صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

سيرة مدينة ومؤسسها

صدر مؤخراً عن دار النشر ليتوغراف في طنجة، الترجمة العربية لكتاب “المنظري الغرناطي، ُمؤسس تطوان” لمؤلفه الباحث الإسباني غييرمو غوثالبس بوسطو المولود سنة 1916 بمدينة سبتة المحتلة، وقد نقل هذا الكتاب القيَّم من اللغة الإسبانية إلى اللغة العربية: الكاتبان والباحثان المُختّصان في الثقافة الإسبانية وآدابها، إدريس الجيروني ومحمد القاضي. وتتجلى قيمة الكتاب بوصفه من المؤلفات الجادة التي تتناول التاريخ الإسباني والأندلسي والمغربي المشترك، كما يتناول السيرة الذاتية للمترجم له المنظري الغرناطي مؤسس تطوان.
في مُستهل التّمهيد الذي كتبه الباحث الإسباني إنريك غوثلبيسكرا بيوطو للطبعة الثانية من هذا الكتاب نقرأ: في سنة 1492م، في نفس الوقت الذي ولدت فيه آمال كبيرة في الغرب، كان جزءا كبيرا من الغرب الإسلامي (المغرب) قد فقد الأمل. بينما كان يولد عالم جديد، وعالم آخر ينهار. إن التاريخ لا يمكن أن يكون محايدا مهما سعينا كمؤرخين إلى الموضوعية والطرح العلمي. ربما في هذه الحالة، نتوفر الآن على وثائق كنا نجهلها من قبل، ولذلك يجب علينا أن نقترب إلى هذه المسألة من وجهتها الأكثر إنسانية.
في الأيام الأولى من سنة 1492م، كان المسيحيون يحتلون غرناطة، وكان لدى الكثير من سكانها الأصليين الأمل الباطني في إيجاد تعايش بين الأديان في المستقبل. باستثناء الانفجارات الظرفية التي قد تنشب عن عدم التسامح، وكانت الأندلس في عصر ازدهارها نموذجا ومثالا للتّعايش بين المسيحيين والمسلمين واليهود، يقوم على احترام الاختلاف. وكان ملوك قشتالة قد فعلوا ذلك مع رعاياهم من الديانات الثلاث.
بالإضافة إلى ذلك، فإن معاهدة تسليم غرناطة، التي تم التفاوض عليها في “سانطا في” Santa Fe، كانت تشير إلى ذلك بشكل قاطع: المسلمون مثلهم مثل اليهود الغرناطيين، سوف تحترم سلامتهم الجسدية وكرامتهم الانسانية وأملاكهم ودينهم وعاداتهم.
لكن، إلى جانب المتفائلين الذين وقعوا المعاهدة، مقتنعين بأنهم كانوا يقدمون إلى مواطنيهم الغرناطيين معروفا كبيرا، كان هناك آخرون كثيرون متشائمون جدا، كان البعض منهم قد استبق الأحداث بشكل بارز، فقد أدركوا منذ سنوات سابقة أن عالم مملكة غرناطة، جزيرة الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبرية كان ينهار بشكل لا يمكن تفاديه.
كان أحد هؤلاء وبالتحديد هو علي المنظري، قائد قلعة “بينار” Pi?ar القوية وإقليمها. كان هذا الرجل ينتمي لواحدة من أنبل العائلات الغرناطية التي كانت تمتلك الأراضي في مناطق شتى بالمملكة. ففي سبتمبر من سنة 1485م كان المنظري شاهدا على أن قلعته، وكل مناطق الجبال الشرقية سوف تقع تحت الحكم المسيحي بشكل لا يمكن تجنبه.
لم يكن يريد أن يرى ما سوف يأتي بعد ذلك: توطين المسيحيين في المنطقة وفي مجموعة الـ “سبع مدن” Siete Villas والذي أنجز بحثا دقيقا مؤخرا حول هذا الموضوع هو رفائيل غ. بينادو .Rafael G. Peinado كان علي المنظري محاربا وزعيما سياسيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد كان الحدس أعظم من حبه لبلده. فسقوط بينار Pi?ar وحصن اللوز Iznalloz وكل محيطها بالنسبة إليه شكل رمزا لما كان ينتظره. فلم يقبل الخضوع للمسيحيين، وهو ما كان يعد اتجاها سائدا في ذلك الوقت، ولم يقبل أيضا المهمة النومانثية البطولية وغير المفيدة على حد سواء، للدفاع عن غرناطة.
قرر المنظري الإبحار مع جزء من جيشه والعبور إلى المعين الشمالي الغربي للمغرب. كان الحدس والإحساس يحددان له عدة وقائع، كانت إحدى هذه الوقائع تشكل خطأ بلا شك: لم يكن يتعيّن عليه الابتعاد أكثر من اللازم من أجل إمكانية العودة. ففي وادي تطوان، الذي كان قد هاجر إليه قبل قرون مضت أولياء غرناطيون، وجد ما كان يبحث عنه. السهل الخصب كان يذكّره بغوطته الغرناطية. والمدينة كانت في حالة دمار من جراء الهجمات البرتغالية.
تم الاعتراف بالمنظري من طرف فلاحي المنطقة كمجاهد. فقد رأوا فيه قائدا ذا صفات عظيمة ويتمتع بمكانة بارزة. ورأوا في جنوده الغرناطيين جبهة آمنة ضد هجمات برتغاليي سبتة، الذين كانوا في كل وقت ينهبون محاصيلهم ويسرقون منهم المواشي. بدأ المنظري في رفع أسوار المدينة من جديد وانتشرت البيوت. وبدءا من سنة 1492م حضر مواطنون جدد قادمون من مملكة غرناطة ليعيدوا تعمير هذه المدينة التي كانت في مرحلة ازدهار: تجار، صناع، فنانون، يهود...
بعد ذلك بسنوات، سببت ضغوطات المسيحيين هجرة القرويين الغرناطيين، ونحن نعلم أن مسلمي مرسنة Maracena قد عبروا بأعداد كبيرة ليستقروا في تطوان، لكن ومع كل موجة من اللاجئين، كانت تزيد من قدرته، فلم تكن لتجعل محارب بينار العجوز بشكل أو بآخر، وإنما تزيد من قلقه. إن القتال ضد الحاميات البرتغالية في سبتة والقصر الصغير وطنجة وأصيلة، لم يكن يحقق انتصارات بل كان الصراع ينتهي بالتعادل، البرتغاليون لم يستطيعوا هزيمة تطوان، وتحولت المدينة إلى مركز نشط لبيع الأسرى، إلا أن المنظري لم يكن في استطاعته توجيه ضربة قوية تؤدي إلى استيلائه على أحد مواقع البرتغاليين.
كان القائد السابق لبينار، مجدد تأسيس تطوان وحاكمها القوي، قد بدأ يضمر شيئا فشيئا قلقه من العودة. وينبغي الإعجاب بشجاعة واحترام هذه الدراما الإنسانية من قبل أي شخص لسقوط نظام لم يتحمله أبدا وهو ما كان يعرفه جيدا كل الذين يحيطون به: استحالة العودة.
هكذا يبرهن لنا هذا المنظري المُسن الذي كان يستدعي إلى جانبه الأب كونطريراس لكي يحدثه بإسهاب عن بلده غرناطة، حتى أن القس رأى شوقا قويا جدا لدى القائد في العودة ، لدرجة أنه صار يثق في ارتداده إلى المسيحية.
من المحتمل أن هذه التفاصيل هي الحيز الذي تتجلى فيه العظمة الإنسانية الكبيرة، في شخصية غرناطية عاشت في ملتقى منطقة وهي “المنطقة الإسبانية ـ المغربية”، في ظروف كانت بالنسبة إلى الكثير من المهزومين، مأساوية على نحو خاص.
ويقول مؤلف الكتاب أن تاريخ مدينة تطوان بدأ منذ أواخر القرن الخامس عشر، عند سقوط غرناطة سنة 1492 على يد ملوك الكاثوليك الإسبان، أي منذ أن بناها الغرناطي سيدي علي المنظري.
خرج آلاف المسلمين وكذلك اليهود من الأندلس ليستقروا في شمال المغرب عموما وعلى انقاض مدينة تطوان، فعرفت هذه المدينة مرحلة مزدهرة من الإعمار والنمو في شتى الميادين فأصبحت مركزا لاستقبال الحضارة الأندلسية.وكذلك أساطيل تطوان تشكل خطرا دائما على مصالح العدو الخارجي، وكان لها الأثر البالغ خاصة من الناحية العمرانية، حيث بنيت قلاع وأسوار للدفاع عن المدينة. وكانت تجارة المغرب مع أروبا (إسبانيا وإيطاليا وإنجلترا)، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، تجري عبر مدينة تطوان التي كانت آنذاك من اهم الموانئ المغربية، حيث كانت البواخر تقوم برحلات بين تطوان وجبل طارق، ومدينة الجزائر، ومرسيليا، وليفورنو.