الاتحاد

الملحق الثقافي

طرفة بن العبد.. العزيز المبذّر

قصيدة اليوم للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، وهو من قبيلة بكر. ولد عام 543 ميلادية لأبٍ بكري وأم غير بكرية، وطرفة ليس اسمه الحقيقي، بل كان اسمه عمرو بن العبد.. أما أمه فكان اسمها وردة، وعلى ما يبدو فإنها كانت الزوجة الثانية لأبيه العبد. أما الزوجة الأولى فكانت بكرية ولها أولاد منهم معبد الذي كان له دور في حياة طرفة.
توفي العبد والد طرفة بينما كان طرفة صغيراً.. فعاش طرفة حياة اليتم وتولى أعمامه الإشراف عليه وحاولوا أن يكونوا أوصياء على الفتى لحماية الثروة التي وصلت إليه بالوراثة. فوضعوا أيديهم عليها ومنعوا وردة من التصرف بها.
ووردة بنت عبد المسيح بن عبدالله من أحفاد المتلمس الشاعر المعروف والذي كان له مكانة كبيرة في الشعر والفروسية.
وبما أنها لم تكن بكرية اعتبرت غريبة في قبيلة بكر بعد موت زوجها. ولكن طرفة على الرغم من صغر سنه فقد كان قوي الشكيمة فصيح اللسان، متفتحاً على الحياة، مليئاً بالحكمة، ولكنه كان في الوقت ذاته يحب اللهو ويعشق المرأة.
نشأ شجاعاً إلى درجة التهور، لذلك وقبل أن يبلغ سن الرشد، نظم الشعر ونافح به عن نفسه واتهم أعمامه بأنهم يريدون نهب ماله ومال أمه الذي تركه لهم أبوه.. ومما قاله لهم في تلك القصيدة:
ما تَنظرونَ بحَقّ وردةَ مِنكمُ
صَغُرَ البنونُ ورَهْطُ وردةَ غُيَّبُ
قد يبعث الأمرَ العظيمَ صَغيرُهُ
حتى تظلَّ لهُ الدِّماءُ تَصَبَّبُ
والظلمُ فرَّقَ بَيْنَ حَيَّيْ وَائِلِ
بكرٌ تساقيهَا المنايا تَغلِبُ
والإثمُ داءٌ ليسَ يرجى برءُهُ
والبرُّ بُرءٌ ليسَ فيه معطبُ
والصِّدْقُ يألفُه الكريمُ المرتجى
والكذبُ يألفُهُ الدّنيءُ الأخيبُ
أدوا الحقوق تَفِرْ لكُمْ أعراضكُمْ
إنَّ الكريمَ اذا يُجَرَّبُ يَغضبُ
وبالفعل.. ما كاد أعمامه يستمعون إلى تلك القصيدة حتى أدركوا أنهم أمام فتى متهور لا يستحي من شتم أعمامه ولا حتى من قتالهم، فوجدوا أنه من الأصوب أن يدعوه ومال أبيه يفعل به ما يشاء، رغم أن العادات والأعراف توجب على الأعمام الاهتمام بأبناء الأخ الميت..
وما كاد طرفة يضع يده على ثروة أبيه حتى راح ينفق على لهوه وملذاته وعلى رفقة السوء بلا حساب.. وعندما زجره أهله لم يرتدع فتحاشوه وابتعدوا عنه.. وما هو إلا زمن قصير حتى أنفق طرفة كل ما ورثه..
رجع إلى أهله مستنجداً فلم ينجده أحد.. ولم يكن أمامه إلا الانطلاق في الأرض بحثاً عن غنى سريع فلم يصل إليه.
طرق باب أخيه معبد، فأشفق عليه، ومنحه فرصة عمل في رعي إبله، واشترط عليه أن يكون حذراً متنبهاً حتى لا يسرق أحد تلك الإبل. ولكن طرفة الذي لم يجد في ذلك العمل ما يحقق طموحه انشغل عن الإبل بالبحث عن القوافي ونظم الشعر، مما عرض الإبل للسرقة وأصبح أمام مشكلة جديدة في مواجهة أخيه الذي طالبه بالتعويض.
قرع طرفة أبواب كل جواد وكريم من عائلته طلباً للعون حتى يتمكن من تعويض أخيه فلقيه الجميع باللوم والتقريع. ودخل بعد ذلك تجربة حياتية صعبة عانى خلالها من هجر الأصدقاء وتخلي الأهل وتوالي المصائب والنكبات، فأبدع معلقته المشهورة..
في هذه المعلقة التي تعد ثاني معلقات الجاهلية أهمية ذكر قيس بن خالد وعمرو بن مرثد مادحاً بكثرة المال والولد.. فما كان من عمرو بن مرثد إلا أن قاسَمَهُ ماله ومال أولاده..
وبهذا العطاء غير المتوقع وبذلك المدح غير المقصود تمكن طرفة من ردّ إبل أخيه معبد وعاد إلى الإنفاق من جديد إلى أن قضى على تلك الثروة الطارئة في زمن قصير..
كان طرفة في سباق مع الزمن، وكأنه أدرك أن حياته ستكون قصيرة، فحاول أن يعيش كل دقيقة فيها.
وإذا كان التبذير وحياة اللهو تمثل جانباً من حياته، إلاّ أنه كان في الجانب الآخر منها يجسد عنفوان وكبرياء العربي وتعلقه بقومه وحفاظه عليهم واستخفافه بكل كبير ولو كان ملكاً.
وبعد نفاد ماله الذي تكرم به عليه عمرو بن مرثد، قصد طرفة ملك الحيرة عمرو بن هند هو وخاله جرير بن عبدالمسيح.. وكان خاله شاعراً أيضاً، فقام الاثنان بمدح الملك عمرو وأخيه قابوس.
وحاول عمرو بن هند أن يقربهما وأن يجعلهما من ندمائه.. ولكن طرفة لم يكن من أولئك الذين ينافقون ويخضعون.. ولم يرتح له الملك عمرو بن هند عندما لمس عنفوانه وعجرفته، ولا هو أيضاً ارتاح لمعاملة الملك له.. فما كان منه بعد أن أصابه الملل فقام بهجائه.. وكذلك فعل خاله جرير.
بلغ الملك عمرو بن هند هذا الهجاء، فغضب أشد الغضب، ولم يشأ أن يقتلهما بنفسه خشية إثارة ثارات جديدة مع قبيلة بكر، فدبر مؤامرة لهما، إذ أعطى كلاً منهما كتاباً وطلب منهما أن يذهبا إلى عامله في البحرين ربيعة بن الحارث العبدي، حيث طلب منه في الكتابين مكافأة الشاعرين.
سافر الشاعران إلى البحرين كما تقول المراجع التاريخية، وهي ليست البحرين التي نعرفها الآن.. بل هي كما تشير تلك المراجع قُطرٌ يقع في الشمال الغربي من عُمان ويمتد شمالاً حتى حدود العراق ويمتد غرباً بأرض صحراوية إلى مرتفعات نجد واليمامة.
شك خاله في فحوى الكتاب وعرضه على صبي يقرأ من صبيان الحيرة فعرف أنه أمر العامل بقتله لا مكافأته:
? أرأيت يا طرفة.. يريد من عامله أن يقتلنا.
ـ لا أصدق.
? هكذا قال الصبي.
ـ وتصدق الصبيان.
? إنه يعرف القراءة.. وأنا وأنت لا نعرفها.
ـ ألا تثق بنفسك.. ألا تعلم أننا من بكر ولا يستطيع أحد أن يمسنا بسوء.
? أنا خالك ولست من بكر.. فاسمح لي بالهروب..
وفر الخال تاركاً طرفة لمصيره المجهول. فوصل إلى عامل البحرين وأعطاه الكتاب:
? أتعرف ما في الكتاب يا طرفة؟
ـ يأمرك بمكافأتي أليس كذلك؟
? بل يأمرني بقتلك.
ـ لا يمكن..
? اسمع يا طرفة.. أنا لم أتسلم الكتاب.. لم أقرأه.. فابتعد عن هذا المكان.
ـ أهرب؟ أنا أهرب.. واضيعة الرجولة.. إن الملك لا يغدر.. وهذا كتابه يأمرك بمكافأتي.
? بل يأمرني بقتلك أيها المغرور.
رفض عامل البحرين ربيعة بن الحارث تنفيذ الحكم واستبقى طرفة، فما كان من الملك عمرو بن هند إلا أن أرسل من قام بقتل طرفة والعامل معاً.
أما عملية قتل طرفة فهناك عدة روايات نذكر منها رواية الزوزني أن العامل الجديد أعطاه أن يختار الطريقة التي يقتله فيها:
ـ ما هذا الكرم الرهيب.. تمنحني فرصة اختيار ميتتي.
? أنا مضطر لتنفيذ أمر الملك.. رغم أنني أشعر بالشفقة عليك..
ـ حسناً.. أقترح عليك أن تسقيني خمراً.. فإذا ثملت، فافصد كاحلي ودعني أنزف حتى الموت.. فلا أشعر بالألم.
? لك هذا يا طرفة..
وهذا ما حدث.. وإن كان الجهشياري قد ذكر أن طرفة قتل مصلوباً وأنه قال قبل موته:
من مبلغٌ أحياءَ بكرَ بن وائِل
بأنّ ابنَ عبدٍ راكبٌ، غرُ راجِلِ
على ناقةٍ لَمْ يركب الفحلُ ظهرها
مشذّبَةٍ أطرافها بالمناجلِ
ومن رثاء أخته الخرنق نعرف أن عمره عندما قتل كان ستة وعشرين عاماً.. حيث قالت:
عَدَدْنا لَهُ ستّاً وعشرين حجّةً
فلما توفّاهَا استوى سيّداً ضَخِما
فجعنا به لَمَّا رَجَوْنا إيابَهُ
على خيرِ حالٍ لا وليداً ولا قَحْما
وهكذا قضى هذا الشاعر الشاب بعد أن ترك بصماته التي لا تمحى في سجل الشعر العربي الذي سيظل خالداً ما دامت اللغة العربية قائمة..
وفي ما يلي مختارات من أبيات المعلقة خصوصاً ما يتعلق منها بشخصيته وعنفوانه وكبريائه:
لِخَوْلَةَ أطلالٍ ببرقةَ ثَهْمَدِ
تلوحُ كباقي الوشم في ظاهر اليَد
وقوفاً بها صجي علي مطيهم
يقولون: لا تهلكْ أسىً وتَجلد
وفي الحي أحوى ينفض المردَ شادِنٌ
مظاهرُ سِمْطَيْ لؤلؤٍ وزبرجُدِ
وَوَجْهٌ كأنّ الشمسَ ألقَتْ رِداءَها
عليهِ نقيُّ اللونِ لَمْ يتخدَّد
إذا القوم قالوا: من فتىً خِلتُ أنني
عُنيتُ فلم أكسَلْ ولم أتَبَلَّدِ
ولست بِجَلالِ التلاع مخافةً
ولكِنْ مَتى يَسترفدِ القومُ أرفدِ
وإن يلتقِ الحيُّ الجميعُ تلاقني
إلى ذروةِ البيتِ الرفيعِ المُصَمَّد
فإنْ تبغني في حلقة القوم تلقني
وإن تقتنصني في الحَوانيتِ تَصطدِ
ندامايَ بيضٌ كالنجومِ، وقينةٌ
بجسِّ الندامى بغيَّةُ المتجرد
إذا نحن قلنا اسمعينا انبرتْ لنا
على رَسْلِها مطروقةً لَمْ تشدّدِ
وما زالَ تشرابي الخمورَ ولذتي
وبيعي وانفاقي طريفي ومَتْلَدِ
إلى أن تحاشتني العشيرة كلها
وأفردت إفراد البعيرَ المُعبَّدِ
ألا أيهاذا اللائمي أحضرُ الوغىَ
وأن أشهد اللذات، هل أنتَ مخلدي
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرهَا بِما مَلكَتْ يدي
أرى العيشَ كنزاً ناقصاً كل ليلةٍ
وما تُنْقِصُ الأيامُ والدهرُ يَنفدِ
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى
بعيداً غداً ما أقربَ اليومَ مِن غدِ
لَعمركَ إن الموت ما أخطأ الفتى
لكالطَولِ المرخّى وثنياهُ باليدِ
متى يشأ، يوماً، يَقُدْهُ لحتفهِ
ومن يكُ في حَبْل المنيةِ يَنقدِ
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً
على المرءِ مِن وقع الحِسُامِ المُهنّدِ
لعمركَ ما أدري وإني لَواجِلٌ
أفي اليومَ إقدامُ المَنية أَم غدِ
فإن مت فانعيني بما أنا أهلُهُ
وشقي على الجيب يا ابنة مَعبدِ
لعَمركَ ما أمري عليك بغُمّةٍ
نهاري، ولا لَيْلي عليَّ بِسَرْمدِ
فلو كنتُ وَغلاً في الرجالِ لَضَرَّني
عداوةُ ذي الأصحابِ والمِتوحِّدِ
ولكِنْ نفى عني الرجال جَراءتي
عليهم وإقدامي وصِدقي ومَحتديَ
ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلا
ويأتيكَ بالأخبارِ مَن لَمْ تزوُّدِ
عَنِ المرءِ لا تسألْ وسَلْ عَن قرينهِ
فلكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يَقتدي

المراجع والمصادر:
1 - اشرح ديوان طرفة بن العبد/ قدم له وشرحه د. سعدي الضناوي.
2 - الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني.
3 - مختار الصحاح: أبو بكر الرازي.

اقرأ أيضا