الاتحاد

دنيا

وسائل النقل في بغداد من الترامواي إلى السيارة

كانت الحيوانات هي وسيلة السفر الوحيدة في العهود الماضية ، ولم تدخل العربات بمفهومها الحديث إلى العراق إلا في الفترة المتأخرة من العهد العثماني ، وكانت أولى هذه العربات هي عربة ''الترامواي'' التي أسسها الوالي مدحت باشا ، وكانت بطابقين وتجرها الخيول على سكة للحديد، حيث كانت شائعة الاستعمال في اسطنبول وبعض البلدان الأوروبية ·
وكان الوالي مدحت باشا قد لاحظ كثرة توافد الزوار الذين يذهبون من مناطق مختلفة إلى الكاظمية لغرض زيارة سابع الأئمة الاثني عشر ، فقرر تأسيس شركة مساهمة لإنشاء سكة ترامواي بين الكاظمية وعموم مناطق بغداد ، وفي أيار 1870 م طُرحت أسهم الشركة في الأسواق ، وكانت قيمة السهم الواحد ليرة ونصف الليرة ، وتهافت بعض التجار الأثرياء على شرائها بتشجيع من مدحت باشا الذي كان شديد الرغبة في إنجاح هذا المشروع ، وكان على مدحت باشا أن يختار بين طريقين لإنشاء السكة، أحدهما يمر بجانب الكرخ والآخر يمر بالاعظمية وهو يحتاج إلى إنشاء جسر من الحديد فوق دجلة، واستقر رأي مدحت باشا على الطريق الأول لقلة نفقاته ، وأرسل مدحت باشا مبعوثيه إلى بريطانيا ليجلبوا الأدوات اللازمة، وسار العمل بنجاح وبدأت العربات ذوات الطابقين تسير في سككها ، وذهل الناس لمظهرها ، وقيل إن إحدى عجائز الكرخ أبدت دهشتها حين قالت ؛'' بس على الموت ميكدرون ''، وكان ربح الشركة في السنة الأولى يربو على 20% من رأس المال ، وظلت الشركة مضمونة النجاح الى أن قرر مدحت باشا تقديم استقالته من الولاية ليغادر العراق الى اسطنبول حيث أصبح '' الصدر الأعظم '' في الدولة العثمانية ·
وانعكس رحيل مدحت باشا سلبا على أوضاع الشركة ، فبدأت تسير في طريق التدهور كما هو شان أغلب المشاريع العثمانية وقد أعطتنا المدام '' ديفولا'' الفرنسية وصفاً لما كانت عليه شركة الترامواي هذه من إهمال في أثناء زيارتها الى بغداد في العام 1881م، فهي تعطي مثلاً واقعياً على ذلك خلاصته '' إن بقعة من الأرض التي تمر عليها السكة قد انخسفت ولم تستطع العربات مواصلة السير عليه فيُضطر الركاب إلى أن ينزلوا منها ، ليأتي الحمّالون ليدفعوها حتى يعبروا الى الطريق السوي ، وأن هذه العملية كانت تستغرق وقتا طويلا ''· وذكرت ''ديفولا''، إن هذا الخسف مرّت عليه ثمانية عشر شهراً ، فكان المهندسون يأتون إليه ، ثم يكتبون عنه تقاريرهم ، وتمضي الأيام بعد ذلك من دون أية نتيجة ·
وفي إحدى المرات ، صادف دخول العربة في أزقة الكرخ كان هناك عدد من الحمير التي كان يراد تحميلها باسم '' البز'' ذا الحجم الكبير ، فجفلت الحمير وألقت بحمولتها على الأرض وولت هاربة ، فأخذ أصحابها يشتمون السائق بلهجة خشنة فأجابهم السائق بشتائم مثلها·
وتبدي ديفولا أسفها ، لأنها لم تفهم معنى الشتائم ، وكان يجلس الى جانبها شخص يحمل جرة من العسل ، فأريق شيء منه على ملابسها من شدة الاهتزاز ، وأخذ الرجل يلعن الأرض لفقدان بعض العسل غير عابئ بما جرى لملابسها من تلويث·
؟ وقد ظل العراق عشرين سنة بعد ذلك وليس فيه من العربات سوى عربة الترامواي ، وفي سنة 1890 ظهر نوع من العربات الخشبية يجرها زوج من الخيول وكانت تسير من غير سكة ، وقد خصصت لنقل الركاب من مناطق مختلفة في بغداد ·
وفي السنة التالية ، ظهرت في بغداد عربات مستوردة من أوروبا هي عربات '' اللاندون'' و كانت تصنع في ألمانيا، وقد أضاف العامة حرف النون إليها كما هي عادتهم في تعريب بعض الأسماء الأجنبية·
وفي مطلع القرن العشرين ، أسس نفرٌ من أثرياء بغداد وتجارها شركة لتسيير العربات بين بغداد وبعض المدن القريبة منها كبعقوبة والحلة وكربلاء وسامراء ، وكانت العربة الواحدة تجرها أربعة خيول يتم تبديلها في المحطات فكانت بذلك قادرة على قطع الطريق بين بغداد وكربلاء في نهار واحد ، وقد اشتهرت هذه العربات بين العامة باسم ''عرباين عارف أغا''، إذ كان هذا الرجل من أكبر المساهمين فيها ، وفي عام 1908 ، وفدت إلى بغداد من حلب أول سيارة ، فخرج أهالي بغداد للتفرج عليها، وأخذ البعض ينظر تحتها لكي يعثر على الحصان الكامن في بطنها ، على حد زعمهم ، إذ لم يكن من المعقول أن تسير العربات من غير حصان ·
ويحكى أن الوالي جاويد باشا عندما ذهب الى النجف بسيارته في عام 1914 ، طلب من أحد وجهائها أن يركب معه ، لكن الوجيه بعد أن نظر الى السيارة رفض الركوب فيها قائلا: إنه صاحب عيال وهو لايأمن من شرها على نفسه

اقرأ أيضا