الاتحاد

الملحق الثقافي

هشام البستاني: قصصي كوابيس

هشام البستاني قاص أردني لا يزال يدفع ثمن موقفه المستقل الرافض للاحتواء تحت أي عنوان، لهذا كما يقول تحاربه السلطة والمعارضة، لأنه عصي على التطويع والترويض، ويفضل أن يغرد خارج أي سرب في طرح وجهة نظر مستقلة حيال، أية قضية أدبية أو فكرية أو سياسية.
وفي حديثه لـ”الاتحاد الثقافي” نغمة تمرد، إلا أن شخصياته كئيبة ضائعة، لكن البطل الحقيقي عنه هي الأحداث واللغة وبنية القص، وعن ذلك يقول، إن قصصه تلاحق القارئ ككابوس، والكتابة عنده لا علاقة لها بالاشتهاء أو الحب، بل هي تجربة أقرب إلى التقيؤ، وتعبير عن انشغال وجودي.

يرى البستاني ـ وهو بالمناسبة طبيب أسنان يميل للأدب ـ أن النقد يحقر نفسه بعدم متابعة الإصدارات الجديدة، ووصف بعض المثقفين بأنهم لا يحتملون النقد، وليسوا ديمقراطيين والحرية عندهم أداة انتهازية يفصلونها على مقاسهم.. يشبعوننا ثرثرة عن الحرية والديمقراطية وآخر النهار يصطفون مع الطغاة ويقبضون أموال الأنظمة.
وفيما يلي تفاصيل الحوار:

? يقال إن القصة القصيرة “حبة حلوى” ما رأيك بهذا القول؟
? التعريف نقيض للقصة القصيرة! القصة القصيرة فن يعتمد على التكثيف وتعدد المستويات قريب من الشعر، ودائما ما أطلق عليه شعر السرد أما “حبة الحلوى” فلا مكان لها في الكتابة القصصية الحقيقية، فقصة يوسف إدريس الكلاسيكية “بيت من لحم” لا ينطبق عليها هذا الوصف فهي عميقة متعددة الدلالات كقصة زكريا تامر الأكثر حداثية “النمور في اليوم العاشر”.
وذات الأمر ينطبق على قصة أوجستو مونتيروسو “الديناصور” المكونة من ستة كلمات فقط! وعلى القصة أن تغوص في أعماق الظواهر أو اللقطات وتفجّرها أو تعيد إنتاجها من زوايا جديدة غير ظاهرة على السطح.
القصة هي فن ارتياد الأعماق والنفاذ والتأمل والإدهاش فيما حبة الحلوى سريعة الذوبان لا تستطيع فعل ذلك، بل لا يمكن اعتبارها فنّاً من الأساس.
المشكلة هي أن الكثيرين من كتاب القصة تبسيطيون يستسهلون كتابة القصة، ويعتبرون أن حدثاً عابراً في الطريق يصلح لكي يكون مادة لقطعة أدبية، كما أن البعض ممن يريدون مقاربة الكتابة يعتقدون أن القصة هي مجال مناسب للبدء والتمرين لأنها فن سردي أولا وقصيرة نسبيا ثانياً، فيقاربونها بنفس استسهالي فاضح!.
لذا أقول إن الوصف غير صحيح لأن القصة تمتلك أدوات حادة ومثالية لمقاربة المواضيع الوجودية المعقدة وعلى القاص والأديب أن يكون مطلعا وقارئا يتابع جديد العلوم والفلسفة والفن، وإلا خرج نتاجه الأدبي ضحلاً وساذجاً ومضحكاً.

موت النقد
? بعض النقاد نعوا القصة القصيرة وأنت قابض على جمرتها؟
? أنا أنعي النقاد باستثناءات قليلة أغلبها في المغرب العربي وأتساءل: هل هناك نقد حقّا؟ هذه أزمة كتب فيها الناقد الأردني فخري صالح عن موت الناقد والنقد. الناقد الميّت لا يستطيع أن يحكم على الأجناس الأدبية بالموت! فكيف يكون الأمر إن علمنا أن الاصدارات الأدبية في حقل القصة القصيرة في بلدان، مثل الأردن ومصر واليمن هي الأكثر عدداً سنوياً من بقية الإصدارات الأخرى؟! ما يؤكد أن القصة منتعشة في حين يعد بروز كتاب جدد مجددين في القصة القصيرة يستكملون ما بدأه أسلافهم علامة صحية تدلّ على عافية وتجدد هذا النوع الأدبي.

? شخصياتك واقعية أم متخيلة قوية أم منكسرة؟
? أعتقد أن جدل الواقعي والمتخيّل عقيم فكل متخيّل له أساس في الواقعي وكل مادة أدبية تستفيد بشكل مباشر أو مستبطن واع أو غير واع من تجارب الكاتب وخبراته ومعارفه. كما أن أشد الخيالات استهاماً وأكثر الإنتاجات الفنية سوريالية تستعمل عناصر الواقع، وهنا تكمن عبقريّتها وفرادتها والكيفية التي يرى بها الفنان والكاتب عناصر الواقع وأبعاده، ويعيد إنتاجه، أو تفجيره أو سبر أغواره وهذا ما أحاول فعله دائماً.
أكتب على مستويات متعددة في الشكل والموضوع وما فعلته في ثلاث من قصص مجموعتي الثانية “الفوضى الرتيبة للوجود” هو ادخال حوادث تاريخية ـ واقعية في بنية النص القصصي: ذكريات والدي عن عمّان الخمسينيات في قصة “كوابيس المدينة”؛ ما سمي بـ”انقلاب الضباط الأحرار في الأردن” في قصة “الانكسار البطيء للقيود البعيدة”، واستحضار الشهيد المناضل محمد حمد الحنيطي في متتالية “العبور”، وقصة رابعة عملت على ادخال جزء من تجربتي الشخصية اثناء محاولتي ضمن وفد “مثقفون أردنيون من أجل غزة” الدخول الى غزة من خلال معبر رفح بعد الحرب الصهيونية.
وبخصوص شخصياتي القصصية فهي غالبا كئيبة.. ضائعة وليست بطلة مع بعض الاستثناءات والأحداث وبنية القص واللغة هم أبطالي ولن تعلق بذاكرتك شخصية من شخصياتي بعد القراءة، لكن القصة نفسها ستظل تلاحقك ككابوس.. عالمنا كابوس كبير يظل الإنسان يريد أن يخدع نفسه بالهروب منه إلى عالم حالم متخيّل ووهمي.
وتدفع قصصي القارئ إلى فتح عينيه ومواجهة الدمار والموت، فقد رأى الشاعر يوسف عبد العزيز أن في قصصي “ثمّة زمان شائخ وأحلام مقصوفة وأرض بيضاء ممتدة تشبه الكفن الهائل.. ثمّة مرحلة كاملة محروقة ولا بدّ من فضح كلّ شيء” وقد التقط ذلك منذ مجموعتي الأولى “عن الحب والموت”.

? عندما تبدأ الكتابة ماذا يقفز لذاكرتك؟
? لا أكتب عادة إلا إذا استفزني شيء يظل يتصاعد في عقلي إلى أن يصل مرحلة الانفجار.. كثير من الكتاب يقولون إن السطر الأول هو مفتتح الكتابة وتسيل بعده بقية الجمل والنص بكليته، وغالباً ما يأتي السطر الأول في اللحظات السابقة للاستيقاظ الكامل من النوم صباحاً بعد أن تكون الفكرة قد تصارعت معي طوال الليل.
الكتابة بالنسبة لي لا علاقة لها بالاشتهاء أو الحب بل هي تجربة أقرب إلى التقيّؤ منها إلى أي شيء آخر، فالفكرة تظل تعتمل وتتقلّب وتتفاعل في داخلي إلى أن تخرج على الورق فأرتاح.
وهذا لا يعني أن القصص تخرج كلها دفعة واحدة، بعضها يخرج دفعة واحدة، وبعضها الآخر يخرج على دفعات أو دفقات، يليها شغل على الشكل واللغة والتركيب، فما زلت أكتب على الورق أولاً ثم أطبع على الحاسوب! ليست محلاً لإثارة شبقي وبالتالي لا تدفعني لافتضاضها.. الورقة مكانٌ أنفجر عليه، وأُخرج عليه كل ما في جوفي فالكتابة عندي تعبيرٌ عن انشغال وجوديٍّ أكثر من أي شيءٍ آخر.

أدباء الأحزاب
? كقاص هل تلتفت للنقاد أم أن النقد كما يقولون مجرد مجاملات؟
? ألتفت للنقد بالتأكيد! والدليل أنني ومع كل إصدار جديد أذهب للنقاد وأهديهم نسخا مع أن الأصول أن يبحث الناقد عن الرنتاجات الأدبية ويُعمل فيها أدواته. ولكن حتى مع هذا يظل ناقدنا المحلي والعربي أسير الكتابة عن أسماء تتكرر وتتكرر منذ عشرين عاماً تتبناها المؤسسة والسلطة والعلاقات الشخصية، وتظل تنفخ فيها رغم أن الكثير منها مثقوب ومنتجه رديء.
أنا لا أحتقر النقد على الإطلاق، بل أعتبر أن له وظيفة مهمة وطليعية في الأدب وكل مقالة نقدية أو انطباعية تصدر عن كتابتي تسعدني ولو كانت ذمّا لكن وللأسف النقد هو من يحقر نفسه بعدم متابعته للانتاجات الجديدة في حقول الأدب المختلفة وعدم اطلاعه على النظريات النقدية الجديدة وعدم اجتراحه لغاية الآن لنظريات نقدية عربية تقارب المنتج الإبداعي العربي من داخله بدلاً من المقاربة من الخارج.

? هناك أدباء صنعتهم الأحزاب أو مواقف بعينها أنت كمثقف طليعي من وقف وراءك؟
? لم يقف ورائي حزبٌ أو تنظيم، ولم أنضم لأي حزب سياسي طوال حياتي، وكنت دائماً وما أزال نقدياً في كل ما يتعلق بالفكر والسياسة الأمر الذي جعلني مكروها ومحاربا من العديدين سواء أكان هؤلاء في السلطة أو في المعارضة.
وربما كشفت هذه التجربة زيف الكثيرين ممن يسمّون أنفسهم “مثقفين”، فهم في المجمل لا يحتملون النقد، وليسوا ديمقراطيين والحرية لديهم أداة انتهازية يفصلونها على مقاسهم.. يشبعوننا صراخاً عن الحرية والديمقراطية وآخر النهار يصطفون مع الطغاة ويقبضون أموال الأنظمة الفاسدة ويهاجمون منتقديهم بآليات الدسائس والشتائم والتفاهات.
التنظيم أو الحزب أو حتى التجمع الأدبي، كرابطة الكتاب، هي مجرّد أطر عشائرية خالية من المحتوى الفكري والمعرفي والأيديولوجي وغالباً ما تكون قائمة على “الفزعة” ونصرة “ابن العم على الغريب”! هذه ليست أجواء لتثاقف حقيقي والمؤسسة الفاقدة للأدب لا تستطيع أن تنتج إلا “أدباء” على شاكلتها.
إن كنت أدين لشيء، فأنا أدين لهذا الوجود اللامتناهي الروعة الذي شكلني، ويشكل إلهامي الحقيقي وقراءاتي الكثيرة والمعلّمين الكثر الذين عرفتهم في الكتب وصنعوا من خلايا عقلي الكسولة مولّدا للتساؤلات والتحليل، وهنا أشير إلى الروائي الكبير صنع الله إبراهيم الذي اطلع على مسوّدة مجموعتي الأولى “عن الحب والموت” ودفعني إلى نشرها وقدّم لها الأمر الذي جعلني أكمل السير في طريق الأدب.

? في نتاجك الأدبي عمّا تبحث وما الذي يثيرك أدبياً؟
? بالنسبة لي وفي عالمنا المعاصر صارت الثيمات الرومانسية التفاؤلية خارج التاريخ وخارج الكتابة ولا علاقة لها بالحياة المعاصرة واستفدت إمكانياتها وقدراتها. الكاتب الحداثي المعاصر عليه أن يكون رؤيويا وتحليلا وعميقا وبعيدا عن السذاجة المفتعلة والمصطنعة، أو السذاجة الناتجة عن عدم الاطلاع والمعرفة.
نحن الآن في عصر الموت والخراب.. قطع الغابات وانقراض الأنواع والانفجار السكاني.. تلويث المحيطات بالبترول.. القنبلة النووية والكرسي الكهربائي. حقيقة لا أحتاج إلى البحث كثيراً لأعثر على الإلهام فهو موجود في الإسفلت الذي يخنق التراب الأحمر الخصب تحته وفي الكونكريت الذي يزحف قاتلاً حقول الأزهار في طريقه وفي الورق الذي يلقيه موظف تصوير الوثائق في سلة القمامة دون أن يعرف أن تلك قطعة من شجرة. كل تلك المادة الخام التي تحاصرنا يومياً كبشر تستفزّ الكتابة وتلهمها.
عالمنا المعاصر يمتلئ بالمعاناة، فهو مليء بالمعرفة التي تنتظر من يسبر أغوارها وينطقها لا في الأدب فقط، ولكن في حقول الفنون والفلسفة.

? كمثقف طليعي كيف ترى مستقبل الربيع العربي؟
? المثقف العربي تابع وفارغ وخائف، تابع ، لأن الثقافة بوطننا العربي تقع تحت تأثير السلطة والمؤسسات المانحة التي تصرف عليها، وبالتالي تحدد توجهاتها العامة.
فارغ، لأنه لم يستطع تقديم مشروع مستقبلي يشكل أرضية معرفية للناس الذين انتفضوا على حكامهم الطغاة دون وجود مثل هذه الأرضية بعكس الثورتين الفرنسية والبلشفية مثلاً التي سبق فيها الفكر الثورة.
خائف، لأنه يرى أن الشارع يسبقه دائماً وهو غير قادر معرفياً على اللحاق به فيحاول شدّه إلى الوراء متذرّعا بالفوضى القادمة ناسيا أن الوضع الذي نحن فيه في ظل النظام الرسمي العربي هو التجسّد الأعلى للفوضى.
وأعتقد أن الربيع العربي خطوة تاريخية إيجابية كبرى والناس، عندما يدفعون دما في تحرك شعبي لقاء حرّيتهم ومستقبلهم لن يوقفهم أي ظلم قادم.
والانتفاضات العربية لم تكتمل كثورات حتى الآن، ولم تستطع أن تنجز نظاما سياسيا اقتصاديا اجتماعيا جديدا، وهذا نابع من عدم وجود أرضيات معرفية وفلسفية وإيديولوجية أو أحزاب أو تنظيمات في قيادة الانتفاضات، وقد تتعرض لانتكاسات وعثرات وهذا متوقّع في مجتمعات سادتها لعقود أنظمة قامت على التفتيت والطائفية والفساد والتبعية.
المهم أن ضريبة الحرية التي دفعت دما ثبتت الآن في الوعي الجمعي للناس، وستظل حاضرة أبداً كضمانة تاريخية.
الشللية والتنفيعات
? يرى البعض أن المشهد الثقافي أو الحراك الثقافي في الأردن ضبابي؟
? خارج إطار الشللية والنميمة والتنفيعات والادّعاء لا أعتقد أن هناك مشهدا ثقافيا محليا حقيقيا يمكن الاعتداد به.. هنالك فوضى وارتجال وابتذال يطبع كل شيء من اختيار، وتعيين وزراء الثقافة إلى معارض الكتب ومهرجانات المسرح.
هناك محاولة لصناعة هوية بالقوة من خلال تطويع وتنميط وتشكيل الثقافة بما يخدم تفتيتها إلى رداءات ومقولات ذات طابع سياسي ـ- أمني تَسقط من أعلى وتسقط معها مدّعي الثقافة، وهناك تحوّل ملموس من موقع المثقف الى موقع المتسوّل الباحث عن الدعم والتمويل والمكافأة وتسويق مكثف للرداءة بصفتها منتجا إبداعيا.
ولكي تحصل على الاعتراف والرعاية والتقديم عليك أن تنضم لعصبة وتنضم للعبة ليس هذا من الثقافة، ولا من الابداع في شيء، فالإبداع والفن هما مساحات الحرية التي يعمل فيها الفنان والمبدع كل أدواته.. يفكك يفضح يحلل يعيد البناء.. يتلاعب بالواقع ويخلق واقعا آخر.
والإبداع هو حريّة الفنان الكاملة التي يمارسها بلا رقيب أو شروط واضحة أو مضمرة أو ضغوط مالية أو معنوية أو عُصب وانتماءات بدائية كل هذا لا ولن يتحقق بمثقف متسوّل وآخر مدّع وثالث محشور في قالب الانتماء العصبوي.

? البعض يتحدث بإيجابية عن جائزة التفرغ الإبداعي والآخر بسلبية فما رأيك؟
? عندما تعطى جائزة التفرغ الإبداعي عام 2010 لرئيس رابطة الكتاب الأردنيين، وهو لا يزال على رأس موقعه وأمين سر الهيئة الإدارية للرابطة تأخذ قيمة الجائزة ،وهي لا تزال على رأس عملها في عيادتها الخاصة مخالفة بذلك تعليمات التفرغ الإبداعي التي تقضي بعدم جواز مزاولة المتفرّغ إبداعيا لأي عمل يدرّ دخلا ثابتا فماذا يكون ذلك؟ أليس في ذلك شبهات فساد ومحسوبيات؟.
لعل هذا المثال يؤشر على آليات صنع القرار الثقافي وتوزيع المكاسب ولك أن تضع قائمة بأسماء المستكتبين في المجلات، وتقارنهم بأسماء أعضاء لجان التحكيم والمتفرغين إبداعيا والهيئات الثقافية العليا والمنسبين للمؤتمرات الخارجية وأعضاء الهيئات الإدارية لرابطة الكتاب أو أعضائها النافذين والحاصلين على جوائز، لتكتشف أن كل شيء يدور ضمن حلقة صغيرة متشابكة.
ففي غياب صندوق مستقل بالكامل عن تأثير السلطة وشلل “المثقفين” التي تحترف المؤامرات، وأخذ الأعطيات والدعم والمكافآت ستظل الحلقة مغلقة.

اقرأ أيضا