صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الانتخابات المصرية: قليل من السياسة..كثير من الموالد

حينما تغيب السياسة وبرامج ترسم ملامح مواجهة التحديات المجتمعية، يكون من الطبعي أن تحل محلها الموالد والمنشدين.


بالرغم من المسافة الواسعة بين السياسة وما فيها من صراع ومصالح والأهم عقلانية، وموالد الأولياء بما فيها من تغيب للعقل أحيانًا كثيرًا التسليم لتسامح الصوفية ودروشتهم، فإن الاثنين التقيا من دون موعد مسبق بالانتخابات البرلمانية المصرية، بفعل رغبة المرشحون في توظيف تلك التجمعات الكبرى التي تتعدي في أحيانًا حيز الملايين، للدعاية الانتخابية وتعريف مريدي تلك الموالد بشخصيات هؤلاء المرشحين وأحزابهم وقوائم في أجواء احتفالية يغيب عنها الإدراك السياسي أو الاجتماعي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المنشدين والابتهالات الدينية بحلقات الذكر.


وأي مقارنة في مستويات الحضور الجماهيري ما بين مولد من تلك الموالد المصرية، وأي تجمع سياسي بالانتخابات ليس لها محل، لكون الفجوة واسعة، الأمر الذي دفع المرشحين والأحزاب للقدوم لتلك الموالد بعدما عجزت مؤتمراتهم على حشد المؤيدين للحضور.


للأمانة، فهذا الربط لم يكن وليد اللحظة الانتخابية الحالية ــ المرحلة الثانية، وإنما سبقته انتخابات الرئاسة السابقة عام 2014، حينما تقرر للمرة الثانية خلال ما يزيد على الألف عام عدم الاحتفال بمولد السيدة زينب بنت الإمام عليّ بالقاهرة بالتوقيت المتعارف عليه سنويًا خلال الفترة من 13 ــ 20 مايو، وتقديمه أسبوعًا، والغاية هنا عدم التأثير على معدلات المشاركة الشعبية بالاقتراع، حيث يفد للقاهرة ما يزد من 5 ملايين من محافظات الدلتا والصعيد بخلاف المقيمين بالقاهرة نفسها. رقم يقل بقليل عن من شاركوا بالجولة الأولى للانتخابات التي شملت 14 محافظة.   


كما أن الجولة الأولى تزامنت مع أكثر من مولد، أبرزها موالد العارف بالله السلطان أحمد الفرغل بمدينة أبو تتيج بمحافظة أسيوط، حيث تحولت المدينة لساحة للدعاية الانتخابية لمرشحي المدينة والمحافظات المجاورة وتعليق عشرات اللافتات بالمحال وأماكن تجمع الزوار والمنشدين.


وشهدت الجولة الثانية العديد من السمات ليس كثرة تلك الموالد فحسب، وتحديدًا أشهر اثنين منها السيد البدوي بمدينة طنطا، وإبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق، وإنما التواجد السياسي للأحزاب والمرشحين بشكل غير مسبوق من قبل.


وبينهما لجوء العديد من المرشحين لاستدعاء منشدي الموالد إلى سرادقاتهم الانتخابية، كما فعل مرشح دائرة البساتين ودار السلام بالقاهرة تسير مطر حينما بدأ أولى ايام دعايته الانتخابية بالاستعانة بالشيخ ياسين التهامي عميد المنشدين لتقديم مجموعه من الابتهالات والأناشيد الدينية، لكون أهالي الدائرة يغلب عليهم الطابع الريفي والصعيدي. وفي سابقة لم تعهدها الانتخابات البرلمانية طالب مطر من أثنين من منافسيه حضور الاحتفال بالفعل حضر كلٍ من شعبان السويفي ومحمد الحفناوي، بالإضافة للمرشحة كريمة الغريب.


وبعده، استقدم المرشح صلاح حسب الله المرشح بدائرة شبرا المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم الذي قدم بوضع أغنية تصاحب حملاته الانتخابية.


وكان مولد البدوي، الذي انطلق نهاية أكتوبر الماضي واستمر أسبوعين ذو الشعبية الكبيرة حيث يشهده ما يزد عن مليون نسمة من جميع المحافظات، مناسبة للحشد الانتخابي ليس من جانب الأحزاب المدنية فحسب، وإنما ايضا للقوى الصوفية التي ترشح قادتها على قوائم حزبية متنافسة مثل محمود الشريف، نقيب الأشراف، الذي ترشح في " قائمة حب مصر" بالجولة الأولى بدائرة الجيزة والصعيد.


في الوقت الذي روجت فيه الطرق الصوفية لقائمة "في حب مصر" بدائرة القاهرة والدلتا، والتي يترشح فيها عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، الذي لم يحضر الاحتفال بسبب الانتخابات أرسل أحمد قنديل، مستشاره لتمثيله بالاحتفال الذي لم يغيب عنه منذ سنوات.


وكان ظهور المستشارة تهاني الجبالي رئيس قائمة "التحالف الجمهوري" المنافسة بالليلة الختامية للاحتفال ما أطفى عليه هذا العام سمات سياسية كبيرة، كادت أن تؤدي لانقسام وتجاذب لم تعهده تلك الموالد من قبل، إذ حضرت بصحبة أثنين من قائمة القاهرة هما: عماد مشرقي وأحمد أشرف البغل، وشاركوا هم أيضًا مشايخ الطرق الصوفية والوافدين للاحتفال من داخل ساري المسجد الأحمدي في سابقة الأولى من نوعها، كما انهزوا الفرصة للترويج للقائمة التي تنافس بقوة أمام قائمة " في حب مصر" التي استطاعت حسم دائرين الجولة الأولى، إلا أن الأغلب على الاحتفال كان الجو الصوفي ومشاركة مشايخ الطرق الصوفية وكبار العائلات روحانية المولد، حسب تأكيد مشرقي. وأعاد هذا المشهد الانقسام الحادث بين التيار الصوفي بين قائمتي في حسب مصر والتحالف الجمهوري.


وقبل انطلاق فترة الدعاية الانتخابية لتلك الجولة الثانية، استغل أحد المرشحين بمدينة طنطا بمحافظة الغربية، المولد، وعلق لافتات تهنئة للأهالي تحمل اسمه ورمزه الانتخابي. وحملت اللافتات المعلقة اسم المرشح، وجاء مكتوب عليها... "هاني التراس يرحب بالسادة زوار مولد السيد البدوي". والمثير أن اللجنة العليا للانتخابات لم تحاسبه على هذا التجاوز.


وتكرر نفس المشهد في مولد العارف بالله إبراهيم الدسوقي، حيث استغل مرشحو الدائرة السابعة التي تضم ثلاث بندر ومركز دسوق وقلين أيام الاحتفالات للدعاية الانتخابية أنفسهم، إذ شواهد عدد كبير من المرشحين بميدان الدسوقي متنافسين على وضع اللافتات بأماكن مميزة بالقرب من حديقة العائلات وأمام مجلس المدينة، وأمام خيام الطرق الصوفية، فيما التقطوا الصور أثناء تواجد الآلاف من المريدين؛ نظرًا لأن المولد يزوره قرابة المليون زائر طوال فترة إقامته.


وطنطا وشأنها شأن دسوق أبرز مدينتين بمحافظتي الغربية وكفر الشيخ اللتين تندرجا ضمن 13 محافظة تجري فيها انتخابات الجولة الثانية: القاهرة والقليوبية والدقهلية والمنوفية والشرقية ودمياط وبورسعيد والإسماعيلية والسويس وشمال سيناء وجنوب سيناء، يومي 22 و23 من الشهر ذاته، ويحق لـ 28 مليون ناخب التصويت بهذه المرحلة.


التوظيف السياسي ظاهرة لم يخفيها أمين عام اتحاد القوى الصوفية الدكتور عبد الله الناصر حلمي، بل اعتبارها من طبائع الأمور بقوله..." الاتحاد وعددًا من الطرق والائتلافات الصوفية قرروا تدشين فعاليات سياسية بالمولد، منها التوعية بقضايا الصوفية داخل البرلمان وتحديدا التي تنظم عمل الموالد والأضرحة، والطرق الصوفية، وقوانينها الداخلية، وضرورة اختيار القوائم الحزبية التي بها عدد كبير من المرشحين الصوفيين، وتأييد المرشحين الصوفيين بالمقاعد الفردية ". وتشارك الطرق الصوفية بالمراقبة على الانتخابات البرلمانية عبر جمعية " معكم للتنمية " إحدى أذرع اتحاد القوى الصوفية.


خلال المولد، قامت قوائم "في حب مصر" و "نداء مصر" و"مصر" التي تضم تيار الاستقلال والجبهة الوطنية، بتوزيع دعاية انتخابية لمرشحيهم على آلاف الزائرين للمولد، فيما وزعت القائمة الأخيرتين "كراتين" على المحتاجين بها زجاجات زيت ومسلى نباتي ولحمة ومكرونة وصلصة، وحثهم على انتخاب مرشحيهم، وزع أنصار الأولى البطاطين والملابس.