسكريين في العالم.
وبالعودة إلى التاريخ، بعد انتهاء الحرب الأهلية الأميركية، نُظم احتفال كبير تضمن عرضاً عسكرياً تحت شعار «نظرة موسعة على إعدادات الجيوش» وجرى خلال يومي 23 و24 مايو 1865 في بداية عهد إدارة الرئيس «أندرو جونسون» الذي تسلم مقاليد الحكم في البيت الأبيض بعد أسابيع قليلة من اغتيال الرئيس أبراهام لينكولن، وشارك في ذلك العرض الذي اخترق شارع بنسلفانيا في واشنطن أكثر من 145 ألف جندي خلال يومين.
وأيضاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت نيويورك وواشنطن ومدن أميركية أخرى عروضاً عسكرية متعددة للجنود العائدين من ساحات المعارك في أوروبا. وقاد أحد هذه العروض الجنرال جون بيرشينج، الذي يذكره ترامب كثيراً ويصفه بالبطل، وكان يحتل موقعاً في مقدمة العرض الذي نظم في نيويورك يوم 10 سبتمبر 1919، ثم شارك هذا «البطل» نفسه في عرض عسكري آخر بعد ذلك ب
وأقيم أيضاً في مدينة نيويورك عرض عسكري مشابه يوم 12 يناير 1946 للاحتفال بالانتصار الظافر للحلفاء على ألمانيا النازية وبقية «دول المحور» كإيطاليا الفاشية واليابان. وشارك فيه 13 ألف جندي من مختلف كتائب القوات الجوية والمظليين، بالإضافة إلى أرتال الدبابات وأسراب الطائرات المقاتلة والقاذفة التي حلّقت فوق سماء المدينة.
وبعد ذلك، أصبحت العروض العسكرية نادرة. ويُعزى هذا بشكل أساسي إلى أنه لم يكن من المناسب أن تعلن الولايات المتحدة عن تحقيق انتصارات حقيقية في حربي كوريا وفيتنام رغم أن عروضاً عسكرية مصغّرة للجنود وأرتال الدبابات كانت تشارك في احتفالات تنصيب بعض الرؤساء السابقين من أمثال هاري ترومان ودوايت آيزنهاور وجون كينيدي.
وخلال السنوات الماضية، حدث خلاف بين صنّاع القرار في الولايات المتحدة حول إقامة العروض العسكرية لتكريم أبطال الحروب في العراق وأفغانستان. وبعد انسحاب القوات الأميركية المشاركة في حرب العراق عام 2011، قال الناطق باسم القيادة العسكرية في مؤتمر صحفي إنه على رغم الترحيب الذي حظيت به فكرة إقامة عرض عسكري في نيويورك لتكريم الجنود الذين شاركوا في حرب العراق، إلا أن الجنرال مارتن ديمبسي الذي شغل منصب القائد العام لهيئة القوات المشتركة أعلن عن تحفُّظه على تنظيمه بدعوى أن الحرب لا تزال متواصلة في أفغانستان.
وكان العرض العسكري الذي نظم في عام 1991 الأخير من نوعه وواجه انتقادات كثيرة حيث قالت صحيفة «واشنطن بوست» في ذلك الوقت إنها أجرت استطلاعاً لآراء 50 مواطناً تبيَّن منه وجود انقسام كبير في الآراء حول أهمية ذلك العرض. ورأى بعضهم أنه ليس سوى إضاعة للوقت وإهدار للمال العام. وينتاب بعض الناس القلق من احتمال عدم عودة أبنائهم وأقربائهم سالمين من ساحات المعارك التي لا تزال متواصلة في العراق وأفغانستان.

* محلل عسكري أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»