الاتحاد

الملحق الثقافي

ضربة فأس منحتها اسمها

لما دخل السلطان إدريس الأول إلى المغرب فارا من العباسيين، استقر في منطقة خصبة بها أودية وشعاب فضرب بفأسه وأمر أنصاره وجيشه ليبدؤوا البناء في المنطقة حتى يتخذها عاصمة لدولته، لذلك سميت عاصمة الدولة “الإدريسية” مدينة فاس بسبب ضربة الفأس. وفي كتب التاريخ قال بعض المؤرخين إن السلطان إدريس الأول لما شرع في بنائها قال له خاصته: أيها الأمير كيف نسميها؟ فقال: سموها باسم أول رجل يطلع عليكم، وبعد أيام مر بهم رجل فسألوه عن اسمه وكان ألثغ، فقال اسمي فارس، فأُسقط الراء من لفظه بسبب اللثغة، فقال السلطان إدريس الأول سموها كما نطق بها، فقالوا فاس.

وأيا كان سبب تسميتها فقد استطاعت مدينة فاس ان تسجل اسمها كواحدة من أهم الحواضر الاسلامية التي أثرت في تاريخ بلاد المغرب على مدى العصور الماضية، فقد احتضنت فاس عبر تاريخها حضارات مختلفة مما زاد من أهميتها الدينية والتاريخية والعلمية، فقصورها وأسوارها وأسواقها وحواريها وبيوتها تفوح بعبق التاريخ الإسلامي، لأنها شهدت اهم الأحداث السياسية والمعارك الطاحنة والتحالفات القبلية التي أثرت في تاريخ المنطقة.
وحين احتفل المغاربة قبل عامين بمرور 12 قرنا على تأسيس مدينة فاس كانت المناسبة فرصة للتذكير بمكانة هذه المدينة في التاريخ الاسلامي واحياء دورها على الصعيد الوطني، والذي تأثر كثيرا بعد أن اختار الاستعمار الفرنسي مدينة الرباط عاصمة للمغرب بدل فاس سنة 1912، عقابا لعلمائها وسياسييها على نشاطهم السياسي، ورغم انحصار دورها السياسي حافظت فاس على دورها الديني والثقافي وظلت وفية للقب الذي أطلقه عليها المغاربة “العاصمة العلمية”، فالمدينة تعيش باستمرار حراكا ثقافيًا متميزًا على مدار السنة حتى أصبحت مقصدا وفضاءً لعقد التظاهرات والمهرجانات من شتى ألوان الإبداع.

حضارات مختلفة
تزامن تأسيس مدينة فاس مع تأسيس الملكية بالمغرب على يد السلطان إدريس وبداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب، وحين بنى هذا السلطان مدينة فاس عام 182 هجري الموافق لـ 808 ميلادي وجعلها عاصمة للدولة الإدريسية هاجر الناس اليها من جميع حواضر المغرب ومن المشرق العربي فكان لقاء المغاربة والمشارقة بهذه المدينة، واصبح هذا التاريخ حيث يؤرخ لبداية الامتزاج والتلاحم بين الأمازيغ سكان المغرب الأصليين والعرب القادمين من المشرق حيث ساهم الانسجام بين هذين المقومين في تشكيل الهوية المغربية وبروز اسهاماتها في تاريخ العرب والمسلمين.
بعد وفاة إدريس الأول بنى ابنه إدريس الثاني المدينة الثانية على الضفة اليسرى من وادي فاس، وظلت فاس على حالها مقسمة الى عدْوَتين إلى أن دخلها المرابطون فأمر يوسف بن تاشفين بتوحيدهما وجعلهما مدينة واحدة. وشهدت مدينة فاس فترات مد وجزر ففي عهد الأدارسة عرفت فاس انتعاشا اقتصاديا وعمرانيا منقطع النظير واستغل بناة المدينة منطقة سهل سايس الخصبة التي تتوفر على موارد أولية متعددة، لتأسيس أول عاصمة بالمغرب، وحتى بعد سقوط الدولة الإدريسية صارت فاس القاعدة الحربية الرئيسية في شمال المغرب للدول المتتالية التي حكمت المنطقة بالإضافة لكونها مركزا دينيا وعلميا هاما في شمال أفريقيا.
وتعاقبت عدة عائلات ملكية على حكم فاس بعد سقوط الأدارسة، إلا أن عصرها الذهبي كان في القرن 14 تحت حكم السلطة المرينية ثم خلال القرن 17 ابان ظهور الدولة العلوية، فبعد سقوط الأدارسة تصارع الأمويون في الأندلس والفاطميون في شمال أفريقيا على فاس، لكن المدينة ظلت تحت سيطرة الأمويين حتى سقوط الخلافة الأموية بقرطبة، وتمتعت خلال عهد الأمويين بازدهار كبير، ثم سيطر على فاس أمراء زناته الذين حكموا المغرب لفترة قصيرة إلى أن ظهر المرابطون الذين انطلقوا من الجنوب وسيطروا على كل أنحاء المغرب، وشهدت المدينة في عهدهم طفرة عمرانية هامة، وبعد انحصار نفوذهم وقيام الدولة الموحدية شكلت فاس أحد ركائز الصراع بين المرابطين والموحدين الذين حاصروا المدينة تسعة أشهر ودخلوها عام 1143م، وقام أبو يوسف يعقوب المنصور ثالث الخلفاء الموحدين ببناء فاس الجديدة سنة 1276م وحصنها بسور وخصها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.
ثم سيطر بنو مرين على فاس بعد سقوط دولة الموحدين، وتحت حكم الدولة المرينية عرفت المدينة فاس عصرها الذهبي حيث اتخذوها بنو مرين مركزا لهم، وبعد فترة طويلة من التدهور والتراجع بسبب القلاقل التي عرفها المغرب، احتل السعديون المدينة سنة 1554م، وبالرغم من انتقال عاصمة الحكم إلى مراكش خص السعديون مدينة فاس ببعض المنجزات الضخمة كتشييدهم لأروقة جامع القرويين وعدد من القصور وترميم أسوار المدينة وبناء برجين كبيرين في الجهتين الشمالية والجنوبية لمدينة فاس.
ونتيجة للاضطرابات التي عرفتها الدولة السعدية انقسمت فاس إلى مدينتين: فاس الجديد وفاس البالي. وفي سنة 1667م، تمكن العلويون من الاستيلاء عليها، وظلوا مسيطرين عليها الى ان وقع المغرب تحت سيطرة الاحتلال الفرنسي حيث جردت فاس من مكانتها كعاصمة للمملكة المغربية عام 1912م وتم تحويل العاصمة إلى مدينة الرباط.

أحياء الأندلس
وفد إلى مدينة فاس عشرات العائلات العربية من دمشق وبغداد ومصر والقيروان وأقاموا أول الأحياء في المدينة والذي عرف باسم عدوة القرويين، كما وفد إليها الأندلسيون الذين أرغموا على الهجرة من الأندلس فأسسوا حي عدوة الأندلسيين، وكان هناك حي خاص باليهود وهو حي الملاح، وكان لهذه العائلات دور رائد في المجالات العلمية والمالية والسياسية والثقافية والحرفية.
تعتبر فاس أول عاصمة في المغرب وثالث أقدم العواصم في شمال افريقيا بعد الاسكندرية بمصر والقيروان بتونس، وهي ثالث أكبر مدن المغرب بعدد سكان يزيد عن مليوني نسمة، وقد صنفت اليونيسكو مدينة فاس سنة 1981 تراثا عالميا، اعترافا منها بمكانة هذه المدينة التي تضم أكبر مآثر الحضارة الإسلامية في المغرب من مدارس ومساجد وأبراج وأسوار وقصور. ومن أهم المعالم الأثرية التي تدل على تطور الحضارة الاسلامية عبر العصور بفاس، القصور التي شيدها المرينيون على التلال التي تطل على فاس من جهة الشمال، وتمت في الفترات اللاحقة اضافة أسوار وبوابات بأقواس رائعة ونقوش وزخارف متنوعة، حيث تخترق أسوار فاس القديمة مجموعة من الأبواب تحمل أغلبها أسماء تعود إلى فترة حكم الأدارسة وأشهرها أبواب الفتوح والجيزة والمحروق والصمارين.
واضافة الى المساجد والأبراج والمنازل تنتشر بفاس المدارس التاريخية مثل البوعنانية والمصباحية والعطارين والصفارين. ويوجد بمدينة فاس واحد من أعرق وأقدم المؤسسات العلمية في العالم وهو جامع القرويين الذي أسسته فاطمة بنت محمد الفهري عام 859م (245هـ) وتم تجديده في عهد السلطانين أبو يوسف يعقوب المريني ويوسف بن تاشفين المرابطي، وكان مقصدا لطلاب العلم من جميع أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا. وانتشرت في مدينة فاس العديد من الزوايا والمدارس القرآنية التي لعبت دورا رئيسيا في نشر الاسلام ببلاد المغرب.

اقرأ أيضا